تعودت منذ مدة طويلة أن أخرج زكاة الفطر عني وعن أسرتي مبلغًا من النقود هو قيمة صاع من أوسط الأطعمة التي ورد بها الحديث الشريف، كما أني أرسل هذه النقود إلى الفقراء من الأهل والأقارب والجيران في الأراضي المحتلة من فلسطين، ولم يكن عندي شك في جواز ذلك بناءً على فتاوى متعددة سمعتها من فضيلتكم شخصيًا، ومن علماء كثيرين، على رأسهم فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد المحمود - رئيس المحاكم الشرعية في قطر.
ولكني قد فوجئت في أحد الأيام - وأنا أفتح المذياع - بفتوى من أحد الشيوخ، بأن إخراج القيمة أي النقود في زكاة الفطر لا يجوز بحال، ومن فعل ذلك فزكاته باطلة؛ لأنها مخالفة للسنة. كما شن حملة قاسية على العلماء الذين أجازوا إخراج القيمة في زكاة الفطر، واتهمهم بمخالفة النصوص الشرعية بالرأي المجرد.
ولا أكتمكم أني تحيرت وتبلبل خاطري بعد سماعي لهذه الفتوى، وخصوصًا أنني سمعت حديثًا يقول: "صوم رمضان معلق بين السماء والأرض، لا يرفع إلا بزكاة الفطر".
ومعنى هذا أن صومي وصوم البالغين من عائلتي لا زال معلقًا طوال تلك السنين، ولم يقبل مني.
وما قيمة العبادة إذا عملناها ولم تقبل منا، أو وقعت باطلة كما قال هذا المفتي؟.
وماذا يفعل المسلم العادي إذا وجد العلماء يختلفون في الفتوى ؟.
أرجو أن تريحوا خواطري وخواطر أمثالي وهم ألوف بل ملايين وملايين... يدفعون زكاة فطرهم بالنقود، جزاكم الله خيرًا.
السؤال
16/10/2006
التاريخ
العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي
المفتي
الحل
بسم الله،والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: في رأيي أن المفتي الذي استمع إليه السائل والذي شنع على إخراجزكاة الفطر بقيمتها من النقود، لم يكن موفقًا في فتواه إذا صح ضبط المستمع لها،ونقلها عنه نقلاً صحيحًا مستوعبًا، وهو ما أعتقده، فقد سمعت عن هؤلاء المفتينوالخطباء الذين يشنون في كل عام غارة على إخراج القيمة في صدقة الفطر.
وخطأ هذا المفتي يتمثل في جملةأمور:.
1-أن المسائل الاجتهادية التياختلف فيها الأئمة وتعددت فيها الآراء، لا يجوز فيها التشنيع والإنكار على من اقتنعبرأي منها وأخذ به . فمن كان من أهل الاجتهاد والقدرة علىالترجيح بين الآراء، فلا يطالب شرعًا أن يعمل إلا بما انتهى إليه اجتهاده، فإن كانصوابًا فهو مأجور أجرين: أجرًا على اجتهاده، وأجرًا على إصابته الحق في المسألة،وإن كان اجتهاده خطأ فهو مأجور أيضًا، ولكنه أجر واحد، هو أجره على اجتهاده وتحريه .
وأقصى ما يقوله مجتهد عن نفسه ماجاء عن الإمام الشافعي رضي الله عنه: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتملالصواب . وكل مسألة ليس فيها نص قطعي الثبوت والدلالة فهيمن مسائل الاجتهاد بيقين ومسألتنا من هذا النوع بلا ريب . ومن كان يسوغ له التقليد - ومعظم الناس كذلك - جاز له أن يقلدأحد المذاهب المتبوعة، المتلقاة بالقبول لدى الأمة، وهذا هو المستطاع بالنسبة لمثلهفليس عنده أدوات الاجتهاد ولا شروطه، و (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) (البقرة: 286)، وقد قال تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) (التغابن: 16)، وقال رسوله -صلىالله عليه وسلم-: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ". (متفق عليه ).
2-إذا نظرنا للمسألة المبحوث فيها علىهذا الأساس المذكور، رأينا أن أبا حنيفة وأصحابه والحسن البصري، وسفيان الثوري،وخامس الراشدين عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أجازوا إخراج القيمة في الزكاة،ومنها زكاة الفطر،وهو قول الأشهب وابن القاسم عند المالكية. قال النووي: وهو الظاهر من مذهب البخاري في صحيحه . قال ابن رشيد: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرةمخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل . ولهم في ذلك أدلةاعتمدوا عليها، واعتبارات استندوا إليها، كما أن المانعين لإخراج القيمة لهم أيضًاأدلة واعتبارات مخالفة . وقد فصلنا القول في ذلك في موضعهمن كتابنا: "فقه الزكاة " فصل: إخراج القيمة من باب طريقة أداء الزكاة .
وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية مذهبًاوسطًا بين الفريقين المتنازعين، قال فيه: (الأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغيرحاجة، ولا مصلحة راجحة، ممنوع منه، ولهذا قدر النبي -صلى الله عليه وسلم- الجبرانبشاتين، أو عشرين درهمًا ولم يعدل إلى القيمة، ولأنه: متى جوز إخراج القيمة مطلقًا،فقد يعدل المالك إلى أنواع رديئة، وقد يقع في التقويم ضرر، ولأن الزكاة مبناها علىالمواساة، وهذا معتبر في قدر المال وجنسه. وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة، أوالعدل، فلا بأس به: مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم، فهنا إخراج عشر الدراهميجزئه، ولا يكلف أن يشتري ثمرًا أو حنطة، إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه. وقد نصأحمد على جواز ذلك .
ومثل أن يجبعليه شاة في خمس من الإبل، وليس عنده من يبيعه شاة، فإخراج القيمة هنا كاف، ولايكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة . ومثل أن يكونالمستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع. فيعطيهم إياها أو يرى الساعيأنها أنفع للفقراء، كما نُقِلَ عن معاذ بن جبل: أنه كان يقول لأهل اليمن: "ائتونيبخميس أو لبيس، أيسر عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار، وهذا قدقيل: إنه قاله في الزكاة وقيل في الجزية). (مجموع فتاوى ابن تيمية 25/82، 83 ط.السعودية ). وهذا، وإن قاله في زكاة المال، فهو ينطبق علىزكاة الفطر .
وجوهر الخلاف إنما هوبين مدرستين: المدرسة التي تراعي في اجتهادها المقاصد الكلية للشريعة، ولا تهملالنصوص الجزئية، والمدرسة التي لا تنظر إلا إلى النصوص الجزئية وحدها . وقد عمل بهذا القول في خير القرون، بعد قرن الصحابة، وهو قرنالتابعين لهم بإحسان، وعمل به خليفة أجمعوا على أنه من الراشدين المهديين .
روى ابن أبي شيبة عن عون قال: سمعتكتاب عمر بن عبد العزيز يقرأ إلى عدي بالبصرة - وعدي هو الوالي -: يؤخذ من أهلالديوان من أعطياتهم من كل إنسان نصف درهم (مصنف ابن أبي شيبة 4/37، 38 ). وعن الحسن قال: لا بأس أن تعطي الدراهم في صدقة الفطر. (مصنفابن أبي شيبة 4/37، 38 ). وعن أبي إسحاق قال: أدركتهم وهميؤدون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام. (المصدر السابق ). وعن عطاء: أنه كان يعطي في صدقة الفطر ورقًا - دراهم فضية -. (المصدر السابق ).
ومما يدل لهذاالقول :. أ-أنالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أغنوهم - يعني المساكين - في هذا اليوم"،والإغناء يتحقق بالقيمة، كما يتحقق بالطعام، وربما كانت القيمة أفضل، إذ كثرةالطعام عند الفقير تحوجه إلى بيعها، والقيمة تمكنه من شراء ما يلزمه من الأطعمةوالملابس وسائر الحاجات .
ب ـكمايدل على جواز القيمة ما ذكره ابن المنذر من قبل: أن الصحابة أجازوا إخراج نصف الصاعمن القمح؛ لأنهم رأوه معادلاً في القيمة للصاع من التمر أو الشعير، ولهذا قالمعاوية: "إني لأرى مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعًا من التمر ".
ج ـثم إن هذا الأيسر بالنظر لعصرناوخاصة في المناطق الصناعية التي لا يتعامل الناس فيها إلا بالنقود،كما أنه – فيأكثر البلدان وفي غالب الأحيان – هو الأنفع للفقراء .
3ـ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما فرض زكاة الفطر منالأطعمة السائدة في بيئته وعصره، إنما أراد بذلك التيسير على الناس، ورفع الحرجعنهم. فقد كانت النقود الفضية أو الذهبية عزيزة عند العرب، وأكثر الناس لا يكاديوجد عنده منها إلا القليل، أو لا يوجد عنده منها شيء. وكان الفقراء والمساكين فيحاجة إلى الطعام من البر أو التمر أو الزبيب، أو الأقط .
لهذا كان إخراج الطعام أيسر علىالمعطي، وأنفع للآخذ، ولقصد التيسير أجاز لأصحاب الإبل والغنم أن يخرجوا "الأقط" -وهو اللبن المجفف المنزوع زبده - فكل إنسان يخرج من الميسور لديه . ثم إن القدرة الشرائية للنقود تتغير من زمن لآخر، ومن بلدلآخر، ومن حال لآخر، فلو قدر الواجب في زكاة الفطر بالنقود لكان قابلاً للارتفاعوالانخفاض حسب قدرة النقود . على حين يمثل الصاع من الطعامإشباع حاجة بشرية محددة لا تختلف، فإذا جعل الصاع هو الأصل في التقدير فإن هذا أقربإلى العدل، وأبعد عن التقلب .
