ما هو رأي الدين في ظاهرة المراهنات الضخمة بالمليارات في المباريات الرياضية؟ وهل تدخل في باب التوقّع والمسابقات أم المراهنة الحرام؟
السؤال
26/11/2006
التاريخ
مجموعة من المفتين
المفتي
الحل
الحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد يقول فضيلة الشيخالمستشار فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء : هناك فرق واضح بين المسابقات المشروعة والمراهنات المحرمة؛المسابقة المشروعة تتم بين فريقين رياضيين، وحين يفوز أحدهما ينال جائزة لنجاحه فيالمباريات، وهذا الشكل يدخل في المسابقات المباحة . أماالمراهنات المحرمة -التي هي القمار بعينه- فهي أن يأتي اثنان من المشاهدين (المتفرجين) ويراهن أحدهما الآخر أنه إذا نجح الفريق الفلاني فلك مني مبلغ معين منالمال، ويقول الآخر: إنه إذا نجح الفريق الثاني فهو يدفع مبلغاً من المال؛ فهذهمراهنة لا علاقة لها بالمسابقة بين الفريقين الرياضيين؛ لأنها تتم بين طرفين لاعلاقة لهما بالمسابقة، والمبلغ المالي يناله أيضاً طرف لا علاقة له بالمسابقة، وهذاهو الرهان.
وهونفسه ما حصل بين أبي بكر رضي الله تعالى عنه والمشركين قبل تحريم القمار، عندما نزلقول الله عز وجل: "الم. غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضعسنين"، فأقدم أبو بكر على مراهنة المشركين، وقال لهم: إن الروم سيغلبون الفرس خلالثلاثة أعوام، وراهنه المشركون على ذلك لقاء مبلغ من المال، ولما أخبر أبو بكر رسولالله (صلى الله عليه وسلم) بذلك ولم يكن قد نزل تحريم القمار أمره بمد الأجل أيزيادة مدة الرهان من ثلاث سنين إلى تسع سنين؛ لأن كلمة البضع تعني "لغة" ما بينثلاث إلى تسع سنين، وخلال هذه المدة انتصر الروم على الفرس وربح أبو بكر الرهان فالطرفان هنا "أبو بكر" و"المشركون" لا علاقة لهما بالحرب بينالروم والفرس، وإنما كانت المراهنة بينهما نوعاً من القمار، وقد نزل تحريمه فيمابعد، فلما قبض أبو بكر الرهان أمره رسول الله أن يصرفه إلى الفقراء . وقد جاء في فتاوى الأزهر: القمار حرام بقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمروالميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون .إنما يريدالشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر اللّه وعنالصلاة فهل أنتم منتهون } المائدة 90 ، 91 ، فقد قال ابن عباس وقتادة ومعاوية بنصالح وعطاء وطاووس ومجاهد: الميسر القمار. فكل ما كان قمارا فهو ميسر محرم بالآيةالكريمة إلا ما رخص فيه بدليل آخر كما سيأتي ومحرم أيضا بقوله تعالى { يا أيهاالذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولاتقتلوا أنفسكم إن اللّه كان بكم رحيما .ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه ناراوكان ذلك على اللّه يسيرا } النساء 29 ، 30 ، وبقوله تعالى { ولا تأكلواأموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثموأنتم تعلمون } البقرة 188 .
