| بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
إذا لم يكن هناك إلزام قانوني لا يستطيع الناس له دفعًا، أو ضرورة عملية تقتضي مثل هذا التابوت، كأن تكون التربة طينية لزجة لا يثبت عليها جثمان الميت أو نحو ذلك من الضرورات العملية، فإن إنفاق الأموال في مثل هذا السبيل يكون غير مشروع.
وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للإفتاء بمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، وإليك نص فتواها في ذلك :
تجهيز الميت في التابوت على النحو الذي يجري عليه العمل لدىغير المسلمين ينطوي على جملة من المفاسدمنها:
1ـ أنه تشبه بغير المسلمين وقد نهينا عن ذلك، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من تشبه بقوم فهو منهم"(),وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، ثم يكون الحكم في هذا المتشبه بحسب القدر الذي شابههم فيه، فإن كان كفرًا أو معصيةًأو شعارًا لها كان حكمه كذلك..
ومن يستقرئ نصوص الشريعة المطهرة يدرك أن المخالفة للكافرين أمر مقصود للشارع، فقد أمرنا بتغيير الشيب مخالفة لليهود، وأمرنا بإعفاء اللحىوإحفاء الشوارب مخالفة للمشركين والمجوس، ونهينا عن حلق القفا مخالفة للمجوس، ونهينا عن ترك الصلاة في النعال مخالفة لليهود، وأمرنا بالسحور وتعجيل الفطر مخالفة لأهل الكتاب، وأمرنا بمؤاكلة الحائض والاجتماع بها في البيوت مخالفة لليهود، وندبنا إلى اللحد في القبر، فهو الذي تكلفه الصحابة لشهداء أحد مع ما كانوا فيه من الجهد والمشقة، فقد روىالبخاري أن النبي كان يجمع بين رجلين من قتلىأحد ثم يقول:أيهما أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وعللت الفضيلة في اللحد بقوله صلى الله عليه وسلم:"اللحد لنا والشق لغيرنا "(), وفي رواية لأحمد "والشق لأهل الكتاب "(),ونهينا عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها حسمًا لمادة مشابهة الكفار... إلى غير ذلك من الأحكام التي تقرر هذا الأصل وتبين أنه مقصود للشارع.
2ـ ومنها مخالفة المعهود من هديه صلى الله عليه وسلم في تجهيز الميت ودفنه،إذ لم يؤثر عنه ولا عن أحد من أئمة المسلمين شيءمن ذلك، ولا جرىعليه عمل أحد من المسلمين ـ فيما نعلم ـ على مدار القرون، فقد كان هديه صلى الله عليه وسلم في الميت بعد غسله وتكفينه أن يلحد له ويفضي به إلى الأرض، فقد روىمسلم في صحيحه أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال في مرضه الذي مات فيه:"ألحدوا لي لحدًا وانصبوا على اللبن نصبًا، كما صنع برسول اللهصلى الله عليه وسلم "()، واستحب أهل العلم أن يجعل الميت في قبره على جنبه الأيمن ووجهه تجاه القبلة، وأن يوضع شيءخلفه من لبن أو تراب يسنده، وأن يوسد رأسه بلبنة أو حجر أو تراب، وينحي الكفن عن خده، ويفضي بخده إلى التراب، قال عمر رضي الله عنه: إذا أنزلتموني إلى اللحد فأفضوا بخدي إلى التراب، وأوصىالضحاك أن تحل عنه العقد ويبرز خده من الكفن.
3ـ ومنها إضاعة الأموال وإهدارها فيما لا طائل تحته، فإن الورثة الأحياء أولىبهذه الأموال المضاعة من الميت، أو من هذه المؤسسات التجارية التي تستثمر مصائب البشر وتتخذ منها سبيلاً إلى الإثراء الفاحش والاستغلال البغيض.
فما لم يكن ثمة إلزام قانوني لا يستطيع الناس له دفعًا، أو ضرورة عملية تقتضي مثل هذا التابوت، كأن تكون التربة طينية لزجة لا يثبت عليها جثمان الميت أو نحو ذلك من الضرورات العملية فإن إنفاق الأموال في مثل هذا السبيل لا يشرع لما سبق بيانه من الأسباب.
والله وأعلم.
نقلا عن كتاب فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء بمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية، الجزء الأول.
|