تُجرى حاليًا حملات إعلامية على المستوى الدوليّ بخصوص موضوع الألغام المضادة للأفراد لإقناع الحكومات والدول المُصَنِّعة لهذه الأسلحة بإيقاف تصنيعها وتخزينها وتبادلها، حيث إن الغالبية العظمى من المتضررين من هذه الألغام هم من المدنيين، وبالأخص بعد انتهاء فترة الحرب ، ونظرًا للأضرار التي تسببها للأطفال والشيوخ والفلاحين الأمر الذي يعارضه الإسلام وشريعته السمحاء.
فما هوالحكم الشرعيّ في ذلك ؟
السؤال
17/06/2001
التاريخ
الحل
بسم الله و الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد ..
قد تناولَ الإسلام تهذيبَ فكرة الحرب فوضع لها قواعد وأصولاً، منها:
ـ ضرورة إعلان الحرب قبل البدء في أي قتال
ـ الكف عن القتال إذا كَفَّ عنه الأعداء
ـ الاستجابة إلى السِّلْم إن لاحت بارقة أمل فيه
ـ قَصْرُ الحرب على الجيش المقاتل وحده دون التَّعَرُّض لغير المحاربين من النساء والأطفال والشيوخ والرُّهْبان إلى غير ذلك.
والألغام ـ عادة ـ تصيب المدنيين الآمنين ولذلك لا يجوز شرعًا زراعة الألغام إلا عند الضرورة القصوى
وهذا مايراه فضيلة الأستاذ الدكتور نصر فريد واصل (مفتي مصر ) يقول بجواز زراعة الألغام عند الضرورة القصوى في الحرب، أو أن يكون العدو قد استعملها لقوله تعالى: (فمَنْ اعْتَدَى عليكم فاعْتَدُوا عليه بمِثْلِ ما اعْتَدَى عليكم).
وإليك نص فتواه في هذه المسألة
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (وأَعِدُّوا لهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قوةٍ ومِنْ رِباطِ الخيلِ تُرْهِبونَ به عدوَّ اللهِ وعدوَّكم) (الأنفال: 60) فلقد أمرنا الله تعالى بالاستعداد الكامل للدفاع عن الدين والذود عن النفس، والأمر بالاستعداد للقتال ، والإعداد له كما جاء بالآية الكريمة هو أمنع شيء للقتال، وكان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول لأصحابه: "نُصِرْتُ بالرعب".
وهناك حكمة يونانية قديمة تتجه هذه الاتجاه الإسلاميّ إذ تقول: "الحكيم يَستعد للحرب في زمن السِّلْم" ومن فلسفات الحرب الحديثة : "إذا أردت السِّلْم فاستعد للحرب".
ولقد سُئِلَ أحد الأشخاص: أين السلام؟ فأجاب: على فُوَّهات المدافع.
ولقد تناول الإسلام تهذيب فكرة الحرب من حيث أسبابها وأسلوبها فوضع للحرب قواعد وأصولًا التزم المسلمون باتخاذها:
- منها ضرورة إعلان الحرب قبل البدء في أي قتال حتى لا تكون الحرب وسيلةً للخداع والخيانة.
- ومنها الكَفُّ عن القتال إذا كَفَّ عنه الأعداء (فإنِ انْتَهَوْا فلا عُدْوانَ إلا على الظالمين) (البقرة: 193)
- ومنها الاستجابة إلى السلم إن لاحت بارقة أمل فيه (وإنْ جَنَحُوا للسَّلْم فاجْنَحْ لها) (الأنفال: 61)
- ومنها قَصْر الحرب على الجيش المقاتل وحده دون التعرض لغير المحاربين من النساء والأطفال والشيوخ والرهبان وعدم ترويع الآمنين، فقد رُوي عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله: "اغْزُوا باسم الله، في سبيل الله، قاتِلوا مَن كَفَرَ بالله، اغْزُوا ولا تَغْدِروا ، ولا تُمَثِّلوا ، ولا تَقْتلوا وليدًا" (أخرجه مسلم)
- ومنها تحريم التمثيل بالقتلى والإحراق بالنار؛ لأن النار على حد قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا يُعَذِّب بها إلا الله". ومنها تحريم إتلاف الأموال والتخريب في البلاد والإحسان إلى الأسير (ويُطْعِمونَ الطعامَ على حُبِّه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا) (الإنسان: 8)
- ومنها مراعاة الناحية الإنسانية وتأكيد الرحمة في الحرب والوفاء بالمعاهدات وتحريم الخيانة (وأَوْفُوا بعَهْدِ اللهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكيدِها) (النحل: 91)
- ومنها عدم التفاخر بالنصر أو التظاهر بالقوة (ولا تَكونوا كالذين خَرَجُوا مِنْ ديارِهم بَطَرًا ورئاءَ الناس) (الأنفال: 47) وهذه هي الخطوط الرئيسية التي أَقَرَّها الإسلام للحرب فأصبحت دستورًا يلتزم به المسلمون في حدوده ولا يتجاوزونه.
من كل ما سبق يتحتم من وجهة النظر الشرعيّة عدمُ زراعة الألغام؛ لأن خطرها داهم، وخصوصًا على المدنيين الآمنين الذين تفتك بهم ، وتؤدي إلى هلاكهم وترويعهم، وخير شاهد على ذلك ما تطالعنا به الصحف الفترة بعد الأخرى من انفجار بعض الألغام المدفونة منذ الحرب العالمية الثانية في الصحراء الغربية بجمهورية مصر العربية حين يقوم المدنيون بمباشرة أعمالهم اليومية.
ولقد أصبحت هذه الأسلحة غير ذات جدوى حيث حَلَّ محلها التكنولوجيا وأجهزة المراقبة الليلية وغير ذلك ، وإن كان يجوز زراعتها عند الضرورة القصوى في مَيدان الحرب ، وعندما نرى أن العدو قد استعملها في الحرب لقوله تعالى: (فمَنِ اعْتَدَى عليكم فاعْتَدُوا عليه بمِثْلِ ما اعْتَدَى عليكم) (البقرة: 194).
والضرورة رخصة مؤقتة، والضرورة تُقَدَّر بقَدْرها، وهي تزول عند زوال أسبابها.
والله أعلم.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..