ستبدئين من داخلك لا محالة، ولكن تلك المرة ستكون بوعي وبحرفية، فالإنسان يلعب مع نفسه معظم الوقت ألعابا نفسية شاء أم أبى؛ فهو يحاور نفسه ويقومها ويعاتبها ويحذرها، أو يحنو عليها ويتعاطف معها ويهذبها برفق، فتظهر تلك الألعاب في صورة تفكير وتصرفات تتشابك مع من حوله فتكوّن مذاقه الخاص لديهم، وتكوّن طبيعة علاقاته معهم.
والنبيه الحاذق من يعرف كيف يتمكن من نفسه ويطوّعها ليصل لما يريد، ويشكل علاقاته وطبيعتها كما يتمنى، وليس معنى حديثي أن يكون ممثلا؛ يلعب دور "الأراجوز" فلا يكون نفسه، ولكن هناك فرق عظيم بين "التمثيل على" وبين "التفاوض مع" النفس، فكلما عرف الإنسان كيف تسير العلاقة بين التفكير والتصرفات الخارجية ونتائجها، كلما تمكن من ترويض ما يشوب هذا الطريق من عقبات فتتحسن حياته؛ لأن علاقته بنفسه قد تكون تحسنت.
فتصرفات الإنسان تنتج عن "دائرة" تبدأ بالتفكير، فتتحول إلى مشاعر، فتترجم المشاعر لتصرفات فتتحقق النتائج، فهكذا يحيا الإنسان ويتغير ويبدع ويبتكر بل ويخترع؛ لذلك ستجدين أن الله عز وجل كثيرا ما خاطب عقولنا، وكثيرا ما طلب منا إعمال العقل، وكثيرا ما ترك لاجتهادنا البشري من تفكير وعلم ليفسر ما صعب علينا فهمه رغم أنها تظل في حقيقتها نعم منه سبحانه.
فالمخ البشري يتعامل مع الصورة الذهنية التي نرسلها له من طريقة تفكيرنا على أنها نتائج يجب الوصول إليها، فحين نفكر تفكيرا مريضا أو سلبيا نشعر بمشاعر سلبية تتحول لتصرفات، فتكون النتائج وفقا للكتالوج الذي تم تقديمه من قبل، وهذا ما تفعلينه بالضبط؛ حين تغرقين في أفكارك السلبية دون وعي منك بأنك تعززين صورتك الذهنية عن نفسك لمخك ليصل إليها كما أرسلتها له تماما؛ فتفكرين أنك غير اجتماعية، وأنك تفشلين في تحقيق صداقات حميمة، ويغلبك خجلك الفظيع وأنك هشة ضعيفة الثقة بنفسك، فتتكون تلك الصورة الذهنية لدى مخك، فتتحول لمشاعر توتر وخجل وشعور بالدونية، فتتحول لتصرفات مثل: الخوف من الحديث حتى لا يُستهزأ بك فتصمتين، أو تخرج منك الابتسامة باهتة خائفة، أو ارتباك في الحركة والعلاقة، فتتراكم تلك التصرفات فتكون النتيجة مطابقة للصورة الذهنية الأولى!.
إذن أهم حلقة أو نقطة في تلك الدائرة هي طريقة تفكيرك؛ فهي المهارة المطلوبة منك فورا وأولا؛ فتتعلمين كيف تقاومين طريقة تفكيرك السلبي عن نفسك وتتحاورين مع نفسك بشكل أكثر تفاؤلا وإيجابية حتى "تدمني" تلك الطريقة، فتتغير مشاعرك، وبالتالي تصرفاتك فتتحقق النتائج التي كنت تسعين لها منذ البداية، ولكي يحدث ذلك سأقترح عليك عدة نقاط:
* قومي بعمل جدول شخصي لك تحددين فيه مهارة أو مهارتين تساعدك على تغير طريقة تعاملك ورسائلك لنفسك واجعلي لنفسك نظاما للمكافأة يعينك على إحراز المزيد من النجاح والاستمرار والحماس؛ كأن تحددي مهارة توقف الرسائل السلبية، ومهارة تزيد من الرسائل الإيجابية فمثلا: فتقومين بمهارة "إيقاف" الفكرة السلبية؛ بأن تتعلمي مراقبة نفسك وكلما قلت لها أي فكرة سلبية مثل "أنت خجولة ولا تثقين بنفسك"، فانتبهي أنك تحدثين نفسك سلبيا، فتقولين لنفسك "كُفّي"، وبالمقابل تتعلمين مهارة "الحديث الإيجابي" فتقولين مثلا: أنا لست خجولة بدليل أن لي مقربات، وصديقاتي يجلسن معي وهذا دليل على رغبتهم في وجودي بينهم، أنا ناجحة في علاقتي مع زوجي، وهكذا، فتخلعين عنك الأسر في تلك الأفكار السلبية التي تقتنعين بها وهي في الحقيقة محض خيالك.
* أنا لا أحدثك حديث التنمية البشرية، ولا حديث التحايل على النفس، ولكنني أحدثك حديث "الواقع" الذي يستند للغة العلم والنفس الإنسانية.
* لكي تكون ثقتك بنفسك حقيقية وليست مفتعلة، لابد أن تدعميها بجانب تغير طريقة حوارك مع نفسك بالمهارات والثقافة العامة والإنجاز الحقيقي في أي شيء مثل إنجازك الحقيقي في علاقتك بزوجك؛ فتقومين بعمل تهوينه وتحققين فيه إنجازا، أو رياضة، أو عمل تطوعي، أو أي مجال يوجد بين يديك ولا ترينه ويمكنك من خلاله زيادة ثقتك بقدراتك وبنفسك.
* لا أظن أن صديقاتك أسيرات بعض مواقفك، ولكنهن أسيرات عدم "ثباتك" على وتيرة واضحة في علاقتك بهن، وسيتحسن ذلك إن فعلت ما اتفقنا عليه.
* أكرر مرة أخرى أنني لم أقصد أن تكوني غير نفسك ولكن قصدت أن تُعدّلي ما تظلمين به نفسك لتكوني منصفة معها ثم تكوني نفسك دون ظلم لها.
يبقى أن أعترف لك أن ما قلته ليس سهلا هينا، ولكنه سيتطلب منك بذل جهد، وتغير طريقة تفكير عشت لسنوات تتعاملين بها، ولكن تذكري أنها ليست مستحيلة وأن نفسك حين تظلمينها يكون أشد أنواع الظلم.
|