4ـأن المحققين من علمائنا قرروا أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال، وهذهقاعدة عظيمة حققناها في رسالتنا: "عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية"وأقمنا الأدلة على صحتها من القرآن والسنة، وهدي الصحابة رضي الله عنهم، فضلاً عماذكرناه من أقوال العلماء وتطبيقاتهم عليها .
ومن نظر بعين الإنصاف والتقدير للواقع المعاصر، يعلم أن إخراجالطعام لا يصلح إلا في المجتمعات البسيطة والمحدودة، التي يتيسر فيها الطعام لمنيريد إخراج الزكاة، ويحتاج فيها الفقير إلى الانتفاع بالطعام . أما المجتمعات الكبيرة والمعقدة، والتي تتمتع بكثافة سكانيةعالية، والتي يندر فيها وجود الأطعمة بحيث يعنت المخرج طلبها، ولا يحتاج الفقيرإليها؛ لأنه لم يعد يطحن ويعجن ويخبز، فلا يماري منصف في أن إخراج القيمة في هذهالحال هو الأولى .
وقد أحسن الإمامابن تيمية حين أجاز لمن باع ثمر بستانه بدراهم أن يخرج عشرة منها، ولا يكلف أنيشتري ثمرًا، إذ قد ساوى الفقراء بنفسه، كما أجاز لمن لم يجد في مدينته من يبيعهشاة عن إبله، أن يخرج قيمتها ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى لشرائها، وهذا هو الفقهحقًا
وكيف نكلف المسلم - في مدينةكالقاهرة فيها أكثر من عشرة ملايين من المسلمين - بإخراج الحبوب، التي لم يعد منالميسور إحضارها، ولا من النافع للفقير إعطاؤها؟ .
وفرق بين من يكون عنده الطعام ويضن به على الفقير، ومن ليسعنده إلا النقود كأهل المدن، فهو يسوي الفقراء بنفسه .
والزكاة إنما جعلت لإغناء الفقير عن الطواف في يوم العيد،والأغنياء يتمتعون بمالهم وعيالهم، ولينظر امرؤ لنفسه: هل يرى أنه يغني الفقير عنالطواف إذا أعطاه صاع تمر أو صاع شعير، في بلد مثل القاهرة في مثل هذه الأيام؟!وماذا يفعل بهما الفقير إلا أن يطوف ليجد من يشتريهما ببخس من القيمة، ليبتاع لنفسهأو لأولاده ما يتقوتون به؟! (انظر: هامش المحلى وتعليق العلامة أحمد شاكر 6/131، 132).
على أن فقهاء المذاهبالمتبوعة أجازوا إخراج الزكاة من غالب قوت البلد وإن لم يكن من الأطعمة المنصوصة،رعاية للمقصد . أما نقل الزكاة إلى بلد آخر، فهو جائز إذاكان ذلك لاعتبار صحيح، كأن يكون ذلك بعد استغناء البلد الذي فيه المزكي في زكاةالفطر، أو الذي فيه المال في زكاة المال، أو يكون البلد الآخر أشد حاجة لنزول مجاعةأو كارثة به.. أو اجتياح عدو له يحتاج إلى مقاومته.. أو يكون له قرابة محتاجون فيالبلد الآخر، وهو أعرف بحاجتهم، وأولى بهم .
ومثل هذه الاعتبارات تجعل نقل زكاة الفطر أو زكاة المال إلىالمسلمين المحتاجين في الأرض المحتلة من فلسطين، وخصوصًا الذين يقاومون العدو منهم.أو الإخوة المجاهدين والمهاجرين من الأفغانيين، أو الذين يقتلهم الجوع ويهددهمالتنصير في بنجلاديش، أو بورما أو الصومال أو إريتريا أو غيرها .
وأما ما ذكره الأخ من اختلاف أهلالفتوى في بعض المسائل، بحيث يبيح هذا، ويحرم ذاك، أو يوجب واحد، ولا يوجب آخر،فالمسلم يأخذ بقول من يطمئن إليه قلبه، ويترجح لديه أنه أفقه في الدين، وأعرفبمصادره، وأعلم بمقاصده، وأنه لا يتبع الهوى، ولا يبيع دينه بدنياه، ولا بدنياغيره . وهذا كما يفعل المريض إذا اختلف عليه الأطباء، فإنهيأخذ بقول من يطمئن إليه، لأنه أحذق أو أشهر أو نحو ذلك . والخطأ في هذه الفروع مغفور، وإنما لكل امرئ ما نوى . بقي الكلام عن حديث: "صوم رمضان معلق بين السماء والأرض، لايرفع إلا بزكاة الفطر" وهو حديث لم يثبت . والله أعلم
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..