الأخت الكريمة فاطمة الزهراء
بداية أرحب بك وبكل الأمهات والنساء في فلسطين الحبيبة، فأنتن حاملات تاج الكرامة والعزة، حارسات الديار المقدسة، النابضات بالوفاء والولاء لله عز وجل وللقدس الحبيبة، فأنتن شرف الأمة وقلبها الحاني، شموس تملأ الوجود دفئا وضياء.
فأهلا بك في زاوية معا نربي أبناءنا، وتساؤلك المطروح يدل على رفعة الإحساس بالمسئولية لأم قدر لها أن تكون الأب والأم معا، وهذه كرامة من الله عز وجل فيها عزة لك ولطفلك.
أختي الكريمة:
سأتناول الرد على استشارتك عبر شقين تساءلت عنهما وهما:
1. التأتأة لدى طفلك ما بين التشخيص والعلاج.
2. تساؤلات طفلك عن والده الشهيد (تساؤلات بالفطرة لمواجهة أشرف قدر)
أولا: التأتأة لدى طفلك ما بين التشخيص والعلاج:
مشكلة التأتأة من مشكلات النطق لدى الأطفال، وتكون غالبا نتيجة ظروف نفسية قاسية يتعرض لها الطفل، وبالطبع استشهاد زوجك وطفلك في عمر الأربعة أشهر هو ظرف قاس جدا، ومؤلم عليك وعلى طفلك.
لا تعتقدي أن طفلك في عمر الأربعة أشهر لا يحس بالحزن الذي تشعرين به، فهو يرضعه من لبنك في وجباته اليومية، ويسمعه في دقات قلبك المتصارعة، ويراه في عينيك، خاصة عندما تمطر دمعا بمجرد أن تواصلت نظراتك بنظراته، الطفل شديد الحساسية، لا يفهم شيئا مما يدور حوله، لكنه يشعر بآلام الآخرين، فتنتقل لذاته وتأثره بها أشد تأثير، والعبارات السابقة فقط لأبين لك كيف يشعر طفلك بما تشعرين به.
لذلك أرى أن عليك عرض طفلك على أخصائي نطق أولا، ثم على أخصائي نفسي فهما الوحيدان القادران على مساعدة طفلك على التخلص من مشكلة التأتأة، والتي لا تعتبر مشكلة صعبة أو معقدة خاصة أنك استفسرت عنها مبكرا، وتزول تلك المشكلة بالراحة النفسية في التعامل مع طفلك وإشعاره بالأمان والتقبل والحب، وعمر طفلك هو عمر بأمس الحاجة للرعاية النفسية وللقرب والمودة.
عزيزتي فاطمة الزهراء..الله فقط هو خير معين والثقة به وحده
فقدان الزوج من الابتلاءات الأصعب في الحياة، وفي الأراضي الفلسطينية أعانكم الله على هذا القدر، فأنا أدرك جيدا أن أرواحكم فداء لله عز وجل وللوطن المقدس المبارك، والله أكرمكم بأن تنالوا أعلى مراتب الشهادة، وهو الموت في سبيل الله مرابطين مجاهدين؛ لذلك قدركم مختلف عن قدر العالم كله.
ولعل ذلك اصطفاء لكم فلكم الجنة وكرامات أرواح المجاهدين، فهنيئا لكم وعد الله وجنة الفردوس، وأدرك أن إيمانك بالله أقوى من أي امرأة، فزوجة الشهيد وأولادها في حفظ الرحمن وبركته، فهم ذرية من صدق وعده، والله لا يخلف الميعاد.
وهنا أطمئنك أن كلما زادت ثقتك بالله عز وجل تملكت روحك القوة بإذن الله لمواجهة مصاعب الدنيا وتربية طفلك أحسن تربية.
أختي الحبيبة:
أدرك تماما صعوبة شرح وفاة الأب لأي طفل، لكن في حالة الاستشهاد الأمر أقل صعوبة؛ لما يحيط هذا الاستشهاد من كوكبة مضيئة، وقداسة ورفعة وشرف، أعجبني أنك أبلغته أن والده في الجنة بداية جيدة، وفي حالة استشهاد الأب تحكي الأم لطفلها قصص لتضحية وفداء هذا الأب.
