القرآن يجعل الرجل والمرأة شريكين في تحمل أعظم المسؤوليات في الحياة الإسلامية، وهي مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). وتطبيقًا لهذا المبدأ وجدنا امرأة في المسجد ترد على أمير المؤمنين عمر الفاروق وهو يتحدث فوق المنبر على ملأ من الناس، فيرجع عن رأيه إلى رأيها ويقول بصراحة: "أصابت امرأة وأخطأ عمر".
والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:"طلب العلم فريضة على كل مسلم". فيجمع علماء المسلمين على أن المسلمة أيضًا داخلة في معنى الحديث، ففرض عليها أن تطلب من العلم ما يصحّح عقيدتها، ويقوّم عبادتها، ويضبط سلوكها بأدب الإسلام في اللباس والزينة وغيرها، ويقفها عند حدود الله في الحلال والحرام، والحقوق والواجبات. ويمكنها أن تترقى في العلم حتى تبلغ درجة الاجتهاد. وليس لزوجها أن يمنعها من طلب العلم الواجب عليها، إذا لم يكن هو قادرًا على تعليمها، أو مقصرًا فيه.
فقد كان نساء الصحابة يذهبن إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألنه فيما يعرض لهن من شئون، ولم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
وصلاة الجماعة ليست مطلوبة من المرأة طلبها من الرجل، فإن صلاتها في بيتها قد تكون أفضل لظروفها ورسالتها، ولكن ليس للرجل منعها إذا رغبت في صلاة الجماعة بالمسجد، قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".
وللمرأة أن تخرج من بيتها لقضاء حاجة لها أو لزوجها وأولادها في الحقل أو السوق، كما كانت تفعل ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر، فقد قالت: "كنت أنقل النوى على رأسي من أرض الزبير -زوجها- وهي من المدينة على ثلثي فرسخ".
وللمرأة أن تخرج مع الجيش لتقوم بأعمال الإسعاف والتمريض وما شابه ذلك من الخدمات الملائمة لفطرتها ولقدراتها. روى أحمد والبخاري عن الربيع بنت معوذ الأنصارية قالت: "كنا نغزو مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة". وروى أحمد ومسلم عن أم عطية قالت: "غزوت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، وأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على الزمنى". فهذه هي الأعمال اللائقة بطبيعة المرأة ووظيفتها، أما أن تحمل السلاح وتقاتل وتقود الكتائب فليس ذلك من شأنها، إلا أن تدعو لذلك حاجة، فعند ذلك تشارك الرجال في جهاد الأعداء بما تستطيع، وقد اتخذت أم سليم يوم "حنين" خنجرًا فلما سألها زوجها أبو طلحة عنه قالت: "اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه".
وقد أبلت أم عمارة الأنصارية بلاءً حسنًا في القتال يوم "أحد"، حتى أثنى عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- وفى حروب الردة شهدت المعارك بنفسها، حتى إذا قتل مسيلمة الكذاب عادت وبها عشر جراحات. فإذا شاع في بعض العصور حبس المرأة عن العلم، وعزلها عن الحياة، وتركها في البيت كأنها قطعة من أثاثه، لا يعلّمها الزوج، ولا يتيح لها أن تتعلم -حتى إن الخروج إلى المسجد أصبح عليها محرمًا- إذا شاعت هذه الصورة يومًا فمنشؤها الجهل والغلو والانحراف عن هدي الإسلام، واتباع تقاليد مبالغة في التزمت، لم يأذن بها الله، والإسلام ليس مسؤولاً عن هذه التقاليد المبتدعة بالأمس، كما أنه ليس مسؤولاً عن تقاليد أخرى مسرفة ابتدعت اليوم. إن طبيعة الإسلام هي التوازن المقسط في كل ما يشرعه ويدعو إليه من أحكام وآداب، فهو لا يعطي شيئًا ليحرم آخر، ولا يضخم ناحية على حساب أخرى، ولا يسرف في إعطاء الحقوق، ولا في طلب الواجبات.
ولهذا لم يكن من هم الإسلام تدليل المرأة على حساب الرجل، ولا ظلمها من أجله، ولم يكن همّه إرضاء نزواتها على حساب رسالتها، ولا إرضاء الرجل على حساب كرامتها، وإنما نجد أن موقف الإسلام تجاه المرأة يتمثل فيما يلي:
(أ) أنه يحافظ -كما قلنا- على طبيعتها وأنوثتها التي فطرها الله عليها ويحرسها من أنياب المفترسين الذين يريدون التهامها حرامًا، ومن جشع المستغلين الذين يريدون أن يتخذوا من أنوثتها أداة للتجارة والربح الحرام.
(ب) أنه يحترم وظيفتها السامية التي تهيّأت لها بفطرتها، واختارها لها خالقها الذي خصّها بنصيب أوفر من نصيب الرجل في جانب الحنان والعاطفة ورقة الإحساس وسرعة الانفعال ليعدها بذلك لرسالة الأمومة الحانية التي تشرف على أعظم صناعة في الأمة، وهي صناعة أجيال الغد.
(جـ) أنه يعتبر البيت مملكة المرأة العظيمة هي ربته ومديرته وقطب رحاه، فهي زوجة الرجل، وشريكة حياته، ومؤنس وحدته، وأم أولاده، وهو يعد عمل المرأة في تدبير البيت، ورعاية شئون الزوج، وحسن تربية الأولاد، عبادةً وجهادًا، ولهذا يقاوم كل مذهب أو نظام يعوقها عن رسالتها، أو يضرّ بحسن أدائها لها، أو يخرب عليها عشها.
إن كل مذهب أو نظام يحاول إجلاء المرأة عن مملكتها، ويخطفها من زوجها، وينتزعها من فلذات أكبادها -باسم الحرية أو العمل أو الفن أو غير ذلك- هو في الحقيقة عدو للمرأة، يريد أن يسلبها كل شيء، ولا يعطيها لقاء ذلك شيئًا يذكر، فلا غرو أن يرفضه الإسلام.
(د) أنه يريد أن يبني البيوت السعيدة التي هي أساس المجتمع السعيد. والبيوت السعيدة إنما تبنى على الثقة واليقين، لا على الشك والريبة، والأسرة التي قوامها زوجان يتبادلان الشكوك والمخاوف أسرة مبنية على شفير هار، والحياة في داخلها جحيم لا يطاق.
(هـ) أنه يأذن لها أن تعمل خارج البيت فيما يلائمها من الأعمال التي تناسب طبيعتها واختصاصها وقدراتها، ولا يسحق أنوثتها، فعملها مشروع في حدود وبشروط. وخصوصًا عندما تكون هي أو أسرتها في حاجة إلى العمل الخارجي، أو يكون المجتمع نفسه في حاجة إلى عملها خاصة. وليست الحاجة إلى العمل محصورة في الناحية المادية فحسب، فقد تكون حاجة نفسية كحاجة المتعلمة المتخصصة التي لم تتزوج، والمتزوجة التي لم تنجب، والشعور بالفراغ الطويل، والملل القاتل.
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..