من هو المسؤل عن تغيير المنكر ؟ وما شروط هذا التغيير ؟
السؤال
15/04/2000
التاريخ
الحل
من الفرائض الأساسية في الإسلام، فريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهي الفريضة التي جعلها اللّه تعالى أحد عنصرين رئيسيين في تفضيل هذه الأمة وخيريتها: (كنتم خــير أمـة أخرجـت للناس تأمرون بالمعـروف وتنهـون عـن المنكر وتؤمنـون باللّـه). (آل عمران: 110).
ومن الصفات الأساسية للمؤمنين في نظر القرآن : (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود اللّه). (التوبة: 112).
وكما مدح القرآن الآمرين الناهين، ذم الذين لا يأمرون بالمعروف، ولا يتناهون عن المنكر كما قال تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه . لبئس ما كانوا يفعلـون). (المائدة: 78، 79).
والمسلم بهذا ليس مجرد إنسان صالح في نفسه، يفعل الخير ويدع الشر ويعيش في دائرته الخاصة، لا يبالي بالخير، وهو يراه ينزوي ويتحطم أمامه، ولا بالشر وهو يراه يُعشِّش ويفرخ من حوله.
بل المسلم ـ كل مسلم ـ إنسان صالح في نفسه، حريص على أن يصلح غيره، وهو الذي صورته تلك السورة الموجزة من القرآن، سورة العصر: (والعصر إن الإنسان لفي خسر.إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر). (سورة العصر).
فلا نجاة للمسلم من خسران الدنيا والآخرة، إلا بهذا التواصي بالحق والصبر، الذي قد يعبر عنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو حارس من حراس الحق والخير في الأمة.
فكل منكر يقع في المجتمع المسلم، لا يقع إلا في غفلة من المجتمع المسلم، أو ضعف وتفكك منه، ولهذا لا يستقر ولا يستمر، ولا يشعر بالأمان، ولا يتمتع بالشرعية بحال.
المنكر ـ أي منكر ـ يعيش "مطاردا" في البيئة المسلمة، كالمجرم المحكــوم عليه بالإعدام أو السـجن المؤبد، إنه قد يعيش ويتنقـل، ولكن من وراء ظهر العدالة، وبالرغم من المجتمع.
والمسلم إذن مطالب بمقاومة المنكر ومطاردته، حتى لا يكتب له البقاء بغير حق في أرض ليست أرضه، ودار ليست داره، وقوم ليسوا أهله.
ومن هنا جاء الحديث الصحيح الذي رواه أبو سـعيد الخـدري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". (رواه مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه عن أبي سعيد الخدري).
والحديث واضح الدلالة في أن تغيير المنكر من حق كل من رآه من المسلمين، بل من واجبه.
ودليل ذلك أن "من" في الحديث "من رأى" من ألفاظ العموم، كما يقول الأصوليون، فهي عامة تشمل كل من رأى المنكر، حاكمًا كان أو محكومًا، وقد خاطب الرسول الكريم بها المسلمين كافة (من رأى منكم) لم يستثن منهم أحدًا، ابتداء من الصحابة فمن بعدهم من أجيال الأمة إلى يوم القيامة.
وقد كان هو الإمام والرئيس والحاكم للأمة، ومع هذا أمر من رأى منهم ــ وهم المحكومون ـ منكرًا أن يغيروه بأيديهم، متى استطاعوا، حين قال: "من رأى منكم منكرًا".
شروط تغيير المنكر:
كل ما هو مطلوب من الفرد المسلم أو الفئة المسلمة عند التغيير أن يراعي الشروط التي لا بد منها والتي تدل عليها ألفاظ الحديث:
أ- الشرط الأول: أن يكون محرمًا مجمعًا عليه:
أي أن يكون منكرًا حقًا ونعني هنا: المنكر الذي يطلب تغييره باليد أولاً ثم باللسان ثم بالقلب عند العجز ولا يطلق المنكر إلا على الحرام الذي طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بحيث يستحق عقاب الله من ارتكبه وسواء أكان هذا الحرام فعل محظور أم ترك مأمور.
