ما رأيكم فيما يعرف بكذبة إبريل ؟
وهل يجوز الترويج لهذه الكذبة مجاراة للعرف
وهل هناك فرق بين الكذب الأبيض والكذب الأسود؟
السؤال
01/04/2007
التاريخ
مجموعة من المفتين
المفتي
الحل
بسم الله، والحمد لله، والصلاةوالسلام على رسول الله، وبعد:- فالكذب صفة ذمها الإسلام،ولا يزال يعده أصحاب الفطر السليمة منالأخلاق المرذولة. ولئن كان الكذب في ذاته محرما فهو أشدحرمة فيما يعرف بكذبة أبريل لما فيه من ترويع الناس، وإدخال الفزع والكدر عليهمساعة من الزمن بغير مسوغ ولا حاجة.
ولما فيه من الخيانة حيث يستقبل بعض المساكين هذه الكذبةبالتصديق ، وكأنها حق واقع أو متوقع.ولما في ذلك من إشاعة تقليد الباطل، وتقليد أهلالصفات الخبيثة.
يقول الشيخالدكتور يوسف القرضاوي: - الكذب خلق سيء، ورذيلة من أعظم الرذائل التي يراها الشرعالإسلامي مجافية للإيمان، ويعتبرها إحدى آيات النفاق. ولميجز الشرع الكذب إلا في حالات معينة وليس منها الكذب للمداعبة. بل حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من الكذب لإضحاك القوم،فقال: " ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له . . ". (رواهأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي).
وفي حديث آخر: " لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب فيالمزاحة، والمراء (الجدل) وإن كان صادقًا " (رواه أحمد والطبراني) كما جاء أكثر منحديث نبوي يحذر المسلم من ترويع أخيه وإزعاجه، جادًا أو مازحًا.
وروى أبو داود بسنده عن عبد الرحمن بنأبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -: أنهم كانوا يسيرون معالنبي - صلى الله عليه وسلم - فقام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه، فأخذه،ففزع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا ".
وعن النعمان بن بشير رضي اللهعنهمًا قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسيرة فخفق (نعس) رجل علىراحلته، فأخذ رجل سهمًا من كنانته، فانتبه الرجل، ففزع . فقال النبي - صلى اللهعليه وسلم -: " لا يحل لرجل أن يروع مسلمًا ". (رواه الطبراني في الكبير ورواتهثقات).
وعن عبد الله بن السائب بنيزيد عن أبيه عن جده رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبًا ولا جادًا " (رواه الترمذي وقال: حديث حسنغريب). واعتبر النبي - صلى الله عليه وسلم - من أكبر الخيانة أن تكذب على من يثقبك، ويصغي إليك بأذنه وقلبه، وأنت تكذب عليه . يقول: " كبرت خيانة أن تحدث أخاكحديثًا هو به مصدق وأنت له به كاذب ". رواه أحمد والطبراني عن النواس بن سمعانبإسناد جيد كما قال الحافظ العراقي وأخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود منحديث سفيان بن أسيد وضعفه ابن عدي).
وبهذا يتبين لناأن الكذب بهذه الصورة، وبهذه المناسبة خاصة حرام من جهات أربع:
الأولى:حرمة الكذب ذاته، الذي نهىعنه القرآن والسنة.
الثانية:ماوراءه من ترويع إنسان، وإدخال الفزع والكدر عليه ساعة من الزمن، وربما على أسرتهمعه، بغير مسوغ ولا حاجة.
الثالثة:ما فيه من خيانة لإنسان هو لك مصدق، وأنت له كاذب.
الرابعة:مجاراة عادة سخيفة،وإشاعة تقليد باطل، لم ينبت في أرضنا، ولم ينشأ من بيئتنا . فهو تشبه بغير المسلمينفيما يعد من رذائلهم وسخف أعمالهم.
وكثيرًا ما تتضمن كذبة ذلك اليوم إشاعات قد يضر انتشارهابالمجتمع كله.
والخلاصة أن الكذبحرام في كل يوم، وتزداد حرمته في ذلك اليوم خاصة، لما ذكرنا من اعتبارات، فلا يليقبمسلم المساعدة على ترويج هذا الزور . انتهى.
ويقول فضيلة الشيخ عطية صقر -رئيس لجنة الفتوى بالآزهرسابقا- من الأمور المتفقعليها في الأديان والعقول السليمة أن الصِّدق فضيلة والكذب رذيلة، والصدق هوالتعبير المطابق للواقع قولاً أو فعلاً، والكذب هو التعبير المخالف للواقع، قولاًأو فعلاً، ومن أخطر الكذب في القول شهادة الزور، وفي الفعل النفاق، والوعيد عليهماشديد في القرآن والسُّنة.
