كلمني أحد المستشرقين،وقال لي إن القرآن لم يأت بجديد،بل هو تلفيق من الكتب السابقة،ومن ثم ،فلا حاجة لنا إليه ،فما نقول لمثل هذا؟
السؤال
28/11/2000
التاريخ
الحل
لا يدرى بم توصف هذه المقولة ؟ أكذب وافتراء ؟ أم بعض حصاد العداء الأسود لكل ما يمت بصلة إلى الإسلام يدفع أصحابه إلى مثل هذا التجنى الظالم ؟ أما الجديد الذى يبحثون عنه ،فإليهم بيانه :
فى محيط العقيدة كان للإسلام جديد شامخ وحاسم ونبيل وعقلانى . فالله فى عقيدة اليهود يحمل صفات بشرية بحتة , فهو كما جاء فى التلمود يستشير الحاخامات عندما توجد مسألة معضلة لا يمكن حلها فى السماء ، وهو نادم على ما أنزله باليهود وبالهيكل فيقول تباً لى ، لأنى صرحت بخراب بيتى ، وإحراق الهيكل ونهب أولادى .
وفوق هذا فالله عندهم ضعيف صارع إسرائيل فصرعه إسرائيل، وهو مصدر الشر كما أنه مصدر الخير .
أما فى المسيحية فالله اثنان أو ثلاثة وله أبناء ينتسبون إليه ، والمسيح إله وهو ابن الله ، وهذا تصور قاصر لأنه تصوير للخالق على صورة المخلوق ،وحاشا لله أن يكون كذلك .
أما فى الإسلام فعقيدة التوحيد هى التصور الأقوم والأجدر بالله الواحد الأحد الفرد الصمد ، الذى لم يلد ولم يولد ، ولا شريك له فى ملكه ، وليس كمثله شىء ، والذى بيده ملكوت كل شىء ، وهو يجير ولا يجار عليه، وهو الواحد القهار .
وكان الإسلام كذلك واقعيًا حين رفض الرهبنة التى تعنى اعتزال الحياة وتحقير الواقع الدنيوى الذى أصله رد فعل على العبودية اليهودية للدنيا .
فى محيط التشريعات : التشريعات اليهودية تتركز فى الوصايا العشر ، وهى مجموعة مبادئ عامة ، وتشريعات المسيحية مجموعة مواعظ ، وكلتاهما تفتقد مفهوم التشريع المطلوب للحياة .
أما القرآن فهو الرسالة الكاملة التى جاءت لتحدد - وبتفصيل كثير - موقف الإنسان من الدنيا وعلاقته بالآخرة ، بتشريع يواكب الحاضر والمستقبل جميعًا باعتباره الرسالة الأخيرة التى أكمل الله بها الدين ، وختم بها الرسالات ، ونقلها من المحيط المحدود بقوم النبى والرسول إلى المحيط العالمى - إلى الناس كافة - عبر الزمان والمكان .
وسنعرض بعض نماذج قليلة من المقارنات لتوضيح الجديد الذى أضافه الإسلام ولم يكن له وجود فى الرسالات السابقة .
ففى محيط الأسرة ينظر العهد القديم" التوراة "إلى المرأة باعتبارها مصدر كل شر وأنها أشر من الموت ، المرأة التى هى شباك وقلبها أشراك ويداها قيود .
أما الإسلام فيضعها فى مكان المساواة الكاملة مع الرجل ، ويقف بالتقدير أمام نماذج رفيعة من النساء كمريم وامرأةفرعون وأم موسى ، وغيرهن بل يجعل الجنة تحت أقدام الأمهات .
فيما يتصل بقضية الحرية واحترام حقوق وكرامة الإنسان تكفى الإشارة إلى وصية بولس الرسول للعبيد التى تعتبر طاعة الطبقة الحاكمة كطاعة المسيح فيقول: أيها العبيد، أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف ورعدة فى بساطة قلوبكم، كما للمسيح لا بخدعه العين كمن يرضى الناس ، بل كعبيد المسيح ، عالمين مشيئة الله من القلب ، خادمين بنية صالحة كما للرب .
أما الإسلام فلا يخضع الإنسان إلا لخالقه وحده ، ويقرر له الحرية من لحظة ميلاده - حتى ولو لم يسلم - وفق فلسفة قوامها تحرير الإنسان من خوفه على الرزق وعلى الحياة؛ لأن هذين بيد الله وحده، ولا سلطة للمخلوق عليهما وهو ما فطن إليه عمر بن الخطاب فى مقولته الشهيرة:" متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟ "
إضافة إلى تقرير حرية الإنسان فى الاعتقاد والسياسة وغيرهما بضابط واحد، وألا يضر بحقوق وحريات الآخرين .
فى أمر الحرب والسلام : اعتبر القرآن السلام هو الأصل والحرب ضرورة وفق سنن العمران فى الدفع الحضارى من الخير للشر ،ومن الحق للباطل ،ومن الإصلاح للفساد، ثم ولأول مرة فى تاريخ الحروب تفيد وصايا الرسول وخلفائه بألا يقتلوا شيخًا ولا صبياً ولا امرأة ولا راهباً فى صومعة، ولا عابدًا فى محرابه ، ولا يقطعوا شجرة مثمرة ولا مظلة ،ولا يجهزوا على جريح ،ولا يمثلوا بقتيل .. الخ .
فى شئون المال والثروة : كان الربا وما زال قوام الاقتصاد بين أهل الكتاب إلى اليوم بكل ما صنعه من الويلات ، وكان المال وما زال فى عالم أهل الكتاب وإلى اليوم بمثابة المعبود والغاية التى يجب الوصول إليها بأية وسيلة مشروعة أو غير مشروعة مما كان تبريرًا لفلسفة الاستعمارن واغتصاب ما بأيدى الضعفاء .
أما الإسلام - ولأول مرة فى تاريخ التعامل الإنسانى مع المال - فقد حرم الربا وأنذر من يتعاطونه بحرب من الله ورسوله .
ثم أنزل المال من مكانة المعبود إلى حالة الخادم المحكوم بقيود أخلاقية نبيلة قوامها أن يأتى من حلال وينفق فى حلال ، وأن يتم تثميره من خلال تحريك الحياة، وقضاء مصالح الناس ،وليس من خلال اعتباره سلعة يكون ثمنها هو الفائدة .
كما قرر فيه حقوقًا معلومة ومحددة للآخرين ولو كانوا غير مسلمين ، باعتبار أن المال مال الله ،والناس ليسوا إلا مستخلفين فيه .
فى مجال العلاقات الدولية والتعايش السلمى والتعددية والاعتراف بالآخر، كان للإسلام جديد فى مجال الرؤية المستقبلية أو ما يسميه بعضهم بالتقدمية ، جاء الإسلام بجديد باعتباره رسالة اليوم والغد للناس كافة فى مجال العطاء الحضارى ، جاء الإسلام بجديد قوامه الارتقاء بالإنسان من عنصر الطين فيه إلى عالم الروح ومعارج النور ، وفى منهجية التغيير الاجتماعى اعتمد القرآن تغيير ما بالناس حتى يغيروا ما بأنفسهم . بعيدًا عن العنف والثورات التى تضر أكثر ما تنفع .
دار الإفتاء بالأزهر
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..