وسواء أكان الحرام من الصغائر أم من الكبائر وإن كانت الصغائر قد يتساهل فيها ما لا يتساهل في الكبائر ولا سيما إذا لم يواظب عليها وقد قال الله تعالى:
(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريمًا). (النساء 31).
وقال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر). (رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة).
فلا يدخل في المنكر إذن المكروهات أو ترك السنن والمستحبات وقد صح في أكثر من حديث أن رجلاً سأل النبي عما فرض الله عليه في الإسلام فذكر له الفرائض من الصلاة والزكاة والصيام وهو يسأل بعد كل منها: هل على غيرها ؟ فيجيبه الرسول الكريم: (إلا أن تطوع) حتى إذا فرغ منها قال الرجل: والله يا رسول الله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال عليه الصلاة والسلام: (أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق). (متفق عليه عن طلحة بن عبيد الله).
وفي حديث آخر: (من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا). (متفق عليه عن أبي هريرة).
لا بد إذن أن يكون المنكر في " درجة الحرام" وأن يكون منكرًا شرعيًّا حقيقيًّا أي ثبت إنكاره بنصوص الشرع المحكمة أو قواعده القاطعة التي دل عليها استقراء جزئيات الشريعة.
وليس إنكاره بمجرد رأي أو اجتهاد قد يصيب ويخطئ وقد يتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال.
وكذلك يجب أن يكون مجمعًا على أنه منكر فأما ما اختلف فيه العلماء المجتهدون قديمًا أو حديثًا بين مجيز ومانع فلا يدخل دائرة المنكر الذي يجب تغييره باليد وخصوصًا للأفراد.
فإذا اختلف الفقهاء في حكم التصوير أو الغناء بآلة وبغير آلة أو في كشف وجه المرأة وكفيها أو في تولي المرأة القضاء ونحوه أو في إثبات الصيام والفطر برؤية الهلال في قطر آخر بالعين المجردة أو بالمرصد أو بالحساب أو غير ذلك من القضايا التي طال فيها الخلاف قديمًا وحديثًا لم يجز لإنسان مسلم أو لطائفة مسلمة أن تتبنى رأيًا من الرأيين أو الآراء المختلف فيها وتحمل الآخرين عليه بالعنف.
حتى رأي الجمهور والأكثرية لا يسقط رأي الأقل ولا يلغي اعتباره حتى لو كان المخالف واحدًا ما دام من أهل الاجتهاد وكم من رأي مهجور في عصر ما أصبح مشهورًا في عصر أخر.
وكم ضعف رأي لفقيه ثم جاء من صححه ونصره وقواه فأصبح هو المعتمد والمفتى به.
وهذه آراء شيخ الإسلام ابن تيميه في الطلاق وأحوال الأسرة قد لقي من أجلها ما لقي في حياته وظلت تقاوم قرونًا عدة بعد وفاته ثم هيأ الله لها من نشرها وأيدها حتى غدت عمدة الإفتاء والقضاء والتقنين في كثير من الأقطار الإسلامية.
إن المنكر الذي يجب تغييره بالقوة لا بد أن يكون منكرًا بينًا ثابتًا اتفق أئمة المسلمين على أنه منكر وبدون ذلك يفتح باب شر لا آخر له فكل من يرى رأيًا يريد أن يحمل الناس عليه بالقوة!.
وفي بعض الأقطار الإسلامية قام مجموعة من الفتيان المتحمسين لتحطيم المحلات التي تبيع الدمى (العرائس واللعب) للأطفال لأنها أصنام وصور مجسمة تعتبر من أكبر الكبائر!
ولما قيل لهم: إن العلماء من قديم قد أجازوا لعب الأطفال لما فيها من امتهان الصورة وانتفاء تعظيمها ...إلخ قالوا: كان هذا في صور غير هذه الصور المتقنة التي تفتح عيونها وتغلقها.
