بداية أود أن أؤكد لك أني أقدّر حالتك النفسية التي جعلتك تكتبين إلينا مشكلتك وتسألين عن وجود حل، خصوصا أنها ناجمة عما أطلقت عليه (الصدمات الثلاث)؛ وهي اكتشافك لاستخدامه مادة الحشيش المخدرة، ثم سهولة تأليفه للقصص الكاذبة، وأخيرا وجود أفلام جنسية إباحية على حاسوبه؛ مما أدى إلى انهيار حياتك الزوجية نتيجة تناقص الحب في قلبك تجاهه -حسب وصفك- إضافة إلى وجود طفلة تخشين عليها من التأثر بالبيئة غير الصالحة.
ليس من عادتي أن ألقي باللوم على صاحب المشكلة، بل على العكس، كثيرا ما أنصح السائل بألا يزيد من جلد الذات والندم على الاختيار، لكن بما أن ذلك ليس واضحا في رسالتك، فإني أحبذ أن أذكرك بأنك أنت من اخترت هذا الشاب، ومن الواضح أن اختيارك كان مبنيا على الاهتمام الدنيوي أكثر من الاهتمام الديني، وإذا كنت قد أشرتِ إلى ذلك على عجل، فإنه يدل على أنك طرف أساسي في نشوئها، وأنا لا أقصد أن أزيد شعورك بالأسى، لكن كي أنبه إلى أمرين:
أولهما: أمر عام لك ولجميع المطلعين على المشكلة أن الاختيار يجب أن يبنى على أساس واضح، فإذا كان تديّن الزوج مهما بالنسبة لك فلماذا لم تبحثي عن شاب أكثر تدينا والتزاما حتى لو كان أقل من الناحية الدنيوية كأن يكون أقل وسامة.. أقل مرتّبا.. أقل مركزا؟
ثانيهما: اعترافك بأنك طرف أساسي في المشكلة يعني التزامك بحلها بدل التفكير بالهروب منها، وقد تقولين الآن وأنت تقرئين هذه السطور: "أنا لم ألجأ إليكم إلا لأني أريد الحل"، ولكن يا عزيزتي ليس هذا ما أقصده، بل أريد أن تضعي نفسك وجها لوجه مع مسئوليتك عن هذا الاختيار، إلا إذا كنت تريدين الطلاق، وهذا ما لا يبدو في رسالتك، وحتى تفكيرك بإدخال أحد من أهل زوجك غير وارد، ويبدو أن إدخال أحد من أهلك غير وارد أيضا، وهذا ما سأذكره في حينه.
أركز على موضوع مسئوليتك عن اختيارك، كي تنظري إلى زوجك من زاوية أخرى غير زاوية (المثالية) التي تنظرين منها حاليا، أن تنظري إليه ليس على أنه الزوج المثالي الذي طالما حلمت به، بل على أنه الزوج الذي لن تتخلي عنه ما لم يختر هو التخلي عنك، أو ما لم يأت بالخيانة على وجه الزنا الفعلي، وليس بمجرد النظر إلى الصور أو الأفلام الإباحية، أو ما لم يرتكب ما يخرجه عن الدين!
ما عدا تركه للصلاة، وهو ما يزعجك لكنه لم يصدمك، فإن كل ما ذكرته عنه لا يدخل ضمن الصدمات إلا من وجهة نظر مثالية، وها أنت قد عبرت عن رأيك بزوجك: هل هو هذا الملاك الذي رسمته في خيالي؟!
اسمحي لي يا عزيزتي أن أسألك: من أخبرك أن البشر أصلهم ملائكة؟! أعتقد أنك تعلمين أن الله سبحانه خلق آدم مختلفا عنهم، ولذلك استنكرت الملائكة فسألت: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}.
إن الإنسان مجبول على فطرة الخير كما هو مجبول على فطرة الشر، فهو مدنس لأنه من تراب يداس، وهو مقدس بنفخة الروح، لذا فإنه المخلوق الأعجب، فإذا سيطر عليه التراب انحط إلى مستوى الحيوانات {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}، وإذا سما بالروح الخيرة وصل إلى رتبة الملائكة بل تجاوزها أحيانا، وكلنا بشر، وكلنا نتقلب بين الطين والروح حتى ينقضي أجلنا، فليس منا أحد معصوم، ولا أحد منا يعلم بما يختم له، ولو تذكرنا هذا دائما لخففّنا من شحنة المثالية التي نطالب بها الناس؛ لأننا لا نأمن على أنفسنا من الزلات في أي لحظة.
