انتشرت في الآونة الأخيرة مسألة خطف الطائرات وترويع الآمنين سواء كانت أغراض الخاطفين نبيلة أم خسيسة فما موقف الإسلام من هذه المسألة ؟ وهل يحق للمظلوم أن يأخذ حقه بهذه الطريقة الوحشية ؟
السؤال
21/08/2007
التاريخ
العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي
المفتي
الحل
بسم الله،والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: إن الإسلام لا يبيح الاعتداء على إنسان بريء، بحال من الأحوال،ومن أي شخص كان، سواء كان الاعتداء على النفس أو العرض أو المال، ولو كان المعتدىهو الأمير أو الخليفة المبايع. فإمارته لا تحل له دماء الناس ولا أموالهم ولاأبشارهم ولا حرماتهم. وقد أعلن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع على رءوسالأشهاد أن دماء الناس وأموالهم وأعراضهم حرام عليهم بعضهم على بعض، دائمة الحرمةإلى يوم القيامة.
ولقد أرسى الإسلام عدة مبادئ في هذه المسألة من أهمها: المبدأ الأول:الإسلام يحرم الاعتداء على الأبرياءوليس هذا التحريم مقصورًا على المسلمين، بل يشملهم ويشمل غيرهمممن ليسوا من أهل الحرب لهم. حتى في حال الحرب والقتال، لميجز الإسلام قتل من لا يقاتل، من النساء والصبيان والشيوخ، حتى الرهبان المتفرغونللعبادة في صوامعهم لا يقتلون، بل يتركون وما فرغوا أنفسهم له. وهذا ما جعل المؤرخين المنصفين من الغربيين يقولون: ما عرفالتاريخ فاتحًا أعدل ولا أرحم من العرب، يعنى المسلمين.
وأكثر من ذلك أن الإسلام يحرمالاعتداء على الحيوان الأعجم، فما بالك بالإنسان المكرم؟ وفى الصحيح، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أن امرأة دخلتالنار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ".
فكيف بمن حبس البشر وروعهم، وجعلهميصبحون ويمسون في قلق مفزع وفى فزع مقلق؟ وفى الحديث الذيرواه النعمان بن بشير قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، في مسير أي سفرفخفق رجل على راحلته أي أصابته سنة من النوم فأخذ رجل سهمًا من كنانته، فانتبهالرجل، ففزع يعنى أنه أحس بمن يأخذ السهم من كنانته فانتبه فزعًا مرتاعًا فقال رسولالله -صلى الله عليه وسلم-: " لا يحل لرجل أن يروع مسلما" (رواه الطبراني في الكبيرورواته ثقات، ورواه البزار من حديث ابن عمر مختصرا: "لا يحل لمسلم أن يروع مسلما".)وروى نحوه ابن أبى ليلى عن عدد من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- (رواه أبوداود). أي أن هذا الترويع حرام، ولو في هذه الصورة البسيطة القريبة، ولو كان دافعهالمزاح والمداعبة، ما دام عاقبته الترويع والتفزيع.
فكيف بمن عاشوا أيامًا طالت أكثر من أسبوعين، كل ساعة فيهاطولها شهر، وكل ليلة طولها دهر، يتوقعون في كل لحظة أن ينفذ الخاطفون وعيدهم بقتلواحد أو أكثر، ليتخذوا من قتله أو قتلهم وسيلة للضغط على من يملكون القرار بعيدًابعيدًا. وقد يجن جنونهم ـ وهو ليس بمستبعد ـ فيفجرون الطائرة بمن فيها؟ كيف بمن عاشوا هذه المدة، وهم لا يستريحون في نومهم إذا ناموا،ولا في جلوسهم إذا جلسوا، وليس لهم حرية الحركة التي للمسجون داخل السجن؟
المبدأ الثاني: ألا تزر وازرة وزر أخرى إن كل إنسان مسئول عنعمله هو، وليس عن عمل غيره، ولا يحمل أحد وزر أحد ولو كان ألصق الناس به وأقربهمإليه، فالابن لا يعاقب على جرم أبيه، والأب لا يعاقب على جرم بنيه، وهذا هو الحقوالعدل، الذي قرره القرآن في آيات كثيرة، وحكاه عن الكتب السماوية قبله (أم لم ينبأبما في صحف موسى. وإبراهيم الذي وفَّى. ألا تزر وازرة وزر أخرى). (النجم: 36 - 38 ).