قيل لهم ولكن الطفل يرمي بها يمينًا وشمالاً ويخلع ذراعها ورجلها ولا يمنحها أي قدر من التعظيم أو التقديس ...لم يجدوا جوابًا.
وفي بلاد إسلامية أخرى قام بعض الشباب يحاول أن يغلق المطاعم ومحلات العصير والقهوة ونحوها بالقوة حين أعلنت بعض الأقطار الإسلامية بدء الصيام ورؤية الهلال فرأى هؤلاء المتحمسون أن رمضان قد ثبت فلا يجوز المجاهرة بالإفطار.
ومثل ذلك ما قام به بعض الشباب المسلم الغيور في مصر في أحد أعياد الفطر حيث ترجح لدى الجهات الشرعية في مصر عدم ثبوت شوال لاعتبارات شتى منها: قطع الفلك أن من المستحيل رؤية الهلال تلك الليلة ولم ير الهلال في مصر ولكن بعض الأقطار أعلنت رؤية الهلال فأصر هؤلاء على أن يفطروا ويقيموا شعائر العيد وحدهم ضد الدولة وأغلبية الأمة وحدث من جراء ذلك صدام مع أجهزة الأمن لا مبرر له.
ورأيي أن هؤلاء وأولئك أخطئوا من جملة أوجه:
الأول: أن الفقهاء مختلفون في طريق إثبات الهلال فمنهم من اكتفى بشاهد واحد ومنهم من طلب شاهدين ومنهم من اشترط في حالة الصحو شهادة الجم الغفير ولكل أدلته ووجهته.
فلا يجوز إجبار الناس على مذهب واحد من غير ذي سلطة.
الثاني: أنهم اختلفوا كذلك في مسألة اعتبار اختلاف المطالع أو عدم اعتبارها وفي عدد من المذاهب: أن لكل بلد رؤيته ولا يلزم برؤية بلد آخر وهو مذهب ابن عباس ومن وافقه كما هو معروف من حديث كريب في صحيح مسلم.
الثالث: أن من المقرر في الفقه: أن حكم الإمام أو القاضي في الأمور الخلافية يرفع الخلاف ويلزم الأمة باتباعه.
ولهذا إذا أخذت السلطات الشرعية بقول إمام أو اجتهاد مذهب في هذه القضايا فالواجب إتباعها وعدم تفريق الصف.
وقد قلت في بعض ما أفتيت به: إذا لم نصل إلى وحدة المسلمين جميعًا في الصيام والفطر فعلى الأقل يجب أن يتحد أهل البلد الواحد في شعائرهم فلا يقبل بحال أن ينقسم أهل البلد الواحد إلى فريقين: فريق صائم وفريق مفطر.
ولكن هذا الخطأ في الاجتهاد من شباب مخلصين لا يقاوم بالرصاص بل بالإقناع.
ب-الشرط الثاني: ظهور المنكر:
أي أن يكون المنكر ظاهرًا مرئيًا فأما ما استخفى به صاحبه عن أعين الناس وأغلق عليه بابه فلا يجوز لأحد التجسس عليه بوضع أجهزة التصنت عليه أو كاميرات التصوير الخفية أو اقتحام داره عليه لضبطه متلبسًا بالمنكر.
وهذا ما يدل عليه لفظ الحديث: (من "رأى" منكم منكرًا فليغيره ...) فقد ناط التغيير برؤية المنكر ومشاهدته ولم ينطه بالسماع عن المنكر من غيره.
وهذا لأن الإسلام يدع عقوبة من استتر بفعل المنكر ولم يتبجح به إلى الله تعالى يحاسبه في الآخرة ولم يجعل لأحد عليه سبيلاً في الدنيا حتى يبدي صفحته ويكشف ستره.