لا أريد أن أفلسف حالتك أكثر، لكنني أريد أن تقللي من المثالية في داخلك؛ كي تنظري إلى زوجك على أنه بشر يصيب ويخطئ، ولتستطيعي تقبل ما هو عليه حتى يعود إلى حالته الأولى، وهي الالتزام كما أخبرك أنه كان ملتزما جدا ويتمنى أن يعود إلى ربه، فأرجو أن تكفي عن شعورك بالصدمات، وأن تعامليه كطفل لك بزيادة جرعة الحنان رغم كل ما صدر عنه، خصوصا مع قسوة والده وغياب والدته من حياته، وهو ببساطة لم يخطئ في حقك أنت، بل أخطأ في حق نفسه وربه، ولن تدخلي معه في القبر، ولن تغني عنه شيئا {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ}.
لماذا أقول لك هذا يا صديقتي مع أني أقدر ما أنت فيه من ألم؟ لأنك نسيت شيئا مهما عن زوجك؛ فالتزامه السابق يعني أنه يعلم أين هو الحق، وهو يدرك أن حالته هذه ليست هي ما يريد أن يكون عليه، لكن الهوى يغلب عليه، إضافة إلى تأثره برفقة السوء التي تفعل مثل ما يفعل وأكثر، لذلك ليس أمامك سوى طريقتين:
الأولى أن تذكريه بالله سبحانه وآلائه ونعمه، وفي سورة لقمان {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للهِ}، فالشكر لله هو الحكمة بعينها، ولكن الله قال: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}؛ لذلك استخدمي كل ما لديك من حِلم وأناة ورفق في تذكيره بضرورة شكر الله على النعم، مع الدعاء المستمر له سرا بالهداية والعودة إلى الله، وجهرا بالتوفيق والرضا والسعادة، ولا تنظري له بأنه مزدوج الشخصية بين حسن الأخلاق وسوء الدين، بل ركزي على محاسن أخلاقه وحسن معاملته لك ولغيرك، وتأكدي أنه إذا كان قد أوجد بينه وبين ربه ولو مجرد نقطة من صلة كعمل خير، أو إحسان إلى أحد، أو نصرة مظلوم، أو حتى اهتمام بك وبالطفلة فإن الله سبحانه قادر على أن يقلب نقطة الصلة إلى بحر، والنوايا أمرها موكول إلى الله، ورب درهم سبق مائة ألف درهم مع صدق النية وسلامة الطوية.
الثانية: أن تحاولي إيجاد صحبة صالحة له كأحد إخوتك، أو زوج إحدى أخواتك، أو زوج صديقة لك، على أن يكونوا من الملتزمين والمتفهمين للضعف البشري، وربما يستطيع هذا الشخص أن يجر رجله من مستنقع "شلة الأنس" إلى مستوى من الفضيلة الذاتية؛ لأن زوجك يبدو أنه يخضع للرقابة الاجتماعية أكثر من خضوعه للرقابة الذاتية النابعة منه نفسه؛ ولذلك فهو لا يجاهر بمعاصيه، وهذا دليل على وجود الصلاح فيه، فلا تيأسي فليس المجاهر كالمستتر.
وما هو مطلوب منك أنت ألا تساهمي بكشف الستر عنه إلا إذا اضطررت، وليكن أسلوبك التورية وليس الشرح الزائد، بمعنى أنك إذا فكرت أن تستعيني بأحد فليس ذلك عيبا، لكن لا تهوّلي الموضوع؛ فالحشيش للأسف ينتشر بين شبابنا كانتشار النار في الهشيم، وكثير منهم يستخدمونه للعيش في جو من الوهم للخلاص من الواقع، وقد تقولين إن واقع زوجك جيد، ولا حاجة له بذلك، لكني أقول لك إنه ربما يشعر بأن واقعه أليم جدا بسبب بعده عن الطاعة، وهو ضعيف الإرادة في هذه الناحية، لذلك يدخل في حلقة مفرغة من الهروب للحشيش، ثم إلى التكاسل عن الصلاة، ثم إلى الصور الإباحية، وهكذا يبقى مرتهنا لهوى النفس والشيطان.
