يستند بعض دعاة العنف في جملة ما يستندون إليه- إلى حديث نبوي شريف، يزعمون أنه صحيح، وهو الحديث الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم:"بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري. ومن تشبه بقوم فهو منهم". ونحن نعلم أن علم الحديث ورجاله: بحر واسع عميق، لا يستطيع السباحة فيه أو الغوص في أعماقه إلا أهله، ولذا وقفنا أمام هذا الحديث لنسأل أهل الذكر: أهذا الحديث صحيح حقيقة أم لا؟ ونرجو من سماحتكم إلقاء ضوء كاشف على القيمة العلمية لهذا الحديث الذي تمسك به المتشددون، وشنّع به المشنعون من أعداء الإسلام: أن هذا الدين دين السيف.؟
السؤال
19/09/2006
التاريخ
العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي
المفتي
الحل
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: أخيالكريم: القضايا المصيرية التي تتعلق بأمر دين بأكمله وكيان أمة أجمعها لا يجوزالاحتجاج فيها بالضعيف من الحديث وخاصة إذا تعارض ذلك مع صريح القرآن الذي لا يقبلالمراء ولا الجدال، فالحديث الذي ذكرته فيه مقال وقد تكلم في رواته أهل الجرحوالتعديل من علماء الحديث، كما تكلموا في متنه ونهمس في أذن الداعين إلى الله ومنأناطوا بأنفسهم حمل رسالة الإسلام والذب عنه، أن يقفوا على جوهر الإسلام وأن يفقهواجيدا حقيقة الرسالة التي جاء بها خير الأنام، وأن يكون عمدتهم في ذلك كتاب الله عزوجل الذي "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميـد" والسنةالصحيحة الثابتة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم ـ وعلى المسلمين عامة والعاملينفي حقل الدعوة إلى الله خاصة أن يستوثقوا ويبذلوا قصارى جهدهم في الوصول إلى الحقحتى لا يُنسَب إلى دين الله – عز وجل ـ ما هو منه براء وأن يحذروا أن يقعوا تحت طائلةقوله تعالى: "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهميحسبون أنهم يحسنون صنعا " أعاذنا الله أن نكون منهم.
والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا محمد بن زيد –يعني الواسطي- أخبرنا ابن ثوبان، عن حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابنعمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" بعثت بالسيف، حتى يعبد الله وحده لاشريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبهبقوم فهو منهم"وقد نقل الدكتور القرضاوي كلاما كثيرا حول ما ذكره العلماءالمعاصرون في تخريجهم لهذا الحديث ملخصه ما يلي:- تخريج الشيخ شاكر: الشيخ أحمد شاكرقال في تخريجه: إسناده صحيح والحديث ذكر البخاري بعضه في الصحيح 6: 72 معلقًا،والحديث في إسناده أبو منيب لا يعرف اسمه، وفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان مختلففي توثيقه، قال عنه أحمد: أحاديثه مناكير، وقال أيضًا: لميكن بالقوي في الحديث. وقال أيضًا: كان عابد أهل الشام. قال الشيخ شاكر: والظاهر: أنهم تكلموا فيه من أجل القدر،ومن أنه تغير عقله في آخر عمره، ولم يذكره البخاري ولا النسائي في الضعفاء، وصحح لهالترمذي حديثًا. انتهى.
وعقبفضيلة الدكتور القرضاوي على تخريخ الشيخ شاكر قائلا: هذاما انتهى إليه العلامة الشيخ شاكر رحمه الله، فقد صحح إسناد الحديث، برغم ما فيالرجل من خلاف شديد حول توثيقه أو تضعيفه. والشيخ شاكر معروف بتساهله في التصحيح،فلا يكاد يوجد راو مختلف فيه إلا ووثقه واعتمده. و قول الإمام أحمد : أحاديثهمناكير يدل على أنه لم يضعفه من أجل القدر كما قال الشيخ. وقد رأيناه نقل عن حافظين كبيرين ذكرا الحديث ولم يصححاه: أحدهما: الحافظ نور الدين الهيثمي صاحب (مجمع الزوائد) والثاني: الحافظ ابن حجر في (الفتح) وكلاهما ذكر الحديث، وذكرا ما في راويه ابن ثوبان من خلاف.ومما يؤخذ على كلام الشيخ شاكر: أنه قال: ذكر البخاري بعضه في الصحيح معلقًا، وكانينبغي أن يقول: بغير صيغة الجزم، بل بصيغة التمريض والتضعيف. لأنه قال: ويُذكر عنابن عمر…… إلخ.
