عندي عدد من الكوبونات جمعته من إحدى الجرائد التى أعلنت عن مسابقة وأنها ستقوم بالسحب عليها وستعطي الفائز جوائز قيمة. فهل أرسل هذه الكوبونات إلى تلك الجريدة؟ وهل من الميسر المحرم : مسابقات الخيل برهان؟
السؤال
30/04/2001
التاريخ
الحل
بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فأما سحب الكوبونات فهو أقرب إلى القمار منه إلى غيره، لأنه قائم على أن يشتري كل مشترك أو من أراد الاشتراك عدداً لا بأس به من الجريدة ويكون ذلك بهدف الفوز الذي لا يكون إلا لعدد محدود من المتسابقين. وهذا هو القمار بعينه.
وأما مسابقات الخيل فهي مشروعة ، ولكن يجب أن تخلو من القمار والميسر. وتكون خالية منهما إذا كانت الجائزة من طرف ثالث غير المشتركين ، أو من أحدهم بحيث إذا فاز لم يأخذ من غيره وإذا فاز غيره أخذ الفائز الجائزة، سواء كان المتكفل بالجائزة شخص واحد أو جماعة بشرط ألا يكون جميع المشتركين متكفلين بالجائزة. وأن يكون غير المشاركين في دفع الجائزة ممن يتوقع الفوز منهم كغيرهم ولم يدخلوا المسابقة دخولا صورياً.
كما يجب ألا يكون في المسابقة إسراف وتضييع للأوقات أو بعض الواجبات . لأن المسابقة في الخيل جازت للحاجة إلى الخيل في الجهاد ، ولا حاجة إليه في الجهاد الآن.
جاء في فتاوى الأزهر:
القمار حرام بقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون .إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر اللّه وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } المائدة 90 ، 91 ، فقد قال ابن عباس وقتادة ومعاوية بن صالح وعطاء وطاووس ومجاهد: الميسر القمار. فكل ما كان قمارا فهو ميسر محرم بالآية الكريمة إلا ما رخص فيه بدليل آخر كما سيأتي ومحرم أيضا بقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن اللّه كان بكم رحيما .ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على اللّه يسيرا } النساء 29 ، 30 ، وبقوله تعالى { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون } البقرة 188 .
وذلك لأن أكل المال بالباطل وجهين أحدهما أخذ المال بغير رضا صاحبه بل على وجه الظلم والسرقة والخيانة والغصب ونحو ذلك . والآخر أخذه برضا صاحبه من جهة محظورة نحو القمار والربا، وقد أجمع المسلمون على حرمة القمار .
هذا ولا نعلم خلافا في أن ما كان على سبيل المخاطرة بين شخصين بحيث يغنم كل ما كان فيه تعليق المال على الخطر فهو من القمار . وذهب الحنفية إلى أن كل ما كان فيه تعليق المال على الخطر فهو من القمار أخذا مما روى أن رجلا قال لرجل إن أكلت كذا وكذا بيضة فلك كذا وكذا فارتفعا إلى على رضى اللّه عنه فقال هذا قمار ولم يجزه.
ومن أجل ذلك أبطل الحنفية عقود التمليكات المعلقة على الأخطار من الهبات والصدقات وعقود البياعات، فإذا قال وهبتك هذا المال إذا خرج عمرو كانت هذه الهبة باطلة غير مفيدة للملك ولو قبضها، وذهبوا إلى أن كل تمليك معلق على الحظر فهو باطل غير مفيد للملك كما يؤخذ من كلام الجصاص في كتابه - أحكام القرآن - عند الكلام على قوله تعالى { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } البقرة 219 ، وعند الكلام على قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } قال الجصاص ـ وهو إمام الحنفية في عصره ـ : ولا خلاف في حظر القمار إلا ما رخص فيه من الرهان في السبق في الدواب والإبل والنصال. ( الرماح وأدوات التنشين) وساق بعض الأدلة من السنة على ذلك .
وحاصل ما قاله الحنفية في هذا الموضوع أن الرهان بمال إنما يجوز فيما دل الدليل على الإذن به من المسابقة بالخيل والإبل والرمي والأقدام والفقه . وحكمة مشروعية هذا الإذن أن الحاجة ماسة إلى تعلم الفروسية وإعداد الخيل وزيادة الخبرة بالرمي والتفقه في الدين وإعلاء كلمة اللّه بالجهاد والمسابقة في هذه الأشياء وسيلة إلى ذلك وقالوا إن المسابقة فيما ذكر إنما تجوز بجعل (جائزة) في الصور الثلاث الآتية :-
الأولى أن يكون المال المعين للسابق من غير المتسابقين بأن يكون من ولى الأمر سواء أكان من ماله الخاص أم من بيت المال - أو من أجنبي متبرع وهو المسمى الآن بالجوائز .
الثانية أن يكون المال من أحد المتسابقين دون الآخر بأن يتسابق اثنان ويقول أحدهما لصاحبه إن سبق فرسُك فرسي مثلا كان لك كذا منى، وإن سبق فرسي فرسَك فلا شيء لي عليك .
الثالثة أن يكون المال من كل من المتسابقين ويدخلا ثالثاً بينهما ويقولا للثالث إن سبقتنا فالمال لك وإن سبقناك فلا شيء لنا عليك - والشرط الذي شرطاه بينهما وهو أيهما سبق كان له الجعل على صاحبه - باق على حاله - فإن غلبهما الثالث أخذ المالين وإن غلباه فلا شيء لهما عليه ويأخذ أيهما غلب المشروط له من صاحبه . أما إذا كان المال مشروطا من كل منهما ولم يدخلا هذا الثالث فهو من القمار المحرم .
هذا خلاصة مذهب الحنفية، وقد أجاز بعض العلماء من غير الحنفية أن يكون الجعل (الجائزة) من كل منهما بدون إدخال الثالث بينهما.
ولكن المعروف عن الأئمة الأربعة عدم حل هذه الصورة . وما قلناه هو الجائز شرعا على النحو الذي بينا . ومنه يعلم أن الرهان المعروف الآن سواء كان رهانا على سباق الخيل أم غيره من أنواع الرهان من القمار المحرم شرعا الذي ليس هناك نصوص تبيحه ،بل قد دلت النصوص التي ذكرناها على حرمته.
وإنما حرم الشارع الميسر الشامل لأنواع الرهان الموجودة الآن لما يترتب عليه من المفاسد العظيمة التي نشاهدها كل يوم . فقد أفضى إلى ضياع أموال كثيرة من المتراهنين وخراب بيوت لأسر كريمة، كما حمل الكثير من المقامرين على ارتكاب شتى الجرائم من السرقة والاختلاس بل والانتحار أيضا فالمطلع على ذلك وغيره مما أدى ويؤدى إليه القمار يزداد إيمانا بأن من رحمة اللّه وفضله وباهر حكمته أن حرمه على عبادة كما حرم عليهم كثيرا من الأشياء لما يترتب عليها من المفاسد والمضار.( انتهى)
وعليه: فلا يجوز لك أيها الأخ الكريم إرسال هذه الكوبونات إلى الجريدة للفوز بالجائزة.
والله أعلم.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..