لخصت لك مشكلتك، وألخص لك حلها: لا تكوني عونا للشيطان على زوجك، بل احرصي على أن تحبيه كما كنت وأكثر، ما دام خيره يغلب على شره، وإذا كان الكذب آفة الآفات فهو لم يلجأ له إلا لتبقى صورته جيدة في نظرك، فاحرصي على التشاغل عن سقطاته، ولا تتبعي عوراته، وانشغلي بعيوب نفسك عن عيوبه، وأصلحي حالك مع الله، وتعجبني عبارة لأحد الصالحين إذ يقول: «إني أرى أثر معصيتي لله في دابتي وبيتي»، وقد تظنين نفسك طائعة غير عاصية، ولكن لو تذكرت المعاصي لوجدت أنه من المنهي عنه التجسس وتحقير المسلم بمعصيته، لذلك يجب أن تزيدي من الذكر، والاستغفار، والصلاة، وكذلك الاقتداء برسول الله عليه الصلاة والسلام الذي كان يتغافل عما لا يشتهي، وهذه حكمة كبيرة لو عرفنا متى وكيف نستخدمها، وهي ليست ضد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هي الوسيلة الأصح عندما يؤدي النهي عن المنكر إلى منكر أكبر، ولا منكر أكبر من توسيع الهوة بينك وبين زوجك بدل أن تقومي بكل جهد لتجسيرها.
لكن انتبهي.. إن كل كلامي لا يعني أن توافقيه على ما يفعل، ولذلك قلت لك إن التغافل هو الأهم مع الدعاء له بظهر الغيب، والبحث عمن يساعدك في انتشاله مما هو فيه.
أما خوفك على طفلتك، فأرجو أن تعلمي أن كونك أنثى مثلها فأنت قدوتها الأولى، وسوف يكون والدها قدوتها الثانية بعدك، فإذا استطعت أن تفعلي ما نصحتك به سابقا فربما أمكنك أن تذكريه بمسئوليتكما المشتركة عن هذه الأمانة، وأن من حفظ أمانات الله في جسده كالبصر والسمع والعقل حفظ الله له ذريته، وقد ينفعك التركيز على بعض الحوارات معه حول الضروريات التي يجب المحافظة عليها، ومنها العقل والنسل، وإذا كان زوجك متهاونا في حفاظه على الدين فلا أقل من الحفاظ على العقل بنبذ أي مخدر أو مشروب مسكر، ولا أقل من الحفاظ على هذه الصغيرة، الأمانة التي تنتمي إلى كل منكما.
وبما أن المرأة تعلو لديها غريزة الأمومة على عكس الرجل الذي غالبا ما يحتاج للمرأة كي تعرفه على مهمته في الأبوة، وكي يعي مسئوليته عنها يجب أن يشعر بحبها له، وتذكري أن بعض الرجال يجدون في بناتهم أمهاتهم المفقودات، وفاطمة رضي الله عنها كانت تسمى "أم أبيها".
واستخدمي ذكاءك في التقريب بينه وبين فلذة كبده، ويمكنك أن تطلبي منه أن يخصص لكما يوما ولأصدقائه يوما، وإلا فليكن خروجكما مشتركا في نهاية الأسبوع؛ كي تشعر الطفلة بانتمائها إليه، وليس فقط بانتمائها إليك.
يلزمك شيء من العقل في علاقتك مع زوجك، وكثير من الحب له والرحمة به، وإياك أن توصليه إلى حد الإصرار على المعصية بإصرارك على توبته، وتذكري الآية الكريمة: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}، ولست أنت ولا أنا بأكرم من الأنبياء؛ فنوح عليه السلام مات ابنه أمام عينيه كافرا، وإبراهيم هجر والده المشرك، ولوط كانت زوجته تعين قومه الشاذين عليه، ومحمد -عليه وعلى الأنبياء أفضل الصلاة وأحسن التسليم- لم يستطع أن يقنع عمه بالإسلام، فما كان منه إلا الرفق به ردا لفضله عليه، وتذكري قول الله تعالى في معرض الصلح بين الزوجين:{وَلاَ تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}؛ فزيدي من أفضالك وإحسانك مع زوجك، فلطالما استعبد الإحسان إنسانا، والله يوفقك.
اطلعي على هذه الاستشارات:
- الحياة ممكنة بين عم مقامر وزوج سكير
- قصة نجاح بين زوج سكير وعم مقامر
- زوجي تحول من سكير إلى أبي عبد الله!... قصة نجاح
|