بسم الله الرحمن الرحيم
نريد أن نعرف حكم الشرع في مشاركة المرأة في البَرلمانِ ترشيحًا وانتخابًا
و جزاكم الله خيراً
السؤال
09/06/2001
التاريخ
الحل
بسم الله والحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله وبعد :
يَجوز للمرأة أن تَشهد على غيرها فيما أُبيحَ لها الشهادة فيه متى طُلِبَ منها ذلك؛ لقوله تعالى: (ولا تَكْتُمُوا الشهادةَ ومَن يَكْتُمْهَا فإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (البقرة: 283) والانتخابات في مَخْبَرها وجَوهرها نوع من أنواع الشهادة والتزكية لمَن يُرشِّح نفسَه عن طريق الإشْهاد ؛ كما أن من حقها الترشيح للمجالس النيابية على اعتبار أن ذلك من باب الوكالة ؛ وهي مكفولة في التشريع الإسلامي للذكر والأنثى على حد سواء ..
و على هذا فمُشاركة المرأة في الانتخابات والترشيح لعُضوية مجلس مِن المَجالس النيابيَّة جائزٌ شرعًا ما دام هذا العمل يَتَّفق وطبيعتَها التي خلَقها الله عليها.
ودار الإفتاء المصرية قد رأت أنه لا مانعَ شرعًا من مُشاركة المرأة في الانتخابات ، ولها حقُّ الترشيح للمَجالس النِّيابيَّة، لأنه إذا كان الإسلام قد أباحَ لها أن تَتملَّكَ ، وأن تَتصرَّفَ في مالِها كيفمَا شاءت ، ومنَحها الحق في مباشرة الحقوق المدنيَّة، وأيضًا أباح لها أن تُباشر أخطرَ شيءٍ في حياتها وهو الزواج، فمِن بابٍ أوْلَى إباحته لها مباشرة الحقوق المدنيَّة ترشيحًا وانتخابًا.
يقول فضيلة الأستاذ الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر :
الإسلام دِينُ العدْل والمساواة بين الناس جميعًا، وهو أول مَن أعطى المرأة حُقوقَها كاملةً، وأعلَى قدْرَها ورفَع شأنها ، وجعَلَ لها ذِمَّةً ماليةً مُستقلةً، واعتبرَ تصرُّفاتِها نافذةً في حقوقها المشروعة، وسوَّى بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات، وثمرةً لهذا وُجدتْ نساءٌ فُضلياتٌ شاركْنَ بنَصيبٍ وافرٍ في كل مجالات الحياة، وكان يُرجَعُ إليهنَّ في كثير مِن الأمور، ومُقتضَى التسوية بين الذكَر والأنثَى أن المرأة لها حقُّ المُشاركة في الحياة العمليَّة بما يَتناسب وطبيعتَها التي خلَقها الله عليها، ومما يَتناسب وطبيعة المرأة حقُّ التحمُّل وحقُّ الأداء، أي : أنها تَستطيع تَحمل الشهادةَ ، وأداءَها إذا طُلب منها ذلك.
والقرآن الكريم قرَّر هذه الحقيقة في قوله تعالى: (واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكمْ فإنْ لمْ يَكونَا رجلَينِ فرَجلٌ وامرأتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهداءِ) (البقرة: 282).
يقول الإمام القرطبيُّ عند قوله تعالى : (فإنْ لم يَكُونَا رَجلَينِ فرجلٌ وامْرَأتَانِ) جعَلَ ـ تعالى ـ شهادةَ المرأتَينِ مع الرجل جائزةً مع وُجود الرجل في هذه الآية، ولم يَذكرها في غيرها، فأُجِيزتْ في الأموال خاصَّة في قول الجمهور بشَرط أن يَكونَ معها رجلٌ.
وإنما ذلك في الأموال دون غيرها؛ لأن الأموال كثَّرَ اللهُ أسباب تَوْثِيقِها لكثرةِ جهات تَحصيلها ، وعُموم البلوَى بها وتَكرُّرها، فجعل التوثيقَ فيها تارةً بالكِتابة ، وتارةً بالإشهاد ، وتارةً بالرهْن ، وتارةً بالضمان، وأدخلَ في جميع ذلك شهادةَ النساء مع الرجال.
ولمَّا كانت الشهادةُ وِلايةً عظيمةً شَرَطَ الله ـ تعالى ـ لها الرِّضا والعَدالة في قوله تعالى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ).
ومِن هذا يَتضِحُ أن المرأة يَجوز لها أن تشهد على غيرها فيما أُبِيحَ لها الشهادة فيه حتى طُلِب منها ذلك، لقوله تعالى: (ولا تَكْتُمُوا الشهادةَ ومَن يَكْتُمْهَا فإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (البقرة: 283).
يقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه "السُّنة النبويَّة بين أهل الفقه وأهل الحديث" تحت عنوان "حول شهادة المرأة":
ومَعروفٌ أن شهادة المرأة على النِّصف من شهادة الرجل، وقد علَّلَ القرآن الكريم لذلك بأن المرأة قد تَنْسَى أو تَحارُ أو يَشتبِهُ عليها وجهُ الحقِّ، وعندما تكونُ معها امرأةٌ أخرى فسوف يَتعاوَنانِ على الإدلاء بالحقيقة كاملةً، ومعروف أيضًا أن المرأة في عادتها الشهريَّة تكون شِبْهَ مريضةٍ ومُنحرفَةَ المِزاج، واضطرابُ أجهزتها الحيويَّة يُصيبُها ببعض الارْتباك، والتثبُّتِ في أداء الشهادة واجبٌ، وذاك سِرُّ اشتراط وُجود الرجل مع المَرأتَين في قوله تعالى: (فإِنْ لمْ يَكونَا رَجلَينِ فرجلٌ وامرأتانِ ممَّن تَرْضَوْنَ من الشُّهداءِ أن تَضِلَّ إحداهُمَا فَتُذَكِّرَ إحداهمَا الأُخْرَى).
انتهى
والذي تَجدُرُ الإشارة إليه أن عملية الانتخاب في مِخْبرها وجَوهرها نوعٌ من أنواع الشهادة والتزكية لمَن يُرشِّح نفسَه عن طريق الإشهاد.
وتأسيسًا على ذلك فإن مشاركة المرأة في الانتخاب والترشيح لعُضوية مجلس من المجالس النيابية جائزٌ شرعًا ما دام هذا العمل يتَّفقُ وطبيعتَها التي خلَقها الله عليها ورَضِيَ الناسُ أن تكون نائبةً عنهم تُمثِّلُهم في تلك المجالس، وقاموا بانتخابها بإرادتهم الحرَّة المُستقلة أو قامت هي بانتخاب غيرها لهذه المجالس؛ لأن ذلك من باب الشهادة المُباح لها القيام به شرْعًا، وبخاصةٍ أن مُشاركةَ غيرِها معها في هذه الشهادة يَتحققُ بيَقينٍ من الرجال بما يَصل إلى حدِّ التواتُر أو الشهرة.
وما يُقال: إن عملية الانتخاب تُناسِبُ ما عليه الرجال ، وهم أقدرُ عليها، ولا يَتحمَّلها النساء. فليس مِن المعقول ، ونحن على مَشارِفِ القرن الواحد والعِشرينَ أن يُحرم نِصفُ المجتمع من إبداءِ رأيه في اختيارِ مَن يَتولَّى أمرَه؛ لأنها غير قادرةٍ على تحمُّل ذلك.
والإسلام منذُ فجْره حمَّلَ المرأةَ عِبْءَ المُساهمة في مُجريات الأمور، فالسيدة خديجة رضي الله عنها تحمَّلت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المسؤوليةَ حينما أخذتْه وذهبتْ به إلى ورقةَ بن نَوفلٍ ليَسمع منه حديثَه.
وأم المؤمنين أم سلَمة كان لها رأيٌ في صُلح الحديبية، وأشارت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يَخرجَ إلى المُسلمين فيَحلِقَ أو يُقصر ويَنحر الهَدْيَ. بل إن السيدة عائشةَ ـ رضي الله عنها ـ أعلنت رأيها في النزاع على الخِلافة بين عليٍّ ومعاوية ، وانتخبَتْ معاويةَ خليفةً للمسلمين، وذهبت إلى أبعد من ذلك حينما خرَجت مُؤيِّدةً لمُعاوية.
ـ أما عن عدم مُشاركة المرأة في الانتخابات طِيلةَ العصور الإسلامية ولاسيَّمَا القرون الثلاثة الأولَى التي شهِد لها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالخيْريَّة، فلا يَعنِي أن الإسلام قد حرَمها مِن حُقوقها وأسقطَ عنها عِبْءَ تَحمُّلِ الشهادة.
ـ وما يُقال مِن أن التزكية مِن الوِلاية العامَّة، فالذي عليه أهلُ الرأي أن الولاية العامَّة لا تكون إلا للحَاكم، أيْ : الخليفة.
ـ وأما عن البدائل المَشروعة عمَّا يُرادُ تَحصيله مِن مُشاركة المرأة في الانتخابات دون مَحاذيرَ، فإن هذا يكون صحيحًا في حالة عدم خُروج المرأة إلى العمل .
أما وقد خرَجتْ واقتحمت ميادينَ العمل على اختلاف ألوانِه وأشكاله وأصبحتْ جنْبًا إلى جنبٍ مع الرجل فإن المَحاذير لا تكونُ في الانتخاباتِ فقط.