وذلك لأن أكل المال بالباطل وجهين أحدهما أخذ المال بغير رضاصاحبه بل على وجه الظلم والسرقة والخيانة والغصب ونحو ذلك . والآخر أخذه برضاصاحبه من جهة محظورة نحو القمار والربا، وقد أجمع المسلمون على حرمة القمار . هذا ولا نعلم خلافا في أن ما كان على سبيل المخاطرة بين شخصينبحيث يغنم كل ما كان فيه تعليق المال على الخطر فهو من القمار . وذهب الحنفية إلىأن كل ما كان فيه تعليق المال على الخطر فهو من القمار أخذا مما روى أن رجلا قاللرجل إن أكلت كذا وكذا بيضة فلك كذا وكذا فارتفعا إلى على رضي اللّه عنه فقال هذاقمار ولم يجزه . ومن أجل ذلك أبطل الحنفية عقودالتمليكات المعلقة على الأخطار من الهبات والصدقات وعقود البياعات،فإذا قال وهبتك هذا المال إذا خرج عمرو كانت هذه الهبة باطلة غير مفيدةللملك ولو قبضها، وذهبوا إلى أن كل تمليك معلق على الحظر فهو باطل غير مفيد للملككما يؤخذ من كلام الجصاص في كتابه - أحكام القرآن - عند الكلام على قوله تعالى {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } البقرة 219 ، وعند الكلام على قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمروالميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } قال الجصاصـ وهو إمام الحنفية في عصره ـ : ولا خلاف في حظر القمار إلا ما رخص فيه من الرهانفي السبق في الدواب والإبل والنصال. ( الرماح وأدوات التنشين) وساق بعض الأدلة منالسنة على ذلك .
وحاصل ما قالهالحنفية في هذا الموضوع أن الرهان بمال إنما يجوز فيما دل الدليل على الإذن به منالمسابقة بالخيل والإبل والرمي والأقدام والفقه . وحكمة مشروعية هذا الإذن أنالحاجة ماسة إلى تعلم الفروسية وإعداد الخيل وزيادة الخبرة بالرمي والتفقه في الدينوإعلاء كلمة اللّه بالجهاد والمسابقة في هذه الأشياء وسيلة إلى ذلك وقالوا إنالمسابقة فيما ذكر إنما تجوز بجعل (جائزة) في الصور الثلاث الآتية :- الأولى:أن يكون المال المعين للسابق من غير المتسابقين بأنيكون من ولى الأمر سواء أكان من ماله الخاص أم من بيت المال - أو من أجنبي متبرعوهو المسمى الآن بالجوائز . الثانية:أن يكون المال منأحد المتسابقين دون الآخر بأن يتسابق اثنان ويقول أحدهما لصاحبه إن سبق فرسُك فرسيمثلا كان لك كذا منى، وإن سبق فرسي فرسَك فلا شيء لي عليك . الثالثة:أن يكون المال من كل من المتسابقين ويدخلا ثالثاًبينهما ويقولا للثالث إن سبقتنا فالمال لك وإن سبقناك فلا شيء لنا عليك - والشرطالذي شرطاه بينهما وهو أيهما سبق كان له الجعل على صاحبه - باق على حاله - فإنغلبهما الثالث أخذ المالين وإن غلباه فلا شيء لهما عليه ويأخذ أيهما غلب المشروط لهمن صاحبه . أما إذا كان المال مشروطا من كل منهما ولم يدخلا هذا الثالث فهو منالقمار المحرم . هذا خلاصة مذهب الحنفية، وقد أجازبعض العلماء من غير الحنفية أن يكون الجعل (الجائزة) من كل منهما بدون إدخال الثالثبينهما. ولكن المعروف عن الأئمة الأربعة عدم حل هذهالصورة . وما قلناه هو الجائز شرعا على النحو الذي بينا . ومنه يعلم أن الرهانالمعروف الآن سواء كان رهانا على سباق الخيل أم غيره من أنواع الرهان من القمارالمحرم شرعا الذي ليس هناك نصوص تبيحه ،بل قد دلت النصوص التي ذكرناها علىحرمته. وإنما حرم الشارع الميسر الشامللأنواع الرهان الموجودة الآن لما يترتب عليه من المفاسد العظيمة التي نشاهدها كليوم . فقد أفضى إلى ضياع أموال كثيرة من المتراهنين وخراب بيوت لأسر كريمة، كماحمل الكثير من المقامرين على ارتكاب شتى الجرائم من السرقة والاختلاس بل والانتحارأيضا فالمطلع على ذلك وغيره مما أدى ويؤدى إليه القمار يزداد إيمانا بأن من رحمةاللّه وفضله وباهر حكمته أن حرمه على عبادة كما حرم عليهم كثيرا من الأشياء لمايترتب عليها من المفاسد والمضار.( انتهى) والله أعلم.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..