يحرص بعض المسلمين على أن يحجوا كل عام، ربما حرصوا - مع ذلك - أن يعتمروا أيضًا في كل رمضان، مع ما في الحج في هذه السنين من زحام شديد، يسقط معه بعض الناس صرعى، من كثافة التزاحم - وخاصة عند الطواف والسعي ورمي الجمار.
أليس أولى بهؤلاء أن يبذلوا ما ينفقونه في حج النافلة، وعمرة التطوع، في مساعدة الفقراء والمساكين، أو في إعانة المشروعات الخيرية، والمؤسسات الإسلامية، التي كثيرًا ما يتوقف نشاطها، لعجز مواردها، وضيق ذات يدها ؟
أم تعتبر النفقة في تكرار الحج والعمرة أفضل من الصدقة والإنفاق في سبيل الله ونصرة الإسلام ؟
أرجو توضيح ذلك في ضوء الأدلة الشرعية .. وشكرًا.
السؤال
30/10/2006
التاريخ
العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي
المفتي
الحل
بسم الله،والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فعلى المسلمين أن يحسنوا التجارة معالله، وأن يعرفوا فقه الأولويات في الإسلام عامة وفي العبادات خاصة، وليعلم الحجاجالذين يحجون حج نافلة أو يداومون على تكرار العمرة أنهم لو دفعوا تكلفة الحجوالعمرة في سبيل الله من الجهاد والصدقة وأبواب الخير لكان هذا أجدى لهم وأنفعللمسلمين.
ولو أن مئات الألوفالذين يتطوعون سنويا بالحج والعمرة رصدوا ما ينفقون في حجهم وعمرتهم لإقامة مشروعاتإسلامية، أو لإعانة الموجود منها، ونظم ذلك تنظيمًا حسنًا، لعاد ذلك على المسلمينعامة بالخير وصلاح الحال والمآل، وأمكن للعاملين المخلصين للدعوة إلى الإسلام أنيجدوا بعض العون للصمود في وجه التيارات التبشيرية والشيوعية والعلمانية وغيرها منالتيارات العميلة للغرب أو الشرق، التي تختلف فيما بينها، وتتفق على مقاومة الاتجاهالإسلامي الصحيح، وعرقلة تقدمه، وتمزيق الأمة الإسلامية بكل سبيل.
يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسفالقرضاوي: في فتوى له حول تكرار الحج والعمرة: ينبغي أن يعلم أن أداء الفرائض الدينية أول ما يطالب بهالمكلف، وبخاصة ما كان من أركان الدين، كما أن التطوع بالنوافل مما يحبه اللهتعالى، ويقرب إلى رضوانه. وفي الحديث القدسي الذي رواهالبخاري: " ما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليبالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به.. "الحديثولكن ينبغي أن نضع أمام أعيننا القواعد الشرعية التالية.. أولأً: أن الله تعالى لا يقبل النافلة حتى تؤدي الفريضة. وبناء عليه، نرى أن كل من يتطوع بالحج أو العمرةوهو - مع هذا - يبخل بإخراج الزكاة المفروضة عليه كلها أو بعضها، فحجه وعمرتهمردودان عليه. وأولى من إنفاق المال في الحج والعمرة أنيطهره أولاً بالزكاة. ومثل ذلك من كان مشغول الذمة بديونالعباد من التجار وغيرهم، ممن باع له سلعة بثمن مؤجل فلم يدفعه في أوانه، أو أقرضهقرضًا حسنًا، فلم يوفه دينه. فهذا لا يجوز له التنفلبالحج أو العمرة قبل قضاء ديونه.
ثانيًا: أن الله لا يقبل النافلة إذا كانت تؤدي إلى فعل محرم،لأن السلامة من إثم الحرام مقدمة على اكتساب مثوبة النافلة. فإذا كان يترتب على كثرة الحجاج المتطوعين إيذاء لكثير منالمسلمين، من شدة الزحام مما يسبب غلبة المشقة، وانتشار الأمراض، وسقوط بعض الناسهلكى، حتى تدوسهم أقدام الحجيج وهم لا يشعرون، أو يشعرون ولا يستطيعون أن يقدموا أويؤخروا - كان الواجب هو تقليل الزحام ما وجد إلى ذلك سبيل. وأولى الخطوات في ذلك أن يمتنع الذين حجوا عدة مرات عن الحجليفسحوا المجال لغيرهم، ممن لم يحج حجة الفريضة.
وقد ذكر الإمام الغزالي من الآداب التي يجب أن يراعيها الحاج:ألا يعاون أعداء الله سبحانه بتسليم المكس (وهو ضريبة تؤخذ ظلمًا) وهم الصادون عنالمسجد الحرام من أمراء مكة، والأعراب المترصدين في الطريق . فإن تسليم المالإليهم، إعانة على الظلم وتيسير لأسبابه عليهم، فهو كالإعانة بالنفس، فليتلطف فيحيلة للخلاص . فإن لم يقدر فقد قال بعض العلماء - ولا بأس بما قاله - إن ترك التنفلبالحج والرجوع عن الطريق أفضل من إعانة الظلمة.
ولا معنى لقول القائل: إن ذلك يؤخذ مني وأنا مضطر . فإنه لوقعد في البيت، أو رجع من الطريق لم يؤخذ منه شيء، فهو الذي ساق نفسه إلى حالةالاضطرار. (انظر: الإحياء ج 1 ص 236ط . الحلبي . وانظر أيضًا كتابنا: " العبادة فيالإسلام " ص 324 وما بعدها، ط ثانية أو ثالثة ).
