الأخت الفاضلة أم ياسين.. بارك الله في ابنك الغالي..
التربية عبارة عن محطات متوالية يكمل بعضها بعضا حتى النضج، وكل محطة من تلك المحطات لها طبيعة خاصة، وتحتاج إلى تعرف كامل وجهد جهيد لتخطي عقبات ومشكلات عديدة، وتحقيق إصلاحات وإنجازات مهمة حتى يتم اجتيازها بسلام وأمان وإنجاز.
سيدتي الفاضلة.. تفسير سلوك ابننا الغالي ليس ناتجا عن الحمل، ولكنه نابع من خصائص وطبيعة المرحلة التي يمر بها وهي مرحلة الطفولة المبكرة أو مرحلة ما قبل المدرسة، أي الفترة من 2 إلى 6 سنوات وهي تتميز بعدة خصائص منها:
1- التقليد والتقمص: سلوكيات الطفل في هذه المرحلة تكون تقليدا وتقمصا لما يدور حوله؛ لذلك فقد يكون شخص ما مارس التقريص أو الضرب مع الابن البريء فتعلم منه هذا السلوك ببراءة، ولك أن تعلمي أن عصبية الطفل تنتج غالبا من عصبية المحيطين به؛ لذا يجب أن نحرص على الهدوء في تعاملنا مع أطفالنا، وأن نقدم نموذجا طيبا يحتذيه الطفل في تعامله معنا ومع الآخرين.
2- وهذه المرحلة تتميز بالانفعالات الكثيرة الشديدة والمتناقضة (عصبي- اجتماعي جدا)، وهذه الانفعالات والتناقضات تحتاج إلى كثير من الصبر والتحمل والترويض والتقبل والتحويل للاتجاه الإيجابي.
3- والطفل في هذه المرحلة يحاول اختبار قدراته وفرض نفسه على الآخرين والسيطرة عليهم، ويحاول تحدي القواعد والضوابط، ويمارس الانفعال الشديد ونوبات الغضب كخطة للسيطرة على الآخرين، وكلما حصل على مكاسب وأفلح في السيطرة كلما زاد من ممارسة هذه النوبات.
4- ويمكن أن نسمي هذه المرحلة (مرحلة الانطلاق بلا إدراك)، أي حركة وقدرات ومهارات بلا وعي كامل ولا نضج كاف، فهو يتعلم بالتجربة والمحاولة التي حتما تمر بمراحل من الأخطاء والمشكلات.
5- التمحور حول الذات: الطفل في هذه المرحلة لا يدرك إلا ذاته، ولا يرى إلا مطالبه واحتياجاته، وفي نفس الوقت لا يلقي بالا لوجهة نظر الآخرين أو مطالبهم أو اعتباراتهم؛ فهو متمركز حول ذاته في هذه الفترة بكل معاني التمركز، فهو يقدمها ويبرزها للآخرين دائما، ويريد تحقيق مطالبه فورا بلا تأجيل وبلا قبول لأي اعتبارات أو ظروف، ومن لا يعرف طبيعة هذه المرحلة قد يصف الطفل بالغرور أو الأنانية.
وبتطبيق ذلك على ابننا الغالي نجد أنه لا يبالي بذوات الآخرين، وهذا واضح من تعبيراتك (يضرب ويقرص وكأنه لم يفعل شيئا ويضحك).
ويريد تلبية مطالبه ولا يبالي بمطالب الآخرين، وقد عبرت عن ذلك بقولك (يلعب ولا يسمح لأحد أن يلعب بلعبة مفضلة له ويضربه ليتركها).
لا تقلقي سيدتي؛ فالتمركز حول الذات لا يستمر بل يقل تدريجيا وتبدأ مرحلة التمركز حول المجتمع مع بدء دخول المدرسة، ودورنا هو التفهم والترويض والتعامل المناسب والتهذيب بلا عنف.
والتربية في هذه المرحلة تكون بإعطاء الانتباه أو سحب الانتباه، فيجب أن ننمي الطفل في هذه المرحلة بأن نتمركز حول ذاته عند السلوكيات الحسنة فننتبه له، ونثني عليه، ونقدم عبارات التشجيع، ونكافئه؛ لأن الطفل يكرر السلوك الذي يجذب الانتباه حتى لو كان هذا السلوك سيئا وحتى لو كان الانتباه مصحوبا بالأذى من الآخرين فهو يحب جلب انتباه الآخرين لذاته.
ولذلك أحيانا يكون الوالدان هما السبب في تثبيت السلوك السيئ بكثرة الانتباه له، وتسليط الضوء عليه دائما، سواء بالضرب أو الشتم أو الصراخ في وجهه، أو حتى مجرد الكلام، وحضرتك تقولين (بعض الأحيان أضربه حين يكرر نفس الشيء مثل قرصي أو ضربي)، فهذا الضرب عامل مساعد لتثبيت السلوك والاستمرار فيه.
التغاضي هو الحل:
أنت أم جديدة والابن الحبيب لم ينضج بعد فلا تعدي عليه أنفاسه.. من الطبيعي أن يخطئ كثيرا، ومن الحكمة أن تتجاهلي أو تتغاضي عن بعض السلوكيات التي لا تروق لك، وتعلمي من الجدة الحكيمة التي تقول لك: (يا بنيتي.. الولد ما زال صغيرا وغدا يكبر ويفهم ويتعلم)، وكما قال الحكماء: (تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل)، فمن حسن الخلق أن يتكلف الإنسان الغفلة مع العلم والإدراك تكرما وترفعا عن سفاسف الأمور.
والتغافل أو سحب الانتباه له قواعد وأصول، منها أن نترك الطفل يفعل ما يفعل ولا نلتفت له مهما حدث بشرط ألا يكون خطرا، ثم بعد انتهائه نتعامل معه بشكل طبيعي دون التعليق على ما فعل، وحتى في حالة نوبات الغضب في الوضع الطبيعي غالبا ما تستغرق نوبة الغضب من 1 إلى 15 دقيقة وتنتهي.
لذا يجب أن نسحب الانتباه، ونرفض التمركز حول ذات الطفل عند السلوكيات السيئة، هذا الانسحاب وهذا التغاضي يجعل الطفل يترك هذا السلوك الذي لم يحقق له مقصوده الأساسي في هذه المرحلة وهو جذب انتباه الآخرين لذاته.
الأم الفاضلة.. يجب أن تدركي أن الابن الغالي في مرحلة التعلم والتدريب وتكوين المفاهيم وليس التكليف أو الحساب أو العقاب، وهو كذلك في مرحلة الأخذ والتملك والانفراد وليس العطاء أو الإيثار أو الاشتراك مع الآخرين، فالملكية الخاصة مقدسة في هذه المرحلة لا يفرط فيها بحال من الأحوال، ولعب الطفل قبل العام الثالث يأخذ في الغالب الشكل الانعزالي ثم بعد ذلك تبدأ مرحلة اللعب التعاوني.
تعرفي على خصائص وسمات المرحلة، وتقبلي الابن، وتعاملي معه بما يناسب طبيعة المرحلة، ويوما بعد يوم سيكبر وينضج ويتعلم ويتغير حاله إلى الأفضل بالتعليم والتدريب والتهذيب، وهذه هي مهمة التربية.
بارك الله لك في ياسين الحبيب، وأنبته نباتا حسنا، وأعانك على رسالة التربية، وتقبل الله جهدك، ونفع الله بكما الإسلام والمسلمين.. اللهم آمين.
|