ولايرخَّص في الكذب إلا لضرورة شأن كل حرام، فالضرورات تُبيح المحظورات والضرورةتقدَّر بقدرها، بمعنى أن يكون ذلك في أضيق الحدود إذا لم تُوجد وسيلة أخرى تحقِّقالغرض وتمنع الضرر، ومن هذه الوسائل المشروعة ما يُسَمَّى بالمعاريض حيثتُسْتَعْمَل كلمة تحتمل معنيين يفرض على الإنسان أن يقولها، فيقولها بالمعنى الحلاللا بالحرام، ومثَّلوا لها بما إذا قيل للإنسان : اكفر بالله، فيقول : كفرت باللاهي،ويريد الشيطان وما يشبهه من كل ما يَلهي.
وقد صحَّ في الحديث جواز الكذب لتحقيق مصلحة دون مضرة للغيرتذكر، وذلك فيما رواه البخاري ومسلم عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيْط قالت:سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول " ليس الكذَّاب الذي يُصْلِحُ بينالناس فينمِّي خيْرًا أو يقول خيرًا " وفي رواية زيادة هي :قالت : ولم أسمعه يرخِّصفي شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث، تعني الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجلامرأته وحديث المرأة زوجها.
والمراد بالحديث بين الزوجين هو عن الحب الذي يساعد على دوامالعِشرة، والشواهد عليه كثيرة وليس في أمور أخرى تضر بالحياة الزوجية. ورأي بعض العلماء الاقتصار في جواز الكذب على ما ورد به النصفي الحديث، ولكن جوَّزه المحققون في كل ما فيه مصلحة دون مضرة للغير.
يقول ابن الجوزي ما نصه: وضابطه أن كل مقصود محمود لا يمكن التوصل إليه إلا بالكذب فهومُباح إن كان المقصود مباحًا، وإن كان واجبًا فهو واجب. وقال ابن القيمفي " زاد المعاد " ج2 ص 145: يجوز كذب الإنسان علىنفسه وعلى غيره إذا لم يتضمن ضرر ذلك الغير إذا كان يُتوصل بالكذب إلى حقه، كما كذبالحجاج بن علاط على المشركين حتى أخذ ماله من مكة من غير مضرة لحقت بالمسلمين منذلك الكذب، وأما ما نال مَن بمكة من المسلمين من الأذى والحزن فمفسدة يسيرة في جنبالمصلحة التي حصلت بالكذب … … إلى أن قال : ونظير هذا الإمام والحاكم يُوهم الخصمخلاف الحق ليتوصل بذلك إلى استعمال الحق، كما أوهم سليمان بن داود عليهما السلامإحدى المرأتين بشق الولد نصفين، حتى يتوصل بذلك إلى معرفة عين أمه . انتهى.
ومنه كذب عبد الله بن عمرو بن العاصعلى الرجل الذي أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه من أهل الجنة، فلازمه أيامًاليعرف حاله، وادَّعى أنه مغاضب لأبيه رواه أحمد بسند مقبول " الترغيب والترهيب ج 3ص 219 " ويقاس عليه حلف اليمين لإنجاء معصوم من هلكة، واستدل عليه بخبر سُويد بنحنظلة أن وائل بن حجر أخذه عَدُوُّ له فحلف أنه أخوه، ثم ذكروا ذلك للنبي ـ صلىالله عليه وسلم ـ فقال " صدقت، المسلم أخو المسلم " الآداب الشرعية لابن مفلح.
ومن هذا الباب كذبات إبراهيم عليهالسلام، وهي معاريض، حيث قال عندما كسَّر الأصنام " بل فعله كبيرهم هذا " وعندماطلب لمشاركتهم في العيد " إني سقيم " وقوله عن زوجته : إنها أخته لينقذها من ظلمفرعون " مصابيح السنة للبغوي ج25 ص 157 " والموضوع طويل وله جوانب متعددة، ونخلُصإلى أن الكذب الأبيض هو الذي لا يترتب عليه ضرر وتتحقق به مصلحة مشروعة، وهو جائزولكن ينبغي أن يكون في أضيق الحدود . لما فيه من ضرر للغير ولو كان بسيطًا في نظرالكاذب فقد يكون في المُداراة التي هي بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو همامعًا، وهي خلاف المداهنة.
هذا ونُقِل عن الغرب ما يُعرف بكذبة إبريلوتورَّط فيها بعض المسلمين والروايات في أصلها كثيرة.
والمهم أن نعلم أن الكذب لا يجوز إلا في أضيق الحدود حيث تحققالمصلحة به لا بوسيلة أخرى من غير مضرة كبيرة للغير، والأوْلى البعد عنه حتى لايعتاده اللسان، وفي المعاريض مندوحة عنه كما تقدَّم . وأساس المعاريض حُسن استخدامالألفاظ ذات المعاني المتعددة المتقابلة . كالذي يقول : أنا أُحِب الفتنة، ويريدالمال، وأكره الحق، ويريد الموت.
والله أعلم.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..