وشاهدنا من هذا النقل: أن التنفل بالحج إذا كان من ورائهارتكاب محرم، أو مجرد معاونة عليه، ولو غير مباشرة، غير محمود ولا مشروع، وتركهأولى بالمسلم الذي يسعى لإرضاء ربه . وهذا هو الفقه النير.
ثالثًا: أن درء المفاسد مقدم على جلبالمصالح، وخصوصًا إذا كانت المفاسد عامة، والمصالح خاصة:
فإذا كانت مصلحة بعض الأفراد أن يتـنـفل بالحج مرات ومرات.وكان من وراء ذلك مفسدة عامة للألوف ومئات الألوف من الحجيج مما يلحقهم من الأذىوالضرر في أنفسهم وأبدانهم حتى هؤلاء المتنفلون أيضًا يتأذون من ذلك - كان الواجبمنع هذه المفسدة بمنع ما يؤدي إليها وهو كثرة الزحام.
رابعًا: إن أبواب التطوع بالخيرات واسعة وكثيرة، ولم يضيقالله على عباده فيها، والمؤمن البصير هو الذي يتخير منها ما يراه أليق بحاله، وأوفقبزمانه وبيئته.: فإذا كان في التطوع بالحجأذى أو ضرر يلحق بعض المسلمين - فقد فسح الله للمسلم مجالات أخر، يتقرب بها إلى ربهدون أن تؤذي أحدًا.
فهناك الصدقة علىذوي الحاجة والمسكنة، ولا سيما على الأقارب وذوي الأرحام فقد جاء فيالحديث: " الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة " (رواه أحمدوالترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم عن سلمان بن عامر الصيفي بإسناد صحيح) وقدتكون نفقتهم عليه واجبة، إذا كان من أهل اليسار وهم من أهل الإعسار.
وكذلك على الفقراء من الجيران </<B>، لما لهم من حق الجوار بعد حق الإسلام، وقد ترتفع المساعدة المطلوبة لهمإلى درجة الوجوب، الذي يأثم من يفرط فيه. ولهذا جاء فيالحديث: " ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع ". (رواه الطبراني وأبو يعليعن ابن عباس ورواه الحاكم عن عائشة والطبراني والبزار عن أنس مع اختلاف في اللفظ) وهناك الإنفاق على الجمعيات الدينية،والمراكزالإسلامية، والمدارس القرآنية، والمؤسسات الاجتماعية والثقافية التي تقوم على أساسالإسلام، ولكنها تتعثر وتتخبط، لعدم وجود من يمولها ويعينها . على حين تجد المؤسساتالتبشيرية مئات الملايين من الدولارات أو الجنيهات أو غيرها من العملات، ترصد لها،ولإنجاحها في سبيل التشويش على الإسلام، وتمزيق وحدة المسلمين، ومحاولة إخراجالمسلم عن إسلامه، إن لم يكن إدخاله في النصرانية . المهم زعزعة إسلامه وإن بقيبغير دين.
وإخفاق كثير منالمشروعات الإسلامية ليس لقلة مال المسلمين، فمن الأقطار الإسلامية اليوم ما يعدأغنى بلاد العالم، ولا لقلة أهل الخير والبذل فيهم، فلا زال في المسلمين الخيرونالطيبون، ولكن كثيرًا من البذل والإنفاق يوضع في غير موضعه.
ولو أن مئات الألوف الذين يتطوعونسنويا بالحج والعمرة رصدوا ما ينفقون في حجهم وعمرتهم لإقامة مشروعات إسلامية، أولإعانة الموجود منها، ونظم ذلك تنظيمًا حسنًا، لعاد ذلك على المسلمين عامة بالخيروصلاح الحال والمآل، وأمكن للعاملين المخلصين للدعوة إلى الإسلام أن يجدوا بعضالعون للصمود في وجه التيارات التبشيرية والشيوعية والعلمانية وغيرها من التياراتالعميلة للغرب أو الشرق، التي تختلف فيما بينها، وتتفق على مقاومة الاتجاه الإسلاميالصحيح، وعرقلة تقدمه، وتمزيق الأمة الإسلامية بكل سبيل. هذا ما أنصح به الإخوة المتدينينالمخلصين الحريصين على تكرار شعيرتي الحج والعمرة أن يكتفوا بما سبق لهم من ذلك،وإن كان ولابد من التكرار، فليكن كل خمس سنوات، وبذلك يستفيدون فائدتين كبيرتين لهمأجرهما: الأولى:توجيه الأموالالموفرة من ذلك لأعمال الخير والدعوة إلى الإسلام، ومعاونة المسلمين في كل مكان منعالمنا الإسلامي، أو خارجه حيث الأقليات المسحوقة.
الثانية:توسيع مكان لغيرهم من المسلمينالوافدين من أقطار الأرض، ممن لم يحج حجة الإسلام المفروضة عليه . فهذا أولىبالتوسعة والتيسير منهم بلا ريب . وترك التطوع بالحج بنية التوسعة لهؤلاء، وتخفيفالزحام عن الحجاج بصفة عامة، لا يشك عالم بالدين أنه قربة إلى الله تعالى، لهامثوبتها وأجرها " وإنما لكل امرئ ما نوى ".
ومما يذكر هنا: أن جنس أعمال الجهاد أفضل من جنس أعمال الحج،وهذا ثابت بنص القرآن، يقول تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَالْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَبِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِوَجَاهَدَ فِي سَبِيلِاللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَالظَّالِمِينَ {19 الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْوَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِبِأَمْوَالِهِمْوَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (سورة التوبة: 19، 20( والله أعلم
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..