تخريج الشيخ شعيبالأرناؤوط: وفي تخريج المسند في الجزء السابع الذي اشتركفيه مع الشيخ شعيب: محمد نعيم العرقسوس وإبراهيم الزئبق، قالوا: إسناده ضعيف، علىنكارة في بعض ألفاظه، وابن ثوبان: اختلفت فيه أقوال المجرحين والمعدلين، فمنهم منقوى أمره، ومنهم من ضعفه، وقد تغير بآخره. وخلاصة القول فيه: أنه حسن الحديث إذا لميتفرد بما ينكر، فقد أشار الإمام أحمد إلى أن له أحاديث منكرة، وهذا منها. وعلق البخاري (6/98 الفتح) بعضه بصيغة التمريض. وأخرجه الطحـاوي في (شرح مشكل الآثار ) بإسناده، وفيه ثلاثعلل، بينوها بتفصيل، ثم قالوا: فهذه العلل الثلاث مجتمعة لا يمكن معها تقوية الحديثالمرفوع بمتابعة الأوزاعي لابن ثوبان. والله تعالى أعلم. انظر: الجزء السابع من مسند الإمام أحمد ص 123-125 تخريجالحديث (5114). أ.هـ
ما نقلهالمزي في تهذيب الكمال: وننقل إليك بعض ما ذكره الحافظالمزي في تهذيب الكمال وهو من أهم الكتب في هذا الباب عن ابن ثوبان، فقد قال فيترجمته برقم (3775 ): قال أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل:أحاديثه مناكير. وقال محمد بن علي الوراق، عن أحمد بنحنبل: لم يكن بالقوي في الحديث. وقال إبراهيم بن عبد اللهبن الجنيد، عن يحيى بن معين: صالح، وقال في موضع آخر: ضعيف. وقال النسائي: ضعيف. وقال في موضعآخر: ليس بالقوي. وقال في موضع آخر: ليس بثقة. قال دحيم: ثقة، يرمى بالقدر كتب إليه الأوزاعي، فلا أدري أيشيء رد عليه. وقال أبو حاتم: ثقة، وقال في موضع آخر: يشوبهشيء من القدر. وقال ابن خراش: في حديثه لين. وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات ". وقال أبو بكر الخطيب: كان ممن يذكر بالزهد والعبادة والصدق فيالرواية. انتهى
ويعقب فضيلةالدكتور القرضاوي فيقول: وبهذا يتبين لنا أن مجرحيه أكثر،وأن موثقيه- وهم قلة- لم يوثقوه بإطلاق. فدحيم الذي وثقه قال: يرمي بالقدر، كتبإليه الأوزاعي، فلا أدري أي شيء رد عليه. وأبو حاتم الذي وثقه قال عنه أيضًا: يشوبهشيء من القدر. وتغير عقله في آخر حياته. وكما رمي بالقدر،رمي بالخروج، وقد ذكر الذهبي في (الميزان) عن الوليد بن فريد أنه روى عن الأوزاعي،أنه كتب إلى ابن ثوبان يقول له: وقد كنت ترى قبل وفاة أبيك: ترك الجمعة حرام، وقدأصبحت ترى ترك الجمعة والجماعة حلالاً. ومعنى هذا: أنه رجللديه استعداد للغلو، ومثله يروج عنده حديث مثل "بعثت بين يدي الساعة بالسيف ". ونقل الذهبي عن العقيلي أنه قال: لا يتابع ابن ثوبان إلا من هودونه أو مثله. وذكره ابن الجوزى في جملة الضعفاء. وقال الذهبي في (أعلام النبلاء): لم يكن بالمكثر، ولا هوبالحجة، بل صالح الحديث. وقال ابن حجر في (التقريب): صدوقيخطئ، ورمي بالقدر، وتغير بآخره . انتهى.
ومثل هذا الراوي لا يؤخذ منه حديث يحمل مثل هذا المضمونالخطير: الإسلام دين السيف! وأن الرسول يرتزق من رمحه!
