English

 
           

 

ابحث

بحث متقدم

شرعي

آخر تحديث:07:16 GMT, Sunday, Nov. 29, 2009

بنك الفتاوى » شرعي
 
اطبع أرسل لصديق
تفاصيل الاستشارة والرد
كمــال   - المغرب الاسم
فصل الدين عن الدولة جريمةالعنوان
هل يجوز في الإسلام فصل الدين عن الدولة، كما يُنادي بعض الناس؟
السؤال
20/06/2002التاريخ
الحل
بسم الله ،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد:
لم يفصل الإسلام بين الدين والدولة، فهما نسيج واحد لأن الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا ،فهو دولة ووطن ،أو حكومة وأمة ،وهو خلق وقوة ،أو رحمة وعدالة ،وهو ثقافة وقانون ،أو علم وقضاء ،وهو مادة وثروة ،أو كسب وغنى ، وهو جهاد ودعوة ، أو جيش وفكرة ،كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة ،سواء بسواء.

وما يقوم به بعض المتغربين ما هو إلا سوء فهم للإسلام ،ومحاولة منهم لدحضه وإبعاده عن الحياة ،وهو دين الحياة .


يقول الدكتور أحمد الشرباصي الأستاذ بجامعة الأزهر رحمه الله :

إن الذين يتحدثون عن فصل الدين عن الدولة "لا يُعجبهم شيء ، وإن هذا الترويج يتصل بتهوين شأن الدين في نفوس العامة والخاصة على السواء، بدليل أننا إذا حدثناهم بقول العلماء المعاصرين، حاولوا النَّيْل من هؤلاء العلماء والافتيات عليهم، فإذا عدنا بهم إلى قول الأئمة الأعلام، قالوا: إن هؤلاء بشر مثلنا، يجوز عليهم الخطأ والصواب، كما يجوز علينا. فإذا عُدنا بهم إلى ما هو أسمى وأعلى، وهو حديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، عَرَّضُوا بالكلام عن الوضع أو التجريح أو التضعيف، وما إلى ذلك، وقالوا: إِنَّ السُّنَّة قد دَخَلَ عليها ما دخل من وضع الواضعين، وافتراء المُفْترين... لذلك نتنزل مع هؤلاء المُروِّجين، أو نسير معهم إلى غاية الشوط، ونُفتيهم من كتاب الله ـ عزَّ وجل ـ الذي لم يَجرءوا بعدُ على أن يقولوا فيه قولًا، أو يَنَالوا نَصَّه بمطْعَن، وإن كانوا قد هوَّنوا شريعة القرآن بما استطاعوا من وسائل التهوين.

القــرآن كـــتاب هـداية :

إن القرآن كما نفهم جميعًا، وكما يفهم هؤلاء، هو دستور الله الذي جعله سبب الهداية للفرد والجماعة، فالله سبحانه وتعالى يقول: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ). وهذا الدستور الذي جعله الله سبب الهداية جعل له أيضًا صِفَة البَقَاء والخُلود بقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجرات: 9).

كفر من لم يحكم بالقرآن

وهذا الدستور الباقي الدائم الخالد، نحن مأمورون جميعًا بتنفيذ ما فيه، والقرآن صريح في الحكم على مَن يأبى تنفيذ هذا القانون بالكفر والظلم والفسق، وهناك في سورة المائدة ثلاث آيات مُتقاربات، حتى تكاد تتلاصق، تُصرح بهذا الحكم، وهي قول الله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: 44)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة: 45)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (المائدة: 47).

وكثير من المفسرين يقولون: إن الكفر قد ورد في القرآن الكريم مُعَبَّرًا عنه بالظلم حينًا، وبالفسق حينًا آخر، فيكون المُراد بالصفة في الآيات الثلاث صِفة الكُفر والنكران لشريعة الله. فإذا تناولنا هذا الدستور الهادي الباقي الخالد، الذي أمر الله بتنفيذه، وَجَدْنَا أنَّه لم يترك ناحية من نواحي التنظيم الدنيوي الفردي والجماعي إلا تعرَّض لها، ونصَّ عليها، ما دامت أَصْلًا أو قاعدة تَستتْبع غيرها من الجُزئيات والتفاصيل.

فالذين يقولون الآن: إنَّ الدين صلة بين العبد وربه، وإنه تهذيب للنفس فقط، مثلهم كمثل القائل: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ) (النساء: 43) دون أن يذكر بقية الآية... لا ريب أن القرآن تهذيب للنفس، وتقويم للخلق، ولكن هذا جُزء من أجزائه، وهناك أجزاء كثيرة تتعلق ببقية مظاهر الحياة الجماعية والدولية والإنسانية، فهو يُشَرِّع للنفس عندما يقول: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس: 7 ـ 10)، وحين يقول: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13)، وحين يقول: (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ) (القصص: 77).

القـرآن والتشريع الاجتماعي:

ثم ينتقل القرآن إلى التشريع للأسرة فيقول: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم 21)، ويقول: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (النساء: 19)، يقول: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ( البقرة: 233)، ويقول: (وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) (البقرة: 233)، ويقول: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفِ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: 229).
التشـريع للأمـــة :


ثم ينتقل القرآن من التشريع لهذا المحيط الضيِّق حسًّا، إلى المحيط الواسع وهو محيط الأمة، فنجد قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران : 103)، (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: 38)، (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (آل عمران: 159)، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: 10)، (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء: 92).

ثم ينتقل القرآن إلى التشريع للإعداد والواجب أن يكون في الأمة، فيقول: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: 60).

وينتقل إلى التشريع للحرب فيقول: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) (البقرة: 190)؛ (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ) (التوبة: 12)، (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) (التوبة: 41). ثم يشرع للسلام فيقول: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) (البقرة: 208)، (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) (الأنفال: 61)، وهو كذلك يضع أصولًا للنواحي القضائية فيقول: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: 58).
كما يُشَرِّع لحرية الأمة وعزتها وكرامتها، فيقول: (وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (المنافقون: 8)، (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مَؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139)، (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (النساء: 141).
التشـريع للعلاقات البشرية الإنسانية :


ثم يُشَرِّع للعلاقات الإنسانية والروابط البشرية فيقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبُّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً َكَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَان‍َ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: 1). والقرآن، في أحيان كثيرة، يُخاطب بتشريعاته الجماعةَ التي هي أمة ودولة، وهي مُركزة في حكومة يجب أن تَلتزم هذه القوانين. وبذلك تأتي صيغة الخطاب كثيرًا بصيغة الجمع: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِى الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 179)، (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) (النور: 2)، (وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ) (الحج: 78).

وعلى هذا المنوال آيات كثيرة جدًّا تضمنت شتى التشريعات، واتجه الخطاب فيها إلى الجماعة، على معنى أنها أمة ودولة مُركزة في حكومة يجب أن تلتزم هذه الأحكام الإلهية.

والله أعلم .
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..

 

 

تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث