هذا سؤال من جملة أسئلة عن الطب الإسلامي وأحكامه وآدابه وصلتني في رسالة من قبل منظمة الطب الإسلامي لجنوب إفريقيا، ويتمثل السؤال الأول فيما يلي:
قتل الرحمة (تيسير الموت):
التعريف: تسهيل موت الشخص بدون ألم بسبب الرحمة لتخفيف معاناة المريض سواء بطرق فعالة أو منفعلة.
تيسير الموت الفعال: يتخذ الطبيب إجراءات فعالة لإنهاء حياة المريض.
أمثلة:
1- مريض مصاب بالسرطان يعاني من الألم والإغماء ويعتقد الطبيب بأنه سيموت بأي حال من الأحوال ويعطيه جرعة عالية من علاج قاتل للألم الذي يوقف تنفسه.
2- مريض في حالة إغماء لفترة طويلة مثلاً بعد إصابته بالتهاب السحايا أو بإصابة شديدة في رأسه، ومن الممكن أن يبقى حيًا باستعمال منفِّسة (جهاز إنعاش) ويعتقد الطبيب بعدم وجود أي أمل بشفائه، والمنفِّسة تضخّ الهواء للرئتين، وتديم تنفسه "أوتوماتيكيا". فإذا ما أوقف المنفسة لن يتمكن المريض من إدامة تنفسه، فمن الممكن إبقاء هذا المريض حيًا بواسطة هذه المنفسة الصناعية التي تديم فعالياته الحيوية، ولكن لكل الاعتبارات الأخرى يعتبر مثل هذا المريض "ميتًا" وغير قادر على السيطرة على وظائفه وإيقاف هذه المنفسة يعتبر تيسيرًا فعالاً للموت.
تيسير الموت المنفعل:
هنا لا تتخذ خطوات فعالة لإنهاء حياة المريض بل يترك للمرض أن يأخذ أدواره بدون إعطاء المريض أي علاج لإطالة حياته.
أمثلة:
1- مريض نهائي بالسرطان أو الإغماء من إصابة بالرأس أو التهاب سحائي ولا يرجى شفاؤه منه، ومصاب بالتهاب الرئة التي إن لم تعالج - وهي ممكنة العلاج - يمكن أن تقتل المريض وإيقاف العلاج من الممكن أن يعجل بموت المريض.
2- طفل مشوه تشويها شديدًا بتصلب أشرم - شوكة مشقوقة - أو بشلل مخي يمكن أن يترك من دون علاج إذا أصيب بالتهاب الرئتين أو بالتهاب السحايا، ويمكن أن يموت الطفل من هذه الالتهابات.
والتصلب الأشرم - الشوكة المشقوقة - هي حالة غير طبيعية للعمود الفقري تؤدي إلى شلل الساقين وفقدان السيطرة على المثانة والأمعاء الغليظة والطفل المريض بهذا الداء يكون مشلولا يحتاج إلى عناية خاصة طيلة حياته.
أما الشلل المخي فهي حالة تلف في المخ خلال الولادة تسبب تخلفًا عقليًا وشللا في الأطراف بدرجات متفاوتة، ومثل هذا الطفل يكون مشلولا جسميًا وعقليًا ويحتاج لعناية خاصة طيلة حياته.
في الأمثلة السابقة "إيقاف العلاج" هو نوع من أنواع تيسير الموت المنفعل وبصورة عامة لا يعيش هؤلاء الأطفال عمرًا طويلاً، وإيقاف العلاج وتيسير الموت المنفعل يمنع إطالة معاناة الطفل المريض أو والديه.
