ولدي..
هذه ثاني رسالة تقابلني اليوم صاحبها لا يحتاج حلاًّ ولا ردًّا ولا نصيحة، بل يسرد فيها تجربة أو يفتح مكنونات قلبه، وقد أصبت في استشهادك بالآية الكريمة.
نعم يا ولدي لا تقربوا الزنا.. أي اجتنبوا مقدماته، فليس منا أحد كبير على السقوط في حبائل الشيطان، وإذا كان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو على باب الجنة لا يأمن أن تعرض له فتنة فيسقط فيها.. فما بالك بالفقراء أمثالنا.. عباد الله (الغلابة) الذين يسيرون في حمى الاستغفار والشيطان ينتظر منهم لفتة وما أكثر لفتاتنا.. فالمقدمات التي تؤدي إلى المهلكات وضع لها ربنا سبحانه وتعالى حدودًا وطالبنا بألا نقربها، تعني:
منع النظرة.. غض البصر.. ومنع الدعوة والإغراء، ومنع الخضوع بالقول.. ومنع الخلوة وهي أن يأمن رجل وامرأة أن يطلع عليهما محرم من المحارم.. والتليفون خلوة.. وسيارتك خلوة حتى لو كنت في قلب العاصمة، فما بالك إذا خرجت إلى أرض بلا سكان؟!.
أخطأت حين اعتبرت كلامك مع امرأة متزوجة هو من باب التسالي.. "التسالي بحدود الله"، وأنا لا ألومك فواضح أنك لمت نفسك بما يكفيك، ولكني أضيف لما قلته أنت: لو أن كل إنسان قبل أن يتصرف وقف للحظة ليقلب الصورة ويضع نفسه في مكان سائر أطرافها فيرتضي لنفسه ما يرتضيه لغيره لاختفى كثير من مشاكلنا.
لو وضعت نفسك للحظة مكان هذا الرجل.. وإن كان يكبرها بسبعة عشر عامًا، فهو في النهاية في الرابعة والأربعين.. فهل تراه عجوزًا هرمًا مريضًا يحتاج إلى الخدمة والمعونة؟! إنه رجل في عنفوان فتوته وشبابه ورجولته.
