كيف يجمع بين دعوة الإسلام للسلام ،ودعوته للاستعداد للجهاد في أي وقت ،وأن يتسلح المسلمون بالقوة ؟
السؤال
08/03/2004
التاريخ
الحل
بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:
إن كان الإسلام لا يأمر أن يندفع المسلمون وراء الحرب المسلحة،ولكنه يدعو إلى السلام المسلح ،وهو يعني أننا لا نعادي أحدا ،ولا نعتدي على أحد ،ولكن نكون في استعداد دائم إن اعتدى علينا المعتدون أن نرد عدوانهم ،والأمة التي تركن للدعة والراحة أمة هالكة،والأمة التي تعيش سلامًا في الحياة ،واستعدادا لأي اعتداء غاشم أمة كتب لها البقاء ،والرفعة بين الأمم ،وهذا من ملامح الوسطية التي امتاز بها الإسلام،فلا نعتدي على أحد ،ولكن نكون مستعدين لصد العدوان .
هذا خلاصة ما قاله الشيخ محمد الغزالي رحمه الله – عند تفسير قوله تعالى :
(فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين. وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين).حيث قال :
كنت أريد شرح الآية الأخيرة فوجدت أن أقصر طريق للإبانة عن معناها والدلالة على تفسيرها يكون بضم سابقتها إليها، فإن المقصود من الآية الأولى تقديم رائع للمقصود من الآية التي تليها.
إن الله عز وجل يأمر بنصر الحق والنضال دونه ومجاهدة الكافرين بالنفس والنفيس، ويوصي عباده ألا يستكينوا للظلم! ويحرضهم على مقابلة العدوان بمثله، وعلى ألا يتركوا الضلال يستعلن فلا يجد من يقمعه ويرجعه.
كلا. فرسالة الله أعز في حقيقتها وأعز لدى حملتها من أن يكون لها أمام الباطل منزلة السوء والهوان، وهذا ـ بداهة ـ يستتبع سيلا جاريًا من النفقة المبذولة، وينابيع دافقة من الإيثار والتضحية وبيع الدنيا بالآخرة، وقد وجه المسلمون الأولون صراحة بهذه التكاليف الشاقة في هذه الآيات وفي غيرها من كتاب الله، لكن الآية تمتاز بأنها تضمنت تهديدًا خطيرًا لمن يجبن عن الكفاح وينكص عن النفقة!! إذا اعتبرت الفار بنفسه وماله ملقيًا بنفسه وماله في الهلاك، وأومأت إلى أن الأمة التي تتراجع عن الموقف الواجب في ميدان الشرف والفداء لا تلبث قليلا حتى تذل وتخزي ثم يجري عليها التاريخ أذيال العفاء.
ردوا العدوان وابذلوا في سبيل الحق.. وإلا فالتسليم للعدوان والشح بالأموال طريق الضياع والفناء والتهلكة، فلا تلقوا بأيديكم إليها.
ألا ليت المسلمين يدركون هذه السنة في ازدهار الأمم واندثارها لاسيما وهم مع اليهودية والصليبية في حرب حياة أو ممات.
غير أن فريقًا من المسلمين ظلم هذه الآية أقبح ظلم، وفهمها فهماغير صحيح، وظل أن الله يقول لعباده: احرصوا على أعماركم فلا تعرضوها للاستشهاد في سبيل واحرصوا على أموالكم فلا تضيعوها بالإنفاق في سبيلي!
وهكذا لم يكف الناس أن يعصوا، حتى ذهبوا يتلمسون لمعاصيهم الفتوى المشروعة!
عن أبي عمران قال: كنا بمدينة القسطنطينية فخرج علينا صف عظيم من الروم فبرز إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم ثم خرج إلينا، فصاح الناس إليه فقالوا: سبحان الله! ألقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبوأيوب: يا أيها الناس، إنكم لتتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها… فأنزل الله هذه الآية…
وإقبال الناس على أموالهم يستصلحونها ليس جرمًا ينهون عن اقترافه، فإن تعهد المتاجر والمحاقل بما يزيد غلتها ويضعف ثمرتها عمل مطلوب لا قيام للدنيا، إلا به، و لا قيام لدين إلا إذا ساندته دنيا، نماها العمل، ثم أنهكها البذل في سبيل الله.
وإنما خيف على المسلمين الأوائل أن يقعدوا عن نصرة الدين ويركنوا إلى ما بقي لهم من مال ظانين أن الإسلام قد انتصر وفرع من أعدائه فلا ضرورة لإعداد ولا استعداد.
وهذا خطأ، فإن أعداء الحق لا يخلو منهم جيل ولا ينقطع لهم كيد، ولئن كان الهجوم المسلح غير مطلوب دينا، فإن السلم المسلح من أركان الدين، وذلك يتقاضى الأمة أن تأخذ أهبتها كاملة فلا تبخل كاملة على عدد الحرب بمال، ولا تمسي إلا وهي واثقة من أنها على حذر وتهيؤ فإذا بوغتت ردت على العادين وهي عزيزة قادرة، فأما الأمم التي تنام على تفريط وتضن على حماية نفسها ورسالتها بالأرواح والأموال، فهي أمم لا شك هالكة، في عالم يقال فيه: من لم يتذأب أكلته الذئاب، إن النفقة في هذه الوجوه سياج يحمي المآثر ويصون الحياة، كما قال الله:
(ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله، فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء).
والله أعلم
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..