| بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه
اتفق الفقهاء على أن أفضل صفوف الرجال - سواء كانوا يصلون وحدهم أو مع غيرهم من الصبيان والنساء - هو الصف الأول ، ثم الذي يليه، ثم الأقرب فالأقرب ، وكذا أفضل صفوف النساء إذا لم يكن معهن رجال .
أما النساء مع الرجال فأفضل صفوفهن آخرها؛ لأن ذلك أليق وأستر ، روى مسلم بسنده عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها".
وروى البخاري بسنده عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا).
والحكمة في ذلك متعددة منها: المسارعة إلى خلاص الذمة، والسبق لدخول المسجد؛ والفرار من مشابهة المنافقين، والقرب من الإمام؛ واستماع قراءته والتعلم منه والفتح عليه والتبليغ عنه ومشاهدة أحواله، والسلامة من اختراق المارة بين يديه؛ وسلامة البال من رؤية من يكون أمامه وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلين؛ والتعرض لصلاة الله وملائكته، ودعاء نبيه صلى الله عليه وسلم وغير ذلك. أ.هـ باختصار وتصرف من الموسوعة الفقهية الكويتية.
وما ذكر من فضل وحكمة لا يتحقق في هذا التصرف، وهو حجز أماكن للقادرين ماديا بحيث يتعرضوا لهذا الفضل، ويحرم غيرهم من الأجر، فهذا ينمي خلق التواكل، ويبعث على ضعف الهمم، ويحرم الفقير من تمام الأجر.
إن بعض الناس يريدون أن ينقلوا الأعراف الخاطئة، والعادات السيئة من أحكام الدنيا التي أفسدها الناس بالظلم والمحاباة، والصعود على أكتاف الآخرين، يريدون أن ينقلوا ذلك كله إلى أحكام الله تعالى العادلة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
لقد تعودنا أن نرى القادرين لهم كل شيء بأموالهم تقضى لهم الحاجات، وتقبل منهم الشفاعات، ويأخذون حقوقهم وحقوق الآخرين عن طريق الرشاوى والعطاءات.
أما عند الله فالامتيازات والاستثناءات تكون للضعيف والفقير، فالمريض والشيخ الكبير ومن في حكمهم لا يجب عليهم الصيام، والفقير لا يجب عليه الحج ولا الزكاة، والمسافر والخائف يقصر الصلاة، بخلاف الأقوياء والأغنياء فعليهم التكاليف كاملة.
وحق المسلم الذي أتي مبكرا يجلس في الصف الأول أو المكان المتميز ، وقد يكون مقبولا أن يتنازل طائعا مختارا عن هذا الحق لشيخ كبير، أو عالم صاحب فضل، أما أن تتحول إلى تجارة ومزايدة لمن يستطيع أن يدفع أكثر فهذا لا يجوز، ولا يصح بحال.
وعلينا ألا ننسى أن الذي سيعطي هذا الأجر هو الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى، فعجبا ممن يأتي متأخرا ويتخطى الرقاب ويؤذي الناس ويدفع المال بغير حق ليصل إلى ما ليس حقا له، وهو بذلك يطلب الأجر والثواب من الله.
إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وما عند الله لا يطلب بمعصيته، وبالتالي نؤكد أن هذا العمل غير جائز لمن يدفع المال ولا لمن يأخذه .
وعلى ولي الأمر أو من ينوب عنه أن يتصدى لهذا العمل الذي ينطوي على الجهل والطمع، وإلباس الباطل ثوب الحق .
والله أعلم.
|