حتى إن العقاب الإلهي ليخفف كثيرًا على من استتر بستر الله ولم يظهر المعصية كما في الحديث الصحيح: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين).
لهذا لم يكن لأحد سلطان على المنكرات الخفية وفي مقدمتها معاصي القلوب من الرياء والنفاق والكبر والحسد والشح والغرور ونحوها ...وإن اعتبرها الدين من أكبر الكبائر ما لم تتجسد في عمل ظاهر وذلك لأننا أمرنا أن نحكم بالظواهر ونكل إلى الله تعالى السرائر.
ومن الوقائع الطريفة التي لها دلالتها في هذا المقام ما وقع لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو ما حكاه الغزالي في كتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من (الإحياء): أن عمر تسلق دار رجل فرآه على حالة مكروهة فأنكر عليه فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت أنا قد عصيت الله من وجه واحد فأنت قد عصيته من ثلاثة أوجه فقال: وما هي ؟ قال: قد قال الله تعالى:
(ولا تجسسوا) (الحجرات: 12)، وقد تجسست، وقال تعالى:
(وأتوا البيوت من أبوابها) (البقرة: 189)، وقد تسورت من السطح، وقال تعالى:
(لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) (النور:27) وما سلمت فتركه عمر وشرط عليه التوبة. (الإحياء 1218/7ط. الشعب، القاهرة).
جـ- والشرط الثالث لتغيير المنكر بالقوة: القدرة الفعلية على التغيير:
أي أن يكون مريد التغيير قادرًا بالفعل بنفسه أو بمن معه من أعوان على التغيير بالقوة بمعنى أن يكون لديه قوة مادية أو معنوية تمكنه من إزالة المنكر بسهولة.
وهذا الشرط مأخوذ من حديث أبي سعيد أيضًا لأنه قال: (فمن لم يستطع فبلسانه) أي: فمن لم يستطع التغيير باليد فليدع ذلك لأهل القدرة وليكتف هو بالتغيير باللسان والبيان إن كان في استطاعته.
وهذا في الغالب إنما يكون لكل ذي سلطان في دائرة سلطانه، كالزوج مع زوجته والأب مع أبنائه وبناته الذين يعولهم ويلي عليهم وصاحب المؤسسة داخل مؤسسته والأمير المطاع في حدود إمارته أو سلطته وحدود استطاعته ( أعني أن من الأمراء من يعجز عن بعض الأشياء في إمارته نفسها، وقد رأينا عمر بن عبد العزيز يعجز عن رد الأمر شورى بين المسلمين، بعيدًا عن نظام الوراثة، والنجاشي ملك الحبشة لم يستطع - بعد أن أسلم - أن يحكم الشرع في رعيته، لأنهم لم يسلموا مثله، ولو حاول أن يفعل لخلعوه. .وهكذا.
وإنما قلنا: القوة المادية أو المعنوية لأن سلطة الزوج على زوجته أو الأب على أولاده ليست بما يملك من قوة مادية بل بما له من احترام وهيبة يجعلان كلمته نافذة وأمره مطاعًا.
إذا كان المنكر من جانب الحكومة:
وهنا تظهر مشكلة ما إذا كان المنكر من جانب الحكومة أو الدولة التي تملك مقاليد القوتين المادية والعسكرية ماذا للأفراد والفئات أو عليهم أن يعملوا لتغيير المنكر الذي ترتكبه السلطة أو تحميه ؟.
والجواب: أن عليهم أن يملكوا القوة التي تستطيع التغيير وهي في عصرنا إحدى ثلاث:
الأولى: القوات المسلحة التي يستند إليها كثير من الدول في عصرنا ولا سيما العالم الثالث في إقامة حكمها وتنفيذ سياستها وإسكات الخصوم بالحديد والنار فالعمدة لدى هذه الحكومات ليس قوة المنطق بل منطق القوة فمن كان معه هذه القوات استطاع أن يضرب بها كل تحرك شعبي يريد التغيير كما رأينا ذلك في بلاد شتى آخرها في الصين وإخماد ثورة الطلبة المطالبين بالحرية.
