تتعالى بعض الأصوات في هذه الأونة منادية أن الحجاب عادة اجتماعية وليس هناك دليل من القرآن أو السنة على فرضيته ،فما الرأي في ذلك؟
السؤال
24/08/2002
التاريخ
أ.د. عبد الفتاح إدريس
المفتي
الحل
بسم الله، والحمد لله، والصلاةوالسلام على رسول الله، وبعد: لم يكن الحجابفي الإسلام يوما ما عادة اجتماعية، ولا يعني وجود الشيء قبل الإسلام أنه ليس منالإسلام، فكثير من الأمور الحميدة التي وجدت قبل الإسلام أقرها،لأن الإسلام دينالفطرة النقية، وقد جاءت نصوص شرعية كثيرة تدل على فرض الحجاب دون تحديد هيئة أوشكل له، وجاءت نصوص أخرى تحذر من التبرج والتعري، فكان هذا دليلا واضحا على شرعيةالحجاب وستر عورة المرأة .
يقول الدكتورعبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة جامعة الأزهر : رُزِئ المجتمع الإسلامي في أيامناهذه بمَن يُريدون التخلُّص من أسُس الإسلام وثوابته؛ توطئةً لهدم الإسلام فيجُملته، وانطلاقًا من هذا المَقصِد السيئ تعرَّض البعض لموضوع حجاب المرأة، فزعمأنه ليس من أمر التشريع الإسلامي، وإنما هو مجرد ملبَس جرى عُرْف النساء في المجتمععلى ارتدائه حتى قبل ظهور الإسلام، وبوُسْع المجتمع أن يتخلَّص منه إذا ظهر أنه لاجدوى من ارتدائه، لا سيما أنه مُعَوِّق للعمل، ولا يُعَدُّ دليلًا على التزام مَنترتديه من النساء بأحكام الإسلام وتعاليمه، فضلًا عن عدم مناسبته لمكانة المرأةالتي ينبغي أن لا يُنظَر إليها كجسد، يجب تغطيته وحبسه في البيت، إلى غير ذلك ممايتذَرَّع به نُفاة الحجاب.
وفيالبداية نقرر أنالحجاب ليس عادةاجتماعية، كما توهَّم البعض، وإنما هو أمر تشريعي وفريضة فرضها الله تعالى على نساءهذه الأمة؛ صيانة لهن وخوفًا عليهنمن أذًى قد يتعرَّضْنَ له من غيرالمُبالين بالحلال والحرام، وسدًّا للذريعة إلى الفساد في المجتمع المسلم، ومنالأدلة الكثيرة الدالَّة على فرضية ستر المرأة عورتها ما يلي :
قول الله تعالى: (وَقُلْ للمؤمناتِيَغْضُضْنَ من أبصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُروجَهُنَّ ولا يُبدِينَ زِينَتَهُنَّإِلَّا مَا ظهرَ منها وَلْيَضْرِبْنَ بخُمُرِهِنَّ على جُيوبِهِنَّ...) النور 31 إلخ الآية،إذ المقصود من الزينة في الآية ما تتزيَّن به المرأة من الحُلِيِّ وغيرها، ونَهْيالنساء عن إبداء هذه الزينة نهي عن إبداء مواضعها من أبدانهن بالأولى، مبالغة فيالأمر بالتصوُّن والتستُّر.
وقوله سبحانه: (وقَرْنَ في بُيوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَتَبَرُّجَ الجاهليةِ الأُولَى) الأحزاب 33، وهو نهي كذلك عن إبداء المرأة عورتها.
وقوله جل شأنه: (يَا أَيُّهَاالنبيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وبناتِكَ وَنِساءِ المُؤمنينَ يُدْنِينَ عليهِنَّ مِنْجَلابِيبِهِنَّ ذلكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فلا يُؤْذَيْنَ)الأحزاب 59. وفي هذه الآية أمر بستر المرأة كذلك، الذي هو أدْعى إلى عدمتعرُّض المرأة المستورة العورة لأذًى من فُسَّاق الرجال.