الأسئلة:
1- هل تيسير الموت الفعال مسموح به في الإسلام؟
2- هل تيسير الموت المنفعل مسموح به في الإسلام؟
السؤال
31/10/2006
التاريخ
العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي
المفتي
الحل
بسم الله،والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد : فقتلالرحمة بالطريقة المشار إليها في المثال الأول أي التي يتدخل فيها الطبيب بإعطاءالمريض دواء يعجل بموته هذه غير جائزة بحال من الأحوال، أما الحالات التي يتدخلفيها الطبيب برفع أجهزة الإنعاش عن المريض الذي أجمع الأطباء على أنه لن يعودللحياة مرة أخري بسبب موت جذع الدماغ فهذا جائز، وهذا خلاصة ما أفتى به فضيلة الشيخالدكتور يوسف القرضاوي حيث يقول فضيلته: 1-تيسير الموتالفعال في المثال رقم (1) لا يجوز شرعا؛لأن فيه عملا إيجابيًا من الطبيب بقصد قتلالمريض، والتعجيل بموته، بإعطائه تلك الجرعة العالية من الدواء المتسبب في الموت،فهو قتل على أي حال. سواء كان بهذه الوسيلة أم بإعطاء مادة سمية سريعة التأثير، أمبصعقة كهربائية أم بآلة حادة، كله قتل، وهو محرم، بل هو من الكبائر الموبقة. ولايزيل عنه صفة القتل أن دافعه هو الرحمة بالمريض، وتخفيف المعاناة عنه. فليس الطبيبأرحم به ممن خلقه. وليترك أمره إلى الله تعالى، فهو الذي وهب الحياة للإنسان وهوالذي يسلبها في أجلها المسمى عنده . أما المثال رقم (2) منأمثلة تيسير الموت الفعال، فنؤخر الحديث عنه بعد الحديث عن تيسير الموت المنفعل .
تيسير الموت المنفعل (بإيقافالعلاج): وأما تيسير الموت "بالطرقالمنفعلة" كما في السؤال. فإنها تدور كلها سواء في المثال (1) أم (2) على "إيقافالعلاج" عن المريض، والامتناع عن إعطائه الدواء، الذي يوقن الطبيب أنه لا جدوى منه،ولا رجاء فيه للمريض، وفق سنن الله تعالى، وقانون الأسباب والمسببات .
ومن المعروف لدى علماء الشرع: أنالعلاج أو التداوي من الأمراض ليس بواجب عند جماهير الفقهاء، وأئمة المذاهب. بل هوفي دائرة المباح عندهم. وإنما أوجبه طائفة قليلة، كما قاله بعض أصحاب الشافعيوأحمد. كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية. (الفتاوى الكبرى لابن تيمية 4/260طـ. مطبعةكردستان العلمية بالقاهرة) وبعضهم استحبه .
بل قد تنازع العلماء: أيهما أفضل: التداوي أم الصبر؟ فمنهم منقال الصبر أفضل، لحديث ابن عباس في الصحيح عن الجارية التي كانت تصرع - يصيبهاالصرع - وسألت النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو لها، فقال: "إن أحببت أن تصبريولك الجنة، وإن أحببت دعوت الله أن يشفيك" فقالت: بل اصبر، ولكنى أتكشف، فادع اللهلي ألا أتكشف، فدعا لها ألا تتكشف. (متفق عليه. رواه البخاري في كتاب المرضى ومسلمفي البر والصلة 2265) .
ولأنخلقًا من الصحابة والتابعين لم يكونوا يتداوون، بل فيهم من اختار المرض، كأبي ابنكعب، وأبي ذر - رضي الله عنهما - ومع هذا فلم ينكر عليهم ترك التداوي. (الفتاوىالكبرى لابن تيمية 4/260ط. مطبعة كردستان العلمية بالقاهرة) .
وقد عقد الإمام أبو حامد الغزالي في "كتاب التوكل" من "الإحياء" بابًا في الرد على من قال ترك التداوي أفضل بكل حال. (انظر: إحياء علوم الدين 4/290 وما بعدها ).
هذا هو رأي فقهاء الأمة في العلاج أو التداوي للمريض. فأكثرهميجعلونه من قسم المباح، وأقلهم يجعلونه من المستحب، والأقل منهم يجعلونه واجبًا . وأنا مع الذين يوجبونه في حالة ما إذا كان الألم شديدًا،والدواء ناجحًا، والشفاء مرجوًا منه وفق سنة الله تعالى .
