| بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد
الحرب في الإسلام لها غاية محددة، فهي ضد الظلم والعدوان، وهي دفاعية عند هجوم العدو، ولها آداب : منها عدم هدم مظاهر الحياة، كالمصانع والمزارع، ولا يقتل من لا يحارب كالنساء والصبيان والشيوخ، أما إذا استغل الأعداء ما عندهم لقتل المسلمين فعند هذه الضرورة لا بأس بقتلهم وحرق ديارهم ومزارعهم التي يستغلونها في تدمير ومحاربة المسلمين .
يقول فضيلة الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر ـ رحمه الله ـ في كتابه أحسن الكلام في الفتوى والأحكام:
مبدئيًا نُقَرِّر أن الحربَ في الإسلام ضرورة تُقَدَّر بِقَدرها، والقرآن قرَّر أن الناس ليسوا جميعًا مُسالمين، نظرًا لتسلُّط الأهواء والغرائزِ ونَظَرًا لنشاط الشيطان العدو المُبين.
ومن هنا كان لابد من الوقوف ضد الطغيان والتعدي على الحقوق وإقلاق الآمنين، قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النِّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (سورة البقرة : 251) وقرَّر حق الدفاع عن النفس والحُرُمَات، بَلْ أَوْجَبَه حَتَّى يقف المُعْتدى عِنْد حدِّه فقال (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أنْ تَكْرُهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (سورة البقرة :216) وحَتَّى تُقَدر الضرورة بِقَدرها حُرِّمَ الابتداءُ بالْقتال والعدوان عَلَى الآمنين، وإذا تَحَتَّمَ منْع تجاوز الحدِّ الذي يُدفع به العدوان، ومن أجمع النصوص في ذلك قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (سورة البقرة : 190).
وبِناءً على تقدير الضرورة بقدرها، مَنَعَ الإسلام قَتْل مَنْ لَمْ يَشْتَرِك في الْقِتال كالنِّساء والصبيان، وَمَنَع التخريب والإفساد، وَقَيَّدَ جوازه بمَا إِذَا كَانَ سِلاحًا يضعف به العدو، ومما وَرَد في ذلك ما رواه مسلم عن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن قَتْلِ النِّساء والصبيان، وَذَلِكَ إذا تَمَيَّزوا عن المُحاربين، أما إذا لم يتميَّزوا وحدثت إِغارة بالليل مثلاً فقد وَرَدَ فيهم ما رواه مسلم عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سُئِلَ عن الذراري من المُشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال "هم منهم" وفي رواية "هم من آبائهم"
يقول النووي في "شرح صحيح مسلم: أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث ، حديث ابن عمر، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يُقاتلوا، فإن قاتلوا قال جماهير العلماء: يُقتلون، وأما شيوخ الكفار. أي كبار السِّن ـ فإن كان فيهم رأي ـ أي يُشاركون في الحرب بالرأي ـ قُتلوا، وإلا ففيهم وفي الرُّهْبَان خِلاف، قال مالك وأبو حنيفة: لا يُقتلون، والأصح في مذهب الشافعي قتلهم.
ويقول في حديث ابن عباس : لا بأس بقتل النساء والذراري إذا لم يُميَّزوا عن غيرهم وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور.
ومعنى البيات ويبيتون أن يُغار عليهم بالليل بحيث لا يُعرف الرجل من المرأة والصبي. ثم يقول النووي: إن أولاد الكفار حُكْمهم فِي الدُّنْيَا حُكْم آبائهم، وأما في الآخرة ففيهم إذا ماتوا قبل البلوغ ثلاثة مذاهب الصحيح أنهم في الجَنة، والثاني في النار، والثالث لا يُجْزَم فِيهم بشئ.
وبخصوص التخريب روى مسلم أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حَرَّقَ نَخْلَ بَني النضير وقَطَعَ، وهو البويرة فأنزل الله عز وجل: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلْيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) (سورة الحشر: 5) والبويرة موضع نخل بني النضير، واللِّينة هي أنواع التَّمر كلُّها إلا العَجْوَة، وَقِيلَ كِرَامُ النخل وقيل كُلُّ النَّخْلِ، وذكر أن نخل المدينة مائة وعشرون نوْعًا، ثم قال: وفي هذا الحديث جواز قطع شجر الكفار وإحراقه، وبه قال عبد الرحمن بن القاسم ونافع موْلى ابن عمر، ومالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق والجمهور، وقال أبو بكر الصديق والليث بن سعد وأبو ثور والأوزاعي في رواية عنهم، لا يجوز.
وروى مالك في المُوطأ أن أبا بكر أوصى يزيد بن أبي سفيان عندما وَجَّههُ إلى الشام فقال له: إني مُوصيك بعشْر خِلال: لا تقْتُل امرأةً ولَا صَبيًّا ولا كبيرًا هَرِمًا، ولا تقطع شجرًا مُثْمِرًا، ولا تُخَرِّبْ عَامِرًا، ولا تعقرنَّ شاةً ولا بعيرًا إلا لمأكلة، ولا تعقرنًّ نَخلاً ولا تُحْرِقه ولا تَغْلُل ولا تَجْبُن.
يقول الشوكاني" وقد اختلف السلف في التحريق، فَكَرِهَ ذلك عمر وابنُ عباس وغيرهما، قال المُهَلَّب: ليس هذا النهي على التحريم بل على سبيل التواضع، ويدلُّ على جواز التحريق فِعْلُ الصحابة، وقد سمَّل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعين العرنيين بالحديد، وقد أحرق أبو بكر بالنار في حَضْرَةِ الصِّحَابة، وَحَرَّق خالد بن الوليد ناسًا من أهل الرِّدة، وكذلك حَرَقَ علي.