ليس مهما أن يفهم الطفل ما تقولين، لكن ستسجل حكاياتك عن أبيه في ذاكرته البسيطة، وستكبر الحكايات معه، وعندما يكبر سيفهم أن أباه شرف على كل رأس، شهيد في الفردوس الأعلى، وحتى ذلك الحين أقدم لك بعض الاقتراحات التربوية حاولي الاستفادة منها قدر الإمكان لينمو طفلك بشكل إيجابي:
سبعة مقترحات تربوية لمساعدة ابن الشهيد نحو تربية إيجابية:
1. أبعدي عن عيني طفلك صور والده الشهيد:
وقت الإصابة والاستشهاد، أي الصور المغرقة بالدماء في عمر الطفولة خاصة، وأذكر ذات يوم استشهد في غزة زوج صديقتي، وكان لديها طفلة واحدة، فملأت صديقتي جدار البيت بصور زوجها وقت الإصابة بالرصاص، وفي داخل غرفة العمليات، وفي تشييع الجنازة، حتى في دخوله القبر، وأصرت أن تعيش طفلتها بين تلك الصور، ولم تصغ لنصائحنا أن ذلك أكبر ألم لطفلتها، وعندما أدركت ذلك رفعت تلك الصور، لكن بعد أن أصيبت طفلتها بأزمة نفسية وطال بها الأمر.
2. تريدين أن يتعلم طفلك الشجاعة، فاستخدمي أسلوب الحكاية التربوية:
فهذا الأسلوب تظهر ثماره بعد سنوات عمر الطفولة، تسجل ذاكرة الطفل حكاية الأم عن الشجاعة والقوة والدفاع عن الحق، ورفض الظلم والإيثار ومساعدة الآخرين، احكيها على لسان الحيوانات تارة، ومرة أخرى عن والده.
وألفي ما شئت حسب رؤيتك كل مفيد لطفلك، ولتطويره النفسي والعقلي، وعندما يكبر استبدلي الحيوانات بالأشخاص، فهذا مفيد له ولتنميته الأخلاقية والروحية، ويعتبر أسلوب القصة من أكثر الأساليب التربوية التي يعشقها الأطفال وترسخ في ذاكرتهم ويحبونها.
3. مرحلة طفلك مرحلة تحتاج للتركيز على طريقة وأسلوب وماهية اللعب:
في هذا العمر أوصى رسولنا الكريم أن نلاعب أطفالنا حتى سن سبع سنوات، خاصة طفلك الذي عاش معك لحظات الألم بحاجة إلى أن يعيش معك لحظات المشاركة في اللعب، واستثمار هذا الأسلوب التربوي في تطوير قدراته النفسية وتلبية حاجته النفسية للأمان والتقبل وتعزيز استجاباته الإيجابية، إذن اللعب مهم في هذه المرحلة، وعلاج فعال لمشكلة التأتأة.
4. استخدمي السيكودراما مع طفلك:
وهي طريقة نفسية للعب تتمثل في لعب الدور أي تستطيعين أن تشتري دمية للطفل ودمية للأم، وتنسجي حوارا بينك وبين طفلك باللعب، حوارا في مجال ترينه مناسب يقويك ويقويه على تلك الظروف وغربة الوحدة، وهذا ما نطلق عليه مسح الدمى، بالتأكيد قد شاهدته في أحد برامج الأطفال التليفزيونية، والسيكودراما مناسبة ليعرف طفلك من هو أبوه، وما هو الدور الذي يؤذيه لدينه ووطنه فهي ببساطة أسلوب إرشادي يركز على التمثيل ولعب الدور.
5. اجعلي طفلك مشاركا فعالا:
مهم جدا أن لا تجعلك مشكلة الفقدان لزوجك أن تفصلك عن المحيط، وتفاعلي مع محيطك بثقة وأمان في الله أولا، ثم في نفسك ليتربى طفلك في أجواء الثقة فهي أجواء إيجابية تساعده على صلابة نفسية أقوى وقوة شخصية أمتن، إذن صلي طفلك بمحيطه الاجتماعي، وقوي انتماءه للأسرة الممتدة، وأصدقاء والده، فهذا هام له.
6. عززي انتماء طفلك لوالده:
وضعي صورة لأبيه في غرفته وفي صالون البيت وحاوريه باستمرار، وأتيحي له الفرصة أن يقول لأبيه الشهيد شيئا، وعززي لديه مفهوم أن بابا معك بس هو سبقك للجنة، وهو "بيستناكم" قد لا يفهم كما قلت لك سابقا، لكن يبقى هذا الحديث معه على مر السنوات، فلا يشعر بفقدان والده ويفهمه عندما يكبر، بعد أن تقوى شوكته وتشدد عزيمته.
7. الاهتمام بنفسك هام لمساعدة طفلك نحو الأفضل:
فإن رأى أنك بخير يشعر أنه بخير، وإن رأى أنك لست بخير سيتعرض لجروح نفسية لن تظهر الآن، لكن مستقبلا ستظهر وعاقبتها مؤلمة، كذلك طوري من نفسك واستثمري الوقت، وامنحي طفلك الأمان والنظافة والاهتمام وسيمنحك هو الحب وعاطفة الابن، وسينمو معك ولك يعوضك الله به عن كل ألم أو فقدان.
أتمنى لك السعادة والتوفيق وتابعينا بأخبارك يسرنا تواصلنا معك.
|