ورُوِي عن أم سلمة أن رسول الله ـصلى الله عليه وسلم ـ قال: إِذَا كَانَ لإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبِ، فملكَ مَايُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْه" أي أن العبد ـ وهو مَن استثناهم الشارع من حُرْمةالنظر إلى عورة سيدته في قوله: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ) إذا كاتبتْهسيدتُه، وملك ما يُحَرِّر به نفسَه من الرقِّ، وجب على سيدته أن تَحتَجِب منه.
وروي عن عائشة قالت: "إن أسماء دخلتعلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعليها ثياب رِقاق، فأعرض عنها، وقال: إنالمرأة إذا بلغت المحيض لم يَصلُح أن يُرَى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجههوكفَّيْهِ".
وتوعَّد الشارع مَنتُبدي عورتَها بالعذاب الأليم، فرُوِي عن أبي هريرة أن رسول الله ـ صلى الله عليهوسلم ـ قال: "صنفانِ من أهل النارِ لم أرهما... ونساء كاسِيَات عارِيَات مُميلاتمائلاتٌ، رؤوسهن كأسنِمة البُخْت المائلة، لا يدخُلْن الجنةَ ولا يَجِدْنَ ريحها"،ومعنى نساء كاسِيَات عارِيَات، أي يبدين بعض أبدانهنَّ ويستُرْن البعض الآخر،إظهارًا لجمالهن.
كل هذا وغيرهدليل قاطع على أن الحجاب من التشريع وأنه مفروض على نساء هذه الأمة، وليس هناكموديل معيَّن لثياب المرأة المسلمة، يتحقَّق به ستر عورتها، فبوُسْع كل امرأة أنتختار من هذه الموديلات ما يكون مناسبًا لبدنها أو عملها، سواء كانت تعمل داخلالمنزل أو خارجه، بحيث تكون الثياب المختارة غير مُلْتَصِقة ببدن المرأة، وأن تكونسميكة نوعًا ما، حتى لا تصف تفصيلات البدن إن كانت ضيقة، أو تبدي شيئًا منه إن كانترقيقة "شفافة"، فإذا اختارت المرأة ما يناسبها من ذلك فلا يُتصور أن تُعَوِّقها عنالعمل، إلا أن تكون المرأة قد اختارت ما لا يُناسبها منها، فتكون بهذا قد أساءتالاختيار، وعليها في هذه الحالة أن تبحث عما يُناسبها.
وليس في أحكام الحجاب ما يُفهَم منه أن الإسلام ينظر إلىالمرأة كجسد يجب أن يُغَطَّى.. إلخ، بل إن الذين يريدون التبرُّج للمرأة والتنكُّبعن شرع الله، هم الذين ينظرون إليها كجسد، يجب أن يتعرَّى لتعود المرأة به إلى عصرالنِّخاسة، وقت أن كانت الإماء تُعرَض فيه كما تُعرَض الدواب، مُتَجَرِّدات من كلما يستُرُهن، ليرُقنَ في نظر مَن يُريد شراءهن، وهذه الصورة المُهِيِنة، التي لميردها الإسلام للنساء الحرائر، يريد نُفاة الحِجاب أن يرتدوا بالمرأة إليها؛تحقيرًا لشأنها، وتحبيذًا على أن تكون في هذه الحياة مجرد جسد، تتعَلَّق الأعينبمواضع الفتنة والإثارة فيه في غُدُوِّه ورواحه، والإسلام الذي كرَّم المرأة، ورفعمن منزلتها، وحفظ لها حقوقها أسوةً بالرجل، ينأَى بها أن تهوى إلى هذا المستَنْقَعالذي يريده لها نُفاة الحجاب، فما قصد الإسلام من أحكام الحجاب إلا صيانةَ المرأةوتكريمها وحمايتها من أن تُصاب بأذًى، وهذا يُدرِكُه المتصفِّح لنصوص الشريعة، ولولم يكن متفَقِّها في هذه الأحكام.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..