وعنوان الباب الذي ذُكِرَ فيه عِدة أحاديث هو: باب الكفِّ عن الْمُثْلَة والتحريق وقطع الشجر وهدم العمران إلا لحاجة ومَصْلَحة، يقول: وظاهر النَّهي في حديث الباب التحريم، وهو نسخٌ للأمر المُتقدم، سواء كان بوحي إليه أو اجتهاد، وهو محمول على من قَصَدَ إلى ذلك في شخص بعينه، ثم نقل عن ابن حجر فقال: قال في الفتح: ذهب الجهور إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو. وكَرِهَهُ الأوزاعي واللَّيْثُ وأبو ثَوْر، واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه ألا يفعلوا شيئًا من ذلك، وأجاب الطبري بأن النَّهي محمولٌ على القصد لذلك، بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في حال القتال، كَمَا وَقَعَ في نَصْبِ الْمَنْجَنِيق عَلَى الطائِفِ، وهو نحو ما أجاب به في النَّهي عن قَتْلِ النِّسَاء والصِّبيان، وبهذا قال أكثر أهل العلم، وقال غيره: إنما نهى أبو بكر عن ذلك؛ لأنه عَلِمَ أنَّ تلك البلادَ تفتح، فأراد بقاءها على المُسلمين.
ولا يخفى أن ما وقع من أبي بكر لا يصلح لمعارضة ما ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما تَقَرَّر مِنْ عَدَمِ حُجيَّة قول الصحابي "ص 266".
وجاء في تفسير القرطبي "ج 18 ص 6" ما ذكره ابن إسحاق عن اختلاف الصحابة في قطع النخل وحرق الشجر لبني النضير، وما تقاول به اليهود من زَعْم النَّبي أنه يُريد الإصلاح لا الإفساد ، ونزول الآية، وشعر سَمَّاك اليهودي وردَّ حسان بن ثابت وغيره عليه، ثم قال في "ص 7" واختلف الناس في تخريب دار العدو وتحريقها وقطع ثمارها على قولين، الأول أن ذلك جائز قاله في المُدونة، والثاني إن علِم المُسلمون أن ذلك لهم لم يفعلوا، وإن يئسوا فعلوا، قاله مالك في الواضحة ، وعليه يناظر أصحاب الشافعي، قال ابن العربي، والصحيح الأول، وقد علِم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنَّ نخلَ بني النضير له، ولكنه قطع وحرَّق ليكون ذلك نِكاية لهم ووهنًا فيهم حتى يخرجوا عنها. وإتلاف بعض المال لصلاح باقيه مصلحة جائزة شرعًا، مقصودة عَقلاً.
وجاء في المُغني لابن قدامة "ج 10 ص 509"أنه لا يُقطع شجرهم ولا يُحرق زرعهم، إلا أن يكونوا يفعلون ذلك في بلادنا فيفعل ذلك بهم لينتهوا. وفي شرحه لهذا قَسَّم الشَّجَر والزرع ثلاثة أقسام، القسم الأول ما تدعو الحاجة إلى إتلافه كالذي يقرب من حصونهم ويمنع من قتالهم. وكالذي يحتاج إلى قَطْعِهِ لتوسعة طريق أو تمكُّن مِنْ قِتَال، أو يكونون يفعلون ذلك بنا فيُفعل بهم ذلك لينتهوا، فهذا يجوز بغير خلاف نَعْلَمُهُ، والقِسم الثاني ما يتضرر المسلمون بقطعه؛ لأنهم ينتفعون ببقائه لعلف دوابهم أو الأكل من ثمره، فهذا يَحْرُمُ لما فيه من الإضرار بالمسلمين، والقسم الثالث ما عدا هذين القِسْمَين مما لا ضررَ فيه للمسلمين ولا نفع سوى غيظ الكفار والإضرار بهم ففيه روايتان ـ أي عن أحمد ـ إحداهما لا يجوز، لحديث أبي بكر ووصيته؛ لأن فيه إتلافًا مَحْضًا فَلَمْ يُجز. كَعَقْر الْحيوان، وبه قال الأوزاعي والليث وأبو ثور، والرواية الثانية يجوز، وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق وابن المُنذر، قال إسحاق: التحريق سُنة إذا كان أنكى في العدو، وذكر الآية (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةِ) وحديث ابن عمر في تحريق الرسول لنخلِ بني النضير.
يُؤْخَذ من كُلِّ ما تَقَدَّم أَنَّ قَطْعَ الشَّجر وَالتحريق والتخريب إن كان فيه مصلحة للمسلمين المُجاهدين فلا مانع منه. ومن المصلحة إزالة حواجز تمنع القتال. وإضعاف شوْكة العدو ليكف عن القتال، والمُقابلة بالمِثْل إذا فعلوا بنا ذلك. وأسلحة الدَّمار الشامل تأتي على الأشخاص والثروات والأملاك، وفي الأشخاص كثيرون لا يباشرون القتال ولا يتميَّزون عنهم ولا يقصدون بأعيانهم فيجوز قتلهم، وفي الثروات والأملاك لا بأس من تخريبها للمصلحة .
والله أعلم.
نشرت هذه الفتوى بتاريخ 12-3-2003
ويمكنكم متابعة الفتوى التالية :
موقف الإسلام من الحرب الكيماوية
تدمير البنية التحتية في الحروب .. بين الشريعة والقانون
|