نحن من العرب المسلمين، نعيش في أمريكا الشمالية منذ سنوات، وقد أكرمنا الله تعالى بالعمل في مجال النشاط الإسلامي بين المسلمين من كل الأجناس والألوان والطبقات، فمنا العرب، ومنا الهنود والباكستانيون، ومنا الماليزيون والأفارقة، ومنا الأمريكيون من بيض وسود.
وتصادفنا أسئلة كثيرة منها ما لا عهد لنا بمثله في أوطاننا العربية والإسلامية، وكثير منها يسأله إخواننا وأخواتنا من الأمريكيين المسلمين والأمريكيات المسلمات، بعضها يتعلق بالصلات الجنسية بين الرجل وزوجته، مما هو معتاد في تلك البيئة، وأصبح جزءًا من حياتهم وعاداتهم الراسخة.
من ذلك: تجرد الزوجين عند الجماع من الثياب تمامًا.
ومنها: نظر الرجل إلى فرج امرأته، والمرأة إلى فرج زوجها.
وأشياء أخرى من هذا القبيل قد نستحي من ذكرها علانية، مما من شأنه أن يحرك شهوة كل منهما إلى الآخر، إذ يبدو أن حالة التكشف والعري والتحلل هناك أصابت القوم بنوع من البرود الجنسي، الذي يحتاج إلى محرك أو مثير لا نحتاج إليه نحن في بلاد العروبة والإسلام.
وقد كنا نجيب عن مثل هذه الأسئلة بالمنع والتحريم، لما ترسب في أذهاننا من أقوال وأحاديث سمعناها في الغالب من أهل الوعظ، لا من أهل الفقه.
ولكن بعض الأخوة ذكروا لنا أنهم سمعوا منك ما يخالف هذا، في بعض زياراتك لأمريكا وإجاباتك لبعض الأسئلة التي وجهت إليك في المؤتمرات العامة واللقاءات الخاصة.
لهذا أحببنا أن نستوثق منك بصورة مباشرة، ونعرف رأيك في هذه الأسئلة المثارة، مؤيدًا بأدلته من الكتاب والسنة. راجين ألا تهمل الرد علينا، وإن كنا نقدر كثرة أعبائك ومشاغلك، ولكن للمسلمين فيما وراء البحار حق عليك أيضًا.. وفقك الله وأعانك لخدمة الإسلام والمسلمين.
مجموعة من مسلمي الولايات المتحدة.
عنهم: م. ل. س.
السؤال
30/08/2003
التاريخ
العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي
المفتي
الحل
بسم الله،والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فإن تجرد الزوجين من الثياب عندالجماع أو غيره، ونظر كل منهما لفرج الآخر جائز ، ولم يرد دليل شرعي صحيح على منعه،بل ذهب بعض الفقهاء إلى أنه أعظم في الأجر ما دام الغرض منه إعفاف كلا الزوجينللآخر. يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:
إن الإسلام لم يهمل هذا الجانب من جوانب الحياة، الذي قديحسبه بعض الناس أبعد ما يكون عن الدين واهتماماته، بل قد يتوهم بعض الناس أنه ينظرإلى " الجنس " وما يتصل به على أنه " رجس من عمل الشيطان " وأن نظرة الإسلام إلىالجنس كنظرة الرهبانية إليه .
