يقول البعض بأن القرآن لم يجمع فى حياة الرسول ، وأن الصحابة رضي الله عنهم تدخلوا فى جمعه وترتيبه ، وأن سيدنا عثمان أحرق النسخ المخالفة لمصحفة لغرض سياسي ، وقدم سيدنا زيد بن ثابت على سيدنا عبد الله بن مسعود في هذه المهمة لتحقيق هذا الغرض ، فما ردكم على هذا ؟
السؤال
23/05/2002
التاريخ
الحل
بسم الله، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:ـ
أخي الكريم .. لا يليق بمسلم أن يتشكك في أحد من الصحابة الكرام ويتهمه باستخدام القرآن الكريم لأغراض سياسية ولمصلحته الخاصة ، مقدما ذلك على حفظ القرآن وقداسته ، فضلا عن كون ذلك الصحابي من الخلفاء الراشدين المبشرين بالجنة .
والقرآن الكريم لم يجمع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لعدم الحاجة ، حيث كان الحفاظ كثيرين ، وأما في عهد الصديق رضي الله عنه فقد كلف سيدنا زيد بجمع القرآن مع الفاروق لأنهما من كتاب الوحي .
ولكن لما جاء عهد عثمان رضي الله عنه واختلف القراء المعلمين وظن كل منهم أن قراءته هي الأدق استغاث البعض بالخليفة ليجمع الناس على مصحف واحد ، فاستجاب وكلف سيدنا زيدا وجماعة معه بهذه المهمة ، لأن الصديق اختاره لمثل هذا من قبل ، وكان اعتراض سيدنا ابن مسعود لظنه أن زيدا انفرد بهذا العمل
جاء في فتاوى الأزهر :
كان القرآن مجموعا شفاها في صدور الصحابة في حياة الرسول ، بل كان مكتوبا عندهم على صفائح الحجارة وأصول السعف الغلاظ وغيرها ، ولم يفكر الصحابة في جمع القرآن مباشرة بين دفتي كتاب بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ شغلتهم حركة الارتداد التي وقعت وما أعقبها من الحرب ، ثم إنهم كانوا مطمئنين إلى أن القرآن لا خوف عليه ، لأن قراء القرآن وحفظته كانوا كثيرين ، والقرآن نفسه مكتوب ومحفوظ في بيوت أمهات المؤمنين .
لكن معركة اليمامة التي سقط فيها ألف شهيد بينهم نحو من أربعمائة وخمسين صحابيا من حفظة القرآن أمر اهتم له عمر بن الخطاب - وهو أحد كتاب الوحي - فمضى إلى أبى بكر يطالبه بجمع القرآن ، ويظل به حتى يشرح الله صدره، فيرسل إلى زيد بن ثابت أحد كتاب الوحي ويكلفه بهذه المهمة ،ويقول له : إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه . وكان قرار أبى بكر بجمع القرآن بين دفتي كتاب أعظم قرار في تاريخ الدعوة والأمة ، حفظ لها دستورها ، ويقول عنه على - رضى الله عنه - أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر - رحمة الله على أبى بكر - هو أول من جمع بين اللوحين .
وحرصا على ألا يكتب إلا ما هو صحيح تماما فإن أبا بكر لم يترك الأمر لزيد وحده بل أشرك معه عمر وكلفهما أن يستوثقا مما يأتيهما ، فقال لعمر ولزيد : اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه .
والروايات التاريخية تضيف إلى عمر بن الخطاب وزيد في مهمة جمع القرآن - وهما من كتاب الوحي - أسماء : سالم بن معقل ، وأبى بن كعب . والمنهج الذي اتبعه زيد بن ثابت ومعاونوه في جمع القرآن قد قال عنه الدكتور هيكل : نستطيع أن نقول دون تردد : أنه اتبع طريقة التحقيق العلمي المألوفة في عهدنا الحاضر ، وقد اتبع هذه الطريقة بدقة دونها كل دقة ، وأتم زيد ومعاونوه جمع النص القرآني ، ثم أودعت الصحف عند أبى بكر حياته ، ثم عند عمر حياته ، ثم عند حفصة بنت عمر أم المؤمنين .
