: وقع في يدي كتيب أثار فيه مؤلفه شبهات حول الحجر الأسود، ورد الأحاديث التي وردت في استلامه وتقبيله زاعمًا أنها تنافي دعوة الإسلام للتوحيد، ونبذ الأوثان.
فما رأيكم في هذا الموضوع ؟
السؤال
20/11/2006
التاريخ
العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي
المفتي
الحل
بسم الله،والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الدراسة السطحية آفة من آفاتالمتعلمين عندنا، والتعجل في إصدار الحكم قبل الرسوخ في العلم، ودون الرجوع إلى أهلالذكر، ثمرة سيئة لهذه السطحية . وما أصدق ما قيل: إن الذين يتشككون في الدين إماجهلاء، أو متعلمون تضخمت في أذهانهم بعض المعلومات، ذلك أن إثارة الشبهات حول موضوعكاستلام الحجر الأسود، وردّ الأحاديث الواردة فيه ببساطة ضلال مبين، وغفلة عن طبيعةالعلم، وطبيعة الدين.
فطبيعة العلم: أن ترد جزئياته إلى قواعده، وعلم الحديث لهقواعده وأصوله التي وضعها علماؤه لمعرفة المقبول من المردود في الأحاديث، وطبقوهابكل أمانة ودقة ما استطاعوا، وبذلوا جهود الأبطال في سبيل تنقية السنن النبوية،وتبليغها إلينا . أما قيمة الأحاديث التي رووها في شأن الحجر الأسود فنورد عليكبعضها.
ـ روى البخاري عن ابنعمر - وسئل عن استلام الحجر الأسود - فقال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يستلمه ويقبله. ـ وعن نافع قال: رأيت ابن عمر استلم الحجربيده ثم قبل يده، وقال " ما تركته منذ رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله "متفق عليه.
وعن عمر: أنه كانيقبل الحجر الأسود ويقول: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسولالله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك " رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داودوالنسائي والترمذي وابن ماجة.
قال الطبراني: إنما قال عمر ذلك، لأن الناس كانوا حديثي عهدبعبادة الأصنام، فخشي أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم الأحجار كما كانتتفعل العرب في الجاهلية، فأراد أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله، لالأن الحجر يضر وينفع بذاته، كما كانت الجاهلية تعبد الأُوثان.
والأحاديث المذكورة أحاديث قوليةصحيحة ثابتة، لم يطعن فيها عالم من علماء السلف أو الخلف، على أن الأمر أكثر منذلك، فإن هذه سنة عملية تناقلتها الأجيال منذ عهد النبوة إلى الآن بلا نكير من أحد،فأصبحت من مسائل الإجماع، ولا تجتمع الأمة على ضلالة، وهذا وحده أقوى من كل حديثيروى، ومن كل قول يقال. هذا من ناحية العلم. وأما من ناحية الدين: فالمؤمنون يعرفون تمام المعرفة أنهيقوم أول ما يقوم على الإيمان بالغيب (في جانب الاعتقاد)، وعلى الخضوع والانقيادلأمر الله (في جانب العمل) وهذا هو معنى لفظ الدين، ولفظ العبادة.
والإسلام - باعتباره دينًا - لايخلو من جانب تعبدي محض، وإن كان أقل الأديان في ذلك . وفي الحج - خاصة - كثير منالأعمال التعبدية، ومنها تقبيل الحجر الأسود، والأمور التعبدية هي التي تعقل حكمتهاالكلية وإن لم يفهم معناها الجزئي، والحكمة العامة فيها هي حكمة التكليف نفسه، وهيابتلاء الله لعباده ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. الأمور التعبدية هي التي تكشف عن العبودية الصادقة لله منالعبودية الزائفة . العبد الصادق يقول عند أمر الله مقالة الرسول والمؤمنين: (سمعناوأطعنا)، والعبد المتمرد على ربه يقول ما قاله اليهود من قبل: " سمعنا وعصينا " .ولو كان كل ما يكلف به العبد مفهوم الحكمة للعقل جملة وتفصيلا، لكان الإنسان حينمايمتثل إنما يطيع عقله قبل أن يكون مطيعًا لربه.
وحسبالمسلم أنه - حين يطوف بالبيت، أو يستلم الحجر - يعتقد أن هذا البيت وما فيه أثر منآثار إبراهيم عليه السلام، ومن إبراهيم ؟ إنه محطم الأصنام، ورسول التوحيد وأبالملة الحنيفية السمحة (إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين). (النحل: 120) والله أعلم
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..