أخي العزيز.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. ألاحظ أنك كلما اشتهيت شيئا فعلته، والنفس شهواتها لا تنتهي، بل إن من قوانينها أنها كلما حصلت من الشهوات ازدادت شرها للمزيد من نفس الشهوات أو من غيرها؛ إذ يوجد مركز في المخ يسمى مركز "التعزيز"، وهذا المركز مخصص في الأساس للإلحاح على تكرار الأشياء الممتعة التي تحافظ على بقاء الإنسان واستمرار نوعه؛ كالطعام، والشراب، والجنس.
ولكن هذا المركز إذا قمنا بتنشيطه دائما عن طريق شهوات محظورة فإنه يلح علينا أكثر وأكثر في تحصيل هذه الشهوات وما يتصل بها بلا نهاية. وهذا هو المأزق الذي وقعت فيه، فأنت طاوعت نفسك في ممارسة الجنس مع أختك، وطاوعت نفسك في ممارسة العادة السرية، وطاوعت نفسك في ممارسة الجنس مع زوجتك في دبرها، وطاوعت نفسك في شرب الخمر، وطاوعت نفسك لأن تسقي زوجتك الخمر، وطاوعت نفسك في مواقعة الشقراء التي تمنيتها. فأنت لا تقول لنفسك لا أبدا، بل تفعل لها ما تطلبه، ومن المعروف أن أي إنسان حين يحصل على كل ما يشتهيه فإنه يصاب بحالة من الشره والأنانية، وتضعف إرادته وعزيمته وتخور قواه، وتترهل نفسه.
وأكاد أسمعك الآن تقول إنني أفعل هذا رغما عني، وإنني أحب أن أكون على الصراط المستقيم ولا أستطيع، وإنني أريد الخير دائما بدليل أنني أرسلت لكم هذه الرسالة.. وأنا أصدقك في بعض ما تقول. ولكني أذكرك بأن الله خلق في نفوسنا مجموعة من الغرائز لتؤدي وظيفة البقاء والتناسل، وخلق في مقابلها ضوابط لتضبط عملها حتى لا تجنح فتدمرنا، ومن المفترض أن نستعين دائما بالضوابط التي رزقنا الله إياها لتكبح الغرائز التي ركبها الله فينا لحكمة. وهذا هو ما يميز الإنسان على الحيوان، فالأخير يتحرك بغرائزه، ولذلك لم يكلف، ولم تكن له حضارة، أما الإنسان فقد جاءت الشرائع ووضعت القوانين لتنظم غرائزه واندفاعاته، وهو مسئول عن إدارة تلك الغرائز بما وهب من ضوابط أهمها المنهج الإلهي، ثم العقل، ثم الضبط الاجتماعي. إذن فمن الآن ارفض أن تكون عبدا لأهوائك ورغباتك وغرائزك، واعلم أن كمال إنسانيتك وشرفك وكرامتك هي أن تتعلم أن تقول لا لنفسك حين تطلب شيئا محظورا. وأنت تتحرك هنا بدافع من المنهج الرباني الذي يحدد ما هو مسموح وما هو محظور، ثم بالعقل الذي يفرق بين الإنسان والحيوان، ثم بالضبط الاجتماعي الذي يجعلنا نستحي من إتيان أشياء يرفضها المجتمع الصحيح، وترفضها العقول الرشيدة.
ربما تجد صعوبة في البداية، حيث إنك دللت نفسك أكثر من اللازم، وعودتها على أن تقول نعم لكل مطالبها، ولكن هذه النفس المدللة المتخمة بالرغبات والشهوات يمكن أن تنفطم كما ينفطم أي طفل. المهم أن تبدأ في استلهام وتنشيط إرادتك الحرة، وتجمح هذه النفس الشرهة، وتشعر بالسعادة كلما استطعت ضبطها عن انحراف تطلبه. وفي ذات الوقت تستمتع بما أحله الله لك، حتى لا تعاني حرمانا يرهقك أو يضعف مقاومتك، وإياك أن تقول: لا أستطيع، أو تقول: حاولت وفشلت، فأنت سوف تقاوم نفسك من الآن، وتستمر في المقاومة إلى آخر لحظة في حياتك. وهذا هو اختبار الإنسان في الدنيا، فإما أن ينجح في السيطرة على نزواته فيفوز بكرامة الإنسانية في الدنيا، وبرضا الله وجنته في الآخرة، أو يستسلم لشهواته ويرفع الراية البيضاء أمامها فيهلك في الدنيا والآخرة، ويخسر كل شيء. ولن تشكره نفسه التي أشبعها، بل ستلعنه لأنه طاوعها وعبدها فأوردها وأوردته مواطن الهلكة.
ولا تنس الاستعانة بالصحبة الطيبة وبالدعاء على شهواتك المستعرة. ومن التدريبات العملية: أن تحافظ على الصلاة في أوقاتها، وتلزم نفسك بالصيام في رمضان وفي غير رمضان، وتحرم نفسك من أشياء بسيطة في البداية فتتعود على الحرمان وعلى الصبر، وفي كل مرة تنجح في ذلك كافئ نفسك بمكافأة حلال تسعد بها. وفقك الله، وأعانك وإيانا لما فيه الخير.
|