نظرة أخرى في الحديث من جهة متنه ومضمونه: وإذا غضضنا الطرف عن سند الحديث وما فيه من كلام، ونظرنا فيمتنه ومضمونه، وجدناه منكرًا، لا يتفق مع ما قرره القرآن بخصوص ما بعث به محمد صلىالله عليه وسلم. فالقرآن لم يقرر في آية واحدة من آياته أنمحمدًا رسول الله بعثه الله بالسيف، بل قرر في آيات شتى أن الله بعثه بالهدى ودينالحق والرحمة والشفاء والموعظة للناس. وهذا ثابت بوضوح فيالقرآن المكي، وفي القرآن المدني، على سواء.
يقول تعالى في سورة الأنبياء وهي مكية: (وما أرسلناك إلا رحمةللعالمين) الأنبياء: 107. وعبر عن هذا النبي صلى الله عليهوسلم فقال: (إنما أنا رحمة مهداة ).
وقال تعالى في سورة النحل، وهي مكية: (ويوم نبعث في كل أمةشهيدًا عليهم من أنفسهم، وجئنا بك شهيدًا على هؤلاء، ونزلنا عليك الكتاب تبيانًالكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) النحل:89. وقال تعالىفي سورة يونس وهي مكية: (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فيالصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) يونس:57. وقال تعالى في سورةالتوبة ، و هي مدنية : (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله،ولو كره المشركون) التوبة:33. وقد تكررت بلفظها في سورةالصف:9 وهي مدنية. وفي سورة الفتح، وهي مدنية، نقرأ قولهتعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى باللهشهيدًا) الفتح:28.
وفي ختام سورةالتوبة أيضًا:(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنينرؤوف رحيم. فإن توَلَّوْا فقل حسبي الله، لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرشالعظيم) التوبة:129. وفي سورة آل عمران، وهي مدنية: (فإنحاجوك، فقل: أسلمت وجهي لله ومن اتبعن، وقل للذين أتوا الكتاب والأميين: أأسلمتم؟فإن أسلموا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ، والله بصير بالعباد) آلعمران:20.
وفي سورة النور، وهيمدنية: (قل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن تولوا فإنما عليه ما حمل، وعليكم ماحملتم، وإن تطيعوه تهتدوا، وما على الرسول إلا البلاغ المبين) النور:54.
وهذه الآيات كلها قد اتفقت على أنمحمدًا -صلى الله عليه وسلم- إنما بعث بالرحمة والهدى ودين الحق، وتبيان كل شيء،وإقامة الحجة على الناس، ولم يبعث شاهرًا سيفه على الناس، حتى في حالة تولي الناسعنه: لم يؤمر بأن يشهر في وجوههم السيف، إنما قيل له: إنما عليك البلاغ، وإنما عليهما حمل، وعليهم ما حملوا وقل: حسبي الله. والمبشرونوالمستشرقون، وغيرهم من خصوم الإسلام يشيعون: أن الإسلام إنما انتشر بالسيف ويستندكثيرون منهم إلى هذا الحديث وأمثاله.
والحقيقة أن الإسلام إنما شهر السيف في وجه الذي صدوا عنسبيله، وقاوموه بالقوة، ورفعوا السيف في وجهه، كما قال تعالى: (وقاتلوا في سبيلالله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. واقتلوهم حيث ثقفتموهموأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتىيقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا فإن الله غفوررحيم. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا علىالظالمين) البقرة: 190 إلى 193. فهذا هو منطق القرآن، بينكل البيان، لا لبس فيه ولا غموض، فإذا عارضه حديث مثل حديث (بعثت بالسيف) فلا شك أنالقرآن هو المقدم، فهو المصدر الأول، والدليل الأول، الذي لا يأتيه الباطل من بينيديه ولا من خلفه.
ولو بعث الرسولبالسيف، لظهر ذلك طوال ثلاثة عشر عامًا، قضاها في مكة، وأصحابه يأتون إليه بينمضروب ومشجوج ومعتدى عليه، يستأذنونه في أن يدافعوا عن أنفسهم بالسلاح، فيقوللهم:كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة. حتى هاجروا إلى المدينة فأذن الله لهم أن يدافعواعن أنفسهم وحرماتهم ودعوتهم. كما قال تعالى:{أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإنالله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ……….الآية} الحج:39،40.
والخلاصة:أن هذا الحديث (بعثت بالسيف) سواء نظرنا إلى إسناده أم نظرنا إلى متنه، فهو مردودغير مقبول في ضوء موازين العلم وقواعده الضابطة. والحمدلله رب العالمين.
والله أعلم
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..