وهو الموافق لهَدْي النبي -صلى اللهعليه وسلم- الذي تداوي وأمر أصحابه بالتداوي، كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم في هديه -صلى الله عليه وسلم- في "زاد المعاد" (انظر: الجزء الثالث من (زاد المعاد) طـ.الرسالة ببيروت). وأدنى ما يدل عليه ذلك هو السنية والاستحباب .
ومن هنا يكون العلاج أو التداوي حيثيرجى للمريض الشفاء مستحبًا أو واجبًا، أما إذا لم يكن يرجى له الشفاء، وفق سننالله في الأسباب والمسببات التي يعرفها أهلها وخبراؤها من أرباب الطب والاختصاص،فلا يقول أحد باستحباب ذلك فضلاً عن وجوبه .
وإذا كان تعريض المريض للعلاج بأي صورة كانت - شربًا أو حقنًاأو تغذية بالجلوكوز ونحوه، أو توصيلاً بأجهزة التنفس والإنعاش الصناعي، أو غير ذلكمما وصل إليه الطب الحديث، ومما قد يصل إليه بعد - يطيل عليه مدة المرض، ويبقى عليهالآلام زمنا أطول، فمن باب أولى ألا يكون ذلك واجبًا ولا مستحبًا، بل لعل عكسه هوالواجب أو المستحب .
فهذا النوعمن تيسير الموت - إن صحت التسمية - لا ينبغي أن يدخل في مسمى "قتل الرحمة"، لعدموجود فعل إيجابي من قبل الطبيب، إنما هو ترك لأمر ليس بواجب ولا مندوب، حتى يكونمؤاخذًا على تركه .
وهو إذن أمرجائز ومشروع، إن لم يكن مطلوبًا، وللطبيب أن يمارسه، طلبًا لراحة المريض وراحةأهله. ولا حرج عليه إن شاء الله .
تيسير الموت بإيقاف أجهزة الإنعاش:بقيالجواب عن المثال الثاني في النوع الأول، الذي اعتبره السؤال من تيسير الموت بالطرقالفعالة لا المنفعلة، وهو يقوم على إيقاف المنفسة الصناعية أو ما يسمونه "أجهزةالإنعاش الصناعي" عن المريض، الذي يعتبر في نظر الطب "ميتًا" أو "في حكم الميت"وذلك لتلف جذع الدماغ، أو المخ، الذي به يحيًا الإنسان ويحس ويشعر .
وإذا كان عمل الطبيب مجرد إيقافأجهزة العلاج، فلا يخرج عن كونه تركًا للتداوي شأنه شأن الحالات الأخرى، الذي سماها "الطرق المنفعلة ". ومن أجل ذلك أرى إخراج هذه الحالةوأمثالها عن دائرة النوع الأول "تيسير الموت بالطرق الفعالة" وإدخالها في النوعالآخر .
وبناء على ذلك يكون هذاأمرًا مشروعًا ولا حرج فيه أيضًا، وبخاصة أن هذه الأجهزة تبقى عليه هذه الحياةالظاهرية - المتمثلة في التنفس والدورة الدموية - وإن كان المريض ميتًا بالفعل، فهولا يعي ولا يحس ولا يشعر. نظرًا لتلف مصدر ذلك كله وهو المخ .
وبقاء المريض على هذه الحالة يتكلفنفقات كثيرة دون طائل، ويحجز أجهزة يحتاج إليها غيره، ممن يجدي معه العلاج، وهو -وإن كان لا يحس - فإن أهله وذويه يظلون في قلق وألم ما دام على هذه الحالة، التي قدتطول إلى عشر سنوات أو أكثر !.
وقد ذكرت هذا الرأي منذ سنوات أمام جمع من الفقهاء والأطباءفي أحد اجتماعات الندوة التي تقيمها بين الحين والحين "المنظمة الإسلامية للعلومالطبية" بالكويت، فلقي قبول الحاضرين من أهل الفقه وأهل الطب . والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هداناالله . والله أعلم ويمكنكم مطالعة: رفع أجهزة الإنعاش عن الميتإكلينيكيا مرض الإيدز.. وحكم قتل المريض
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..