وفى عهد عثمان - رضى الله عنه - وعلى التحديد عام ثلاثين للهجرة أخذت مهمة تعليم القرآن التي كانت موكولة إلى القراء تتعرض لخطر اختلاف القراءات باختلاف القراء المعلمين وقول كل منهم إن قراءته هى الأدق ومضى حذيفة بن اليمان الذي كان رفيق سعيد بن العاص في فتح أذربيجان وأعلن عن تخوفه من أن يختلف الناس على القرآن وأنه سيذهب إلى الخليفة عثمان ليعرض عليه الأمر .
مضى حذيفة إلى عثمان فأخبره بما رأى وهو يقول : أنا النذير العريان فأدركوا الأمة . واستجابة للنذير العريان حذيفة قرر عثمان نسخ مصحف أمام فأرسل إلى حفصة يطلب منها المصاحف التي كان قد نسخها أبو بكر فأرسلتها ، وأمر زيدا ليقوم بالمهمة التي قام بها أيام أبى بكر ، وضم إليه عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وقال لهم ، إذا اختلفتم فاكتبوه بلسان قريش ففعلوا . فلما نسخوا المصحف رد عثمان إلى حفصة نسختها ، وأرسل إلى كل أفق بمصحف وحرق ما سوى ذلك .
وما فعله سيدنا عثمان كان محل الرضى من الأمة - إلا ابن مسعود الذي عارض في إحراق مصحفه لظنه أن زيدا قد انفرد وحده بالعمل - وكان عمل عثمان - رضى الله عنه - محل إجماع الأمة حتى قال على - رضى الله عنه - لما قدم الكوفة فقام رجل فعاب عمل عثمان فإذا على يقول : اسكت فعن ملأ منا فعل ذلك ولو وليت منه ما ولى عثمان لسلكت سبيله . (انتهى).
فالقرآن الكريم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع في صدور الصحابة ، ولم تكن الحاجة داعية إلى جمعه في مصاحف ، لأنه لم يكن تم نزوله وكان الصحابة يحفظونه.
وبعد وفاته شغل الصحابة بحروب الردة وغيرها، وكان القرآن مكتوبا كله في رقائق الحجارة وعلى سعف النخل ونحو ذلك ، وكان حفاظه من الصحابة كثيرين .
فلم تكن هناك حاجة إلى جمعه كتابة ، حتى وقعت معركة اليمامة التي سقط فيها نحو أربعمائة وخمسين صحابيا من حفظة القرآن شهداء، فكلف الصديق زيد بن ثابت وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما بجمع القرآن ،لأنهما كانا من كتاب الوحي ، وشرط عليهما أن لا يكتبا آية إلا بشهادة اثنين من الصحابة بها ، وأضاف إليهما : سالم بن معقل ، وأبى بن كعب .
حتى حدث اختلاف القراءة والمعلمين في القراءات وظن كل منهم أن قراءته هي الأدق ، فاستغاث سيدنا حذيفة بالخليفة عثمان أن يجمع الناس على مصحف واحد لمنع الاختلاف ، فأمر سيدنا زيدا وجماعة آخرين بجمع القرآن في مصحف واحد ، لأن سيدنا أبا بكر اختاره لمثل هذه المهمة من قبل ، ثم أرسل نسخة إلى كل بلد ، وأحرق سائر المصاحف .
وكان هذا محل إجماع ورضا من جميع الصحابة ، ولكن سيدنا عبد الله بن مسعود اعترض على ذلك لظنه أن سيدنا زيدا قام بهذا العمل وحده ، ومصحف أجمع عليه الصحابة أولى من مصحف أحدهم ، مهما كان فضل هذا الواحد ، فمصحف عثمان رضي الله عنه مجمع عليه ، وليس مجرد أمر واقع ،وقد أقره سيدنا علي بعد ذلك عندما اعترض عليه البعض ، وقال بأنه لو كان مكان عثمان لفعل مثله
والله أعلم.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..