ـ وأما ما يُقال من أن التجربة المَشهودة في البيئات المُختلفة أكَّدتْ أن فتْح مثل هذه الأبواب يَستتبعُ تَجاوُزاتٍ أخرى تُخالفُ الشريعة الإسلامية، فإن هذا القول ليس على إطلاقِه؛ لأن الإسلام أعطى المرأة كلَّ الحقوق ـ عدا الولاية العامَّة ـ وحق الانتخابات من باب الشهادة، ولا يَستلزم ذلك تَغيير أحكام الشريعة؛ لأن المرأة يَصحُّ أن تكون وَكيلةً ومُوكِّلةً، على أنه يجبُ مُراعاةُ أعراف الناس وعاداتِهم، وما يَصلح في بيئة قد لا يَصلح في غيرها، وقد جَعلت الشريعة الإسلامية العُرْفَ مَصدرًا من مصادر التشريع الإسلاميِّ.
والتلازُم بين الانتخاب والترشيح أمرٌ غير شرعيٍّ، حيث إن الانتخاب من باب الشهادة، والمرأة لها أهلية تَحمل الشهادة، كما سبقت الإشارة إليه (في البقرة: الآية 282) وهي آية المُدايَنة. كما أن لها حقَّ الترشيح؛ لأنه من الحقوق التي تكون لجميع الأفراد كامِلِي الأهليَّة والأداء، واختيارُها عُضوًا في المجلس النيابيِّ لا تَستحقه بالترشيح، وإنما يَتوقَّفُ على اختيار الناس لها ، وثِقتِهم فيها مُمثِّلةً لهم، وشَهادتهم لها بقُدْرتها على تحمُّل المسؤولية التي تُناط بها ، والتي تُرشِّحُ نفسَها للقيام بها.
والشريعة الإسلامية حينما خَصَّتِ الرجال بأمورٍ كالجهاد ، وخصَّتِ النساءَ بأمورٍ أخرى تَدخل في النِّطاق الخاصِّ بالنساء لا يَعني هذا حِرمانَ المرأةِ من مباشرة حقِّ الاختيار لمَن يَتولَّى أمْرَها فقد أمَرَ الإسلام بأن تُسْتأمَرَ في اختيار شَريكِ حياتها، ولا بدَّ مِن مُوافقتها عندَ زواجها، ولا تُجْبَرُ على الزواج ممَّن لا رَغبةَ لها فيه.
وفي هذا دليل على ثُبوت حقِّها في اختيار عضو المجلس النيابيِّ الذي يُمثلها أو يَنوبُ عنها ، ويَتكلم باسْمِها استعمالًا للقياس الذي يُعَدُّ مصدرًا من مصادر الشريعة الإسلامية؛ حيث إن العلَّة في استئذانِها في الزواج هي مَصلحتها، وهي نفس السبب في أخْذ رأيِها فيمَن يتولَّى أمرَها في المجلس النيابيِّ.
ومُشاركة النساء في بيْعة العقبة دليلٌ قاطعٌ على أن الإسلام لم يُغفل دورَ المرأة ولم يُعطِّل حقَّها في المشاركة في إدارة دفَّة الحياة لعلْمه بأن المجتمع قائمٌ على عنصرينِ: الذكَر والأنثَى لقوله تعالى: (يا أيُّها الناسُ إنَّا خَلقناكُمْ مِن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعلْناكُمْ شُعوبًا وقبائلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكرَمَكمْ عندَ اللهِ أتْقاكُمْ) (الحُجرات: 13)
وقوله تعالى: (مَن عمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أو أنثَى وهُوَ مُؤمنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طيِّبةً) (النحل: 97).
والخلاصة :
أن دار الإفتاء المصرية ترى أنه لا مانعَ شرعًا من مُشاركة المرأة في الانتخاب، ولها حقُّ الترشيح للمَجالس النيابيَّة.
لإن الإسلام سوَّى بين المرأة والرجل في الحُقوق والواجبات ، وأعطَى المرأة حقَّها، وأعلَى شأنها بعد أن كانت مِن سَقَطِ المتاع في الجاهلية وقبل الإسلام، وجعل لها ذِمَّةً ماليَّة مُستقلةً عن الرجل، وأباحَ لها أن تَتملَّكَ ، وأن تَتصرَّفَ في مالِها كيفَما شاءت، ومنَحها الحقَّ في مباشرة الحقوق المدنية وغيرها ؛ ما دامتْ تَتناسب وطبيعتَها التي خلَقها الله عليها.
وإذا كان الإسلام أباحَ للمرأةِ أن تُباشرَ أخطرَ شيء في حياتها وهو الزواج فمِن بابٍ أولَى مباشرة الحقوق المدنيَّة وغيرها.
وعلى ذلك فلا مانعَ شرعًا مِن أن تكونَ المرأةُ عضوًا بالمجالس النيابيَّة والشعبية إذا رضِيَ الناسُ أن تكون نائبةً عنهم تُمثلهم في تلك المَجالس، وتكون مُواصفات هذه المَجالس تَتَّفِقُ وطبيعتَها التي ميَّزها الله بها، وأن تكونَ فيها مُلتزمةً بحُدود الله وشرْعه كما بيَّن اللهُ ، وأمَر في شريعة الإسلام.
هذا وبالله التوفيق.
والله أعلم
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..