الثانيـة: المجلس النيابي الذي يملك السلطة التشريعية وإصدار القوانين وتغييرها وفقًا لقرار الأغلبية المعمول به في النظام الديمقراطي فمن ملك هذه الأغلبية في ظل نظام ديمقراطي حقيقي غير مزيف أمكنه تغيير كل ما يرى من منكرات بوساطة التشريع الملزم الذي لا يستطيع وزير ولا رئيس حكومة ولا رئيس دولة أن يقول أمامه لا.
الثالثة: قوة الجماهير الشعبية العارمة التي تشبه الإجماع والتي إذا تحركت لا يستطيع أحد أن يواجهها أو يصد مسيرتها لأنها كموج البحر الهادر أو السيل العارم لا يقف أمامه شيء حتى القوات المسلحة نفسها لأنها في النهاية جزء منها وهذه الجماهير ليسوا إلا أهليهم وآباءهم وأبناءهم وإخوانهم كما رأينا ذلك بوضوح في ثورة إيران.
فمن لم يملك إحدى هذه القوى الثلاث فما عليه إلا أن يصبر ويصابر ويرابط حتى يملكها وعليه أن يغير باللسان والقلم والدعوة والتوعية والتوجيه حتى يوجد رأيًا عامًا قويًّا يطالب بتغيير المنكر وأن يعمل على تربية جيل طليعي مؤمن يتحمل تبعة التغيير وهذا ما يشير إليه حديث أبي ثعلبة الخشني حين سأل الرسول عن قوله تعالى:
(يأيها الذين أمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) (المائدة: 105).
فقال له النبي: (بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شُحًّا مُطاعًا وهوًى مُتبعًا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام فإن من ورائكم أيامًا الصابر فيهن مثل القابض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون كعملكم" (رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب صحيح، وكذا رواه أبو داود من طريق ابن المبارك . ورواه ابن ماجة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عتبة بن أبي حكيم) . وفي بعض الروايات: (ورأيت أمرًا لا يدان -أي لا طاقة- لك به).
الشرط الرابع: عدم خشية منكر أكبر:
أي ألا يخشى من أن يترتب على إزالة المنكر بالقوة منكر أكبر منه كأن يكون سببًا لفتنة تسفك فيها دماء الأبرياء وتنتهك الحرمات وتنتهب الأموال وتكون العاقبة أن يزداد المنكر تمكنًا ويزداد المتجبرون تجبرًا وفسادًا في الأرض.
ولهذا قرر العلماء مشروعية السكوت على المنكر مخافة ما هو أنكر منه وأعظم ارتكابًا لأخف الضررين واحتمالاً لأهون الشرين.
وفي هذا جاء الحديث الصحيح أن النبي قال لعائشة: (لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم).
وفي القرآن الكريم ما يؤيد ذلك في قصة موسى - عليه السلام - مع بني إسرائيل حين ذهب إلى موعده مع ربه الذي بلغ أربعين ليلة وفي هذه الغيبة فتنهم السامري بعجله الذهبي حتى عبده القوم ونصحهم أخوه هارون فلم ينتصحوا وقالوا:
(لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى). (طه 91).
وبعد رجوع موسى ورؤيته لهذا المنكر البشع -عبادة العجل- اشتد على أخيه في الإنكار وأخذ بلحيته يجره إليه من شدة الغضب.
(قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي). (طه 92: 94).
ومعنى هذا: أن هارون قدم الحفاظ على وحدة الجماعة في غيبة أخيه الأكبر حتى يحضر ويتفاهما معًا كيف يواجهان الموقف الخطير بما يتطلبه من حزم وحكمة.
هذه هي الشروط الأربعة التي يجب توافرها لمن يريد تغيير المنكر بيده وبتعبير آخر: بالقوة المادية المرغمة.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..