لهذا يعجب المرء كل العجب من نفريدعون الإسلام، ويحملون شارته، ويتحدثون باسمه، ويزعمون أنهم طلاب شهادة، ثمينتقمون من أناس عاديين، لا ناقة لهم فيما يطلبونه ولا جمل. وكيف يتصور أن يجوز لشخص أو بضعة أشخاص، أن يسلطوا على شعب بلدما للانتقام من أفراده، من أجل خلافهم مع حاكم هذا البلد؟ لنفترض أن الحاكم مخطئ أو مجرم، فما ذنبي أنا المواطن العاديلتعاقبني بخطئه أو جرمه؟ ومن الذي جعل منك أيها الخاطفخصمًا وحكما؟ ومن أعطاك سلطات الاتهام والقضاء والتنفيذ جميعا؟
وقد يكون حكمك على بالموت، بالإعدام!وهذا ما فعله الخاطفون مع بعض الركاب حيث باشروا بالفعل، وقتلوا اثنين منهم وألقوابجثة كل منهما من أعلى الطائرة فتسقط مهشمة، دون اعتبار لأي حرمة إنسانية، ومنالمعروف أن الإسلام يرعى حرمة الإنسان بعد وفاته، كما رعى كرامته في حال الحياة.وقال -صلى الله عليه وسلم-: "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي". (رواه أحمد وابن ماجةوابن حبان عن عائشة ).
إن القتلجريمة بشعة، ولهذا شدد الإسلام فيها أعظم التشديد وجاء فيها من الوعيد ما لا يخفى،وذهب من ذهب من العلماء إلى أن القاتل لا تقبل له توبة! وقرر القرآن: (أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرضفكأنما قتل الناس جميعًا ). وفى الحديث: " لزوال الدنياأهون عند الله من قتل رجل مسلم" (رواه الترمذي والنسائي عن ابن عمر، وروى ابن ماجةنحوه عن البراء).
وفى الحديثالآخر "لو أن أهل سماواته وأهل أرضه، اشتركوا في قتل رجل مؤمن لأكبهم الله فيالنار" (رواه الترمذي عن أبي سعيد وأبى هريرة معًا. وهذه الأحاديث الثلاثة مذكورةفي صحيح الجامع الصغير ). بل جعل النبي -صلى الله عليهوسلم- مجرد الإشارة إلى مسلم بالسلاح جريمة من الكبائر الموجبة للعنة. يقول: "منأشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي" رواه مسلم.
ويقول: "لا يشير أحدكم إلى أخيهبالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار" رواهالبخاري، ومسلم. ومعنى "ينزع": أي يرمي ويفسد. فإذا كانالإسلام يحذر من مجرد الإشارة بالسلاح، فكيف إذا استُعمل بالفعل، وقتل به إنسان لاحول له ولا طول، ولم يرتكب ما يبيح دمه؟
المبدأ الثالث: الغاية لا تبرر الوسيلة. إن الإسلام لا يقبلالوصول إلى الغايات الطيبة بالوسائل الخبيثة. إنه يرفض الفلسفة "الميكافيلية" التيترى أن الغاية تبرر الوسيلة. بل يؤكد كل التأكيد أنه لا بد من اجتماع الأمرين:الغاية الشريفة والوسيلة النظيفة، ولهذا رفض جمع المال من طرق الحرام لينفق فيالخيرات وأوجه الصدقات، وقال الرسول الكريم في ذلك: "إن الله طيب لا يقبل إلاطيبا"، وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة منغلول". رواه مسلم. والغلول ما يؤخذ من مال الغنيمة خفيةوخيانة، دون سائر المستحقين، فإذا أخذه ليتصدق به فإن الله يرده عليه ولا يقبل منه.
ولهذا فسر السلف العمل الصالحالمقبول بأنه ما اجتمع فيه أمران: الخلوص والصواب، فلا يقبل العمل عند الله إلا إذاكان خالصًا صوابًا. وخلوصه أن يكون لله تعالى، وصوابه أن يكون على السنة، أي على ماشرعه المنهج النبوي الذي يمثل الصراط المستقيم.
فلو افترضنا أن هؤلاء يحملون دوافع خيرة، وبواعث نبيلة، كمادافع عنهم من دافع بأنهم يهدفون إلى إنقاذ إخوان لهم يعتقدون براءتهم، أقول: لوافترضنا صحة هذه الدعوى - على ما فيها من شطط وتجاوز - ما جاز لهم بحال أن يصلواإلى غاياتهم التي يزعمون شرفها ونبلها ورفعتها بهذه الوسائل القذرة التي تقوم علىالاستهانة بالبشر، وتعذيبهم وإرهابهم وترويعهم إلى حد سفك الدم بغير حق.
ويزيد من ضخامة الجرم لدى هؤلاء أنهميتمسحون بالإسلام ويدعون الانتساب إليه، والغيرة عليه، فكل ما تقترفه أيديهم منجرائم يلصق بالإسلام المظلوم، ويشوه بها وجهه بالباطل. والإسلام بكتابه وسنة نبيه، وهدي أصحابه، وفقه أئمته، وروححضارته، والاتجاه العام لأمته، ينكر كل الإنكار هذا العملالذي يتسم بالقساوةوالوحشية، ويفتقد الإنسانية والأخلاقية.
إن هذا الشباب قد يكون مخلصًا، ولكنه ضل الطريق الصحيح. فاستحلقتل البرآء، وترويع الآمنين، وهو يرى أنه يخدم الإسلام، ويتقرب إلى الله. وهذا يضاعف المسئولية على أهل العلم والبصيرة أن يبذلوا المزيدمن الجهد، حتى ينيروا الطريق للحائرين. والله يقول الحقوهو يهدي السبيل. والله أعلم
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..