والواقع أن الإسلام قد عني بهذا الجانب الفطري من حياةالإنسان، ووضع فيه من القواعد والأحكام والتوجيهات ما يضمن أداءه لوظيفته، في غيرغلو ولا كبت ولا انحراف . وحسبنا ما جاء في سورة البقرةحول هذا الموضوع في قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ). (البقرة: 222(
وقد حفلت كتب التفسير والحديثوالفقه والآداب وغيرها بالكثير مما يتصل بهذا الجانب، ولم ير علماء المسلمين أي بأسفي الحديث عن هذا الموضوع ما دام في إطار العلم والتعليم، وقد شاع بين المسلمينكافة هذا القول: لا حياء في الدين، أي في تعلمه وتعليمه، أيًا كان موضوعه . والإسلام قد جاء لكل الأجناس، ولكل الطبقات، ولكل البيئات،ولكل الأعصار ولكل الأحوال، فلا ينبغي أن تتحكم في فقهه وفتاويه وتوجيه أحكامهأذواق أو تقاليد أقوام معينين، في بيئة معينة، كبيئة المسلمين العرب أو الشرقيين،فنحجر بذلك ما وسع الله، ونعسر ما يسر الدين، ونمنع الناس مما لم يمنعهم الشرع منه،بنصوصه الثوابت المحكمات.. ومن هنا أطالب الأخوة الغيورين الذين يسارعون إلىالإفتاء بالمنع والتحريم فيما لم يألفوه، أو تستشنعه أنفسهم بحكم نشأتهم وتربيتهمالخاصة، أن يتبينوا ويتثبتوا قبل الجزم بالحكم، وخصوصًا عند الإيجاب أو التحريم،وألا يأخذوا الأحكام من كتب الوعظ والرقائق، ولا من ألسنة أهل الوعظ والترغيبوالترهيب، فكثيرًا ما ينقصها التحقيق والتدقيق، وقلما تخلوا من التهويل والمبالغاتإلا من رحم ربك .
كما لا ينبغي عنداختلاف العلماء أن يلتزموا المذهب الأشد في ذلك أخذًا بالأحوط، فقد يكون الأخذبالأيسر هو الأولى، لأنه الأقوى دليلاً، أو لأنه الأوفق بروح الشريعة، وحاجاتالناس، وخصوصًا إذا كان السائلون من حديثي العهد بالإسلام، كما في موضوعنا،فالإفتاء بالأيسر لهؤلاء أولى من الإفتاء بالأحوط، ولكل مقام مقال. وفي الموضوع الذي سألعنه الأخوة نجد كتب الفقه لم تهمله، بل تحدثت عنه . ذكر فيمتن " تنوير الأبصار " وشرحه " الدر المختار " من كتب الحنفية جواز أن ينظر الرجلمن امرأته إلى ما ظهر منها وما بطن، ولو إلى فرجها، بشهوة وبغير شهوة . قال في " الدر ": (والأولى تركه، لأنه يورث النسيان، وأضافآخرون أنه يضعف البصر). فعللها بتعليلات غير شرعية، إذ لم يجئ بها نص من كتاب ولامن سنة، وهي مردودة من الناحية العلمية، فليس هناك أي ارتباط منطقي ولا واقعي بينالسبب والنتيجة .
واستدل في "الهداية " لأولوية الترك بحديث " إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ما استطاع، ولايتجردان تجرد العيرين " أي الحمارين . قال: وكان ابن عمريقول:" الأولى أن ينظر ليكون أبلغ في تحصيل اللذة ". لكن في " شرح الهداية " للعيني:أن هذا لم يثبت عن ابن عمر بسند صحيح ولا ضعيف . قال: وعنأبي يوسف: سألت أبا حنيفة عن الرجل يمس فرج امرأته، وهي تمس فرجه، ليتحرك عليها، هلترى بذلك بأسًا؟ قال: لا، وأرجو أن يعظم الأجر). (حاشية رد المحتار على الدرالمختار 5/234).
ولعله يشير إلى الحديث الصحيح:" وفيبضع أحدكم صدقة ". قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟قال: " نعم، أليس إذا وضعها في حرام كان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في حلال كان لهأجر. أتحتسبون الشر، ولا تحتسبون الخير؟! ". رواه مسلم. فرضي الله عن أبي حنيفة ماكان أفقهه !.
