سيدتي، طبعا ظهور والدها المفاجئ لها في المدرسة جعل من هذا المكان –المدرسة والفصل أو القسم- مكانا غير آمن لها ومثارا للحزن والألم.. ورغم تأكيدكم لها أنه تم التفاهم مع إدارة المدرسة أنه لن يظهر هناك ولن يراها ولن يقابلها، لكن هذا التأكيد وهذا الحديث لا يشكل بالنسبة لطفلة عمرها خمس سنوات أي معنى.
والحل المطروح حاليا هو أن تتبادلوا الذهاب معها إلى المدرسة لفترة قد تصل إلى الأسبوع.. وذلك لمنحها الشعور أنه إذا حاول أبوها أن يظهر فستمنعوه.. الخال أو الخالة أو الجدة أو الأم.. أي إنكم ستتولون حمايتها ولن تجعلوها تتعرض لأي موقف يضايقها.
بالطبع من الممكن ألا توافق بسرعة، وأن تبدي شيئا من الرفض.. ولكن لن يصعب عليكم في هذه الحالة استغلال ثقتها فيكم التي ولابد أن تكونوا قد بنيتموها معها على مدار الأيام والسنين التي عاشتها معكم في إقناعها أنه لا يمكن أن تتعرض لأي أذى، و"الخالة" معها مثلا.. أو إذا ظهر هذا الرجل فستتولى الجدة التعامل معه وطرده من المكان، ولن تدعه يراها أو يكلمها.. وهكذا، وأنا متأكدة أنها ستلين وستذهب للمدرسة معكم.
ولقد قدمت اقتراحا بتبادل الذهاب معها لعلمي أن الكل يعمل غالبا، وسيصعب على أحدكم أن ينقطع أسبوعا من أجل الصغيرة، أما إذا كان هذا ممكنا أن يكون الخال مثلا هو من يذهب بها إلى المدرسة لمدة أسبوع ويظل حولها، مؤكدا وجوده أثناء النهار لحمايتها، ثم يعود بها إلى البيت فهذا أفضل.
المهم أنه بعد مرور الأسبوع وطبعا عدم ظهور الأب إطلاقا سيسهل عليكم إقناعها أنه لن يأتي مرة أخرى؛ لأنكم توليتم أمره.
ولكن لماذا هذه القطيعة مع الأب؟ حتى لو كانت الأم منفصلة فللأب حق على ابنته ولها حق عليه، وليس من المنطقي أو من الصحي نفسيا للفتاة أن تنشأ بلا أب.. ليس من الضروري أن يزورها في المدرسة فيفزعها.. ولكنه يجب أن يراها وتراه من آن لآخر ويتعامل معها.. ويشتري لها ما تحب أو يتحدث إليها.. فلقد خلقنا الله من رجل وامرأة، من أب وأم.. ولو كان من الطبيعي للإنسان أن يعيش بفرد واحد منهما لما احتجنا للطرفين.
حتى لو كان الأب قد قسا على الأم.. فعلاقته بابنته علاقة مستقلة.. وهي علاقة تربى من هذه المرحلة الصغيرة، فتنشأ طبيعية إلى حد ما أو درجة ما.. فهي لن تصل للطبيعية المطلقة نظرا للظروف.
وتقولين: إنه لم يكن يأتي لرؤيتها إلا في العيد.. ربما ذلك لمشاكل بينه وبينكم لا تسمح له بحرية التعامل معها.. ربما لبقائكم حوله وحولها.. ربما لأنكم تغذون عقلها الصغير بكراهيته أو بعدم قبوله.. والرجل ما إن وجد مكانا آخر يستطيع أن يراها فيه وحدها بدون تأثير منكم إلا وبادر لرؤيتها وحاول إقامة علاقة معها.
وأنا أنصحكم بعد أن تحلوا مشكلة المدرسة أن تحاولوا إعادة علاقتها بالأب إلى شكل أقرب للطبيعي والعادي بين أي بنت وأبيها.. فعلاوة على أن هذا حقه فهو حقها، وغدا ستحاسب على عدم حبه وعدم بره. وستكونون أنتم من تسبب في كراهيتها له، وقرآننا الكريم يقول: "ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ"[المائدة:8].
ومن العدل ألا نحرم أبا من أبنائه.. على الأقل ألا يخافوا منه.. ويعاملوه بأدب، هذا هو كل المطلوب.. ولو تطورت المسألة إلى حب وحنان فخير وبركة ولكن ذلك دوره هو معهم.. فقوموا بدوركم وذروا الأمور تأخذ مجراها الطبيعي.
|