ابنتي.. هناك نقاط كثيرة مختلفة في مشكلة مريم الجميلة..
وأول هذه التفاصيل أنه لا يجب أن نوبخ رضيعة عمرها سنة وسبعة أشهر لا يصح ولا يجوز حتى لو أبدت ذكاء في مثل ذكاء أينشتين، فهي في النهاية رضيعة –تمام الرضاعة عامين– وحين أقر رب العباد أن تمام الرضاعة عامان لم يجعلها فرضا علينا بل جعلها لمن أراد أن يتم الرضاعة.. ولكنه سبحانه وتعالى علمنا وأعلمنا أن الطفل حتى تمام العامين له حقوق الرضيع حتى لو لم يرضع.. والرضيع يا بنتي ليس مطالبا بأي شيء أكثر من أن يكون سعيدا محبوبا.
الأطفال حتى الثانية يا ابنتي لا يجب توبيخهم بل نحن نمنعهم من الخطأ بالحب وبالاحتضان، فمثلا لو قامت بتصرف خاطئ.. ولو أني لا أتصور ما هو التصرف الخاطئ الذي قد تفعله ابنتك أو الذي تعتبرينه أنت خطأ.. لذا سأستعير أحد تصرفات حفيدتي ذات السنتين: تأكل لقمة وتلقي الأخرى على الأرض.
نتصور أن مريم فعلت ذلك المفروض أن تحتضنيها وتشيري إلى التصرف أنه سيئ.. بمعنى أن إلقاء الطعام على الأرض سيجعل المكان غير نظيف، وأن مريم الجميلة لا تفعل ذلك مريم الجميلة لا يمكن أن تتسبب في قذارة المكان.. لأنها جميلة وأنت تحبينها والجميلة لا تفعل أشياء قبيحة مثل ذلك.. وتقبليها.. وتتأكدي أنها فهمت بسؤال بسيط: مريم حبيبتي لن تفعل ذلك مرة أخرى لن تلقي بالطعام، ولا بأي شيء على الأرض حتى يكون المكان نظيفا وجميلا مثلها تماما.. صح؟
هل سمعت كم مرة كررت كلمة مريم الجميلة، مريم النظيفة، مريم حبيبتي؟ أما أن توبخيها فأنت تماما كمن يلقي بها وحدها في مكان لا تعرفه فلا تتعجبي عصبيتها وعنادها.. لقد خلعتِ إحساسها بالأمن والأمان والمحبة أسرع مما يجب ومبكرًا جدًّا عما يجب.
أفهم أنك مضطرة للخروج للعمل وهذه وحدها صدمة كبيرة للرضيع أن يحرم من دفء حضن الأم بطريقة مفاجئة وقبل أن يتوقع مخه وجوارحه.. فالأطفال يا ابنتي بمرور الوقت يكونون أكثر استعدادا نفسيا للانفصال المكاني والزماني عن الأم فتجدينهم يسعدون باللعب مع الآخرين ويطالبون بذلك.
ابنتي.. تريدينها مثالية وهي دون السنتين؟
هل تستطيعين أن تحصلي على طعام ناضج في لمح البصر؟ مستحيل.. حتى لو استعملت أقوى حلة ضغط في العالم.. حتى لو كان لديك ميكروييف ذري.. فكيف تريدين أن تقفزي في الوقت والسنين لتحصلي على طفلة مثالية من رضيعة أضعت حقها في تمام الرضاعة؛ نظرا لظروفك، والآن تريدينها أن تنضبط مثل طفل في السادسة أو الثامنة!
كيف يطاوعك قلبك أن تقسي عليها؟
إن ما تفعله مريم هو نتيجة طبيعية لما تفعلينه أنت.. أنت من خلق المشكلة بابتعادك عنها طول النهار، ثم قسوتك عليها في بعض الأحيان، ثم توبيخك لها في أحيان أخرى، ثم رفضك حتى أن تحتضنيها نائمة لتحلم بالجنة بين ذراعيك، وبالتالي: هي تريد أن تنام إلى جوارك لتستعيد جزءً من الأمان المفقود أثناء النهار؛ لتتأكد أن حضن ماما ما زال موجودا وأنها ليست ملقاة في الواسع البعيد الذي لا تعرفه وتشحن بطارية الدفء والأمان.
وهي أيضا إذا قسوت عليها تتحول إلى طفلة عصبية وعنيدة.. أنت لا تريدين أن تعطيها حقها في الحب والتدليل وهي تريد أن تحصل عليه.
لا أقول لك عودي إلى المنزل وتوقفي عن العمل.. فأنت أدرى بظروفك، ولكن اهدئي في التعامل معها من فضلك، وكوني أكثر رحمة وحنانا ومحبة.
لن تكوني سعيدة إذا طالبك مديرك بإنجاز ما لا تعرفين ثم يعاقبك على عدم إنجازه.. كل هذا وأنت واقفة لا تدرين ماذا تفعلين للتخلص من هذا الظلم.
قفي مكان مريم.. واشعري بعجزها ورغبتها في الحصول على الحب والدفء والاحتضان والحنان.
وأنا أعني كل كلمة منها وليست مترادفات.
|