أما الحديث الذياستدل به في " الهداية " فلا حجة فيه، لأنه ضعيف. (رواه ابن ماجة في النكاح (1921)وضعفه البوصيري في الزوائد، وضعفه الحافظ العراقي أيضًا لضعف أسانيده كلها، وكذلكضعفه الألباني في " إرواء الغليل " حديث 2009) . وحتى لوقبلنا تساهل السيوطي الذي رمز للحديث السابق بالحسن في جامعه الصغير لكثرة طرقه،فإنه لا يفيد أكثر من الكراهة التنزيهية التي تزول لأدنى حاجة . وفي مجتمع مثل المجتمع الأمريكي وغيره من المجتمعات الغربيةنجد أن لهم عادات في اللقاء الجنسي بين الزوجين، تخالف ما درجنا عليه في أوطاننامثل التعري عند الجماع، أو نظر الرجل إلى فرج امرأته، أو لعب المرأة بذكر زوجهاوتقبيله ونحو ذلك مما قد يدفعهم إليه ما أصيبوا به من برود جنسي نتيجة لانتشارالإباحية والتحلل والعري، مما يجعل الرجل وربما المرأة أيضًا في حاجة إلى مثيراتغير عادية. فهذه أشياء قد تنكرها أنفسنا، وتنفر منها قلوبنا، وتستسخفها عقولنا،ولكن هذا شيء وتحريمها باسم الدين شيء آخر
ولا ينبغي أن يقال في شيء:حرام، إلا أن يوجد في القرآن والسنة الصحيحة، النص الصريح على حرمته، وإلا، فالأصلالإباحة . ولا نجد هنا النص الصحيح الصريح الدال على حرمةهذا السلوك مع الأزواج، وهذا ما جعلني في زياراتي لأمريكا، في مؤتمرات اتحاد الطلبةالمسلمين، وزياراتي للمراكز الإسلامية في عدد من الولايات، إذ سئلت عن هذا الأمروهو غالبًا يأتي من المسلمات الأمريكيات أن أميل إلى التيسير لا التعسير، والتسهيللا التشديد، والإجازة لا المنع.لحديث: " احفظ عورتك إلا عن زوجتك وما ملكت يمينك "ولقوله تعالى:(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ). (المؤمنون: 5،6) . وهذا ما ذهب إليه، وشدد النكير علىمن خالفه الإمام ابن حزم، حيث لم يصح لديه نص يمنع من ذلك، ولهذا لم يجد فيه أيكراهة أصلاً. فقال في "المحلى ": (وحلال للرجل أن ينظر إلىفرج امرأته، زوجته وأمته التي يحل له وطؤها، وكذلك لهما أن ينظرا إلى فرجه، لاكراهية في ذلك أصلاً.
برهان ذلك الأخبار المشهورة من طريقعائشة، وأم سلمة، وميمونة أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أنهن كن يغتسلن مع رسولالله -صلى الله عليه وسلم-، من الجنابة من إناء واحد. (انظر المحلى 1/267 و283 289). وفي خبر ميمونة بيان أنه عليه الصلاة والسلام كانبغير مئزر، لأن في خبرها أنه عليه الصلاة والسلام أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ علىفرجه وغسله بشماله (انظر المحلى 1/267 و 283 289)، فبطل بعد هذا أن يلتفت إلى رأيأحد . ومن العجب أن يبيح بعض المتكلفين من أهل الجهل وطء الفرجويمنع من النظر إليه، ويكفي في هذا قول الله عز وجل::(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ). (المؤمنون: 5،6).فأمرعز وجل بحفظ الفرج إلا على الزوجة، وملك اليمين، فلا ملامة في ذلك، وهذا عموم فيرؤيته ولمسه ومخالطته . وما نعلم للمخالف تعلقًاإلا بأثرسخيف عن امرأة مجهولة عن أم المؤمنين:" ما رأيت فرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-قط ".
وآخر - في غاية السقوط - عن أبي بكر بن عياش، وزهير بن محمد،كلاهما عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وهؤلاء: ثلاث الأثافي والديار البلاقع!أحدهم كان يكفي في سقوط الحديث). (المحلى، المسألة 1883) .
والحديث الذي استدل به ابن حزم فيصحيح البخاري عن ابن عباس عن ميمونة أم المؤمنين قالت: " سترت النبي -صلى الله عليهوسلم- وهو يغتسل من الجنابة فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه وماأصابه..". (الحديث رقم (281) 1/387 من البخاري مع فتح الباري ط السلفية). الحديث . وفي الصحيح أيضًا عن عائشة قالت: " كنت أغتسل أنا والنبي -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد من قدح يقال له: الفرق ". (انظر: الحديث رقم 250من المصدر السابق وأطرافه في: 261، 263، 273، 299 وغيرها) . وذكر الحافظ في " الفتح " استدلال ببعض العلماء بالحديثالمذكور على جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته وعكسه . قال: (ويؤيده ما رواه ابن حبان من طريق سليمان بن موسى: أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرجامرأته فقال: سألت عطاء، فقال: سألت عائشة، فذكرت هذا الحديث بمعناه، وهو نص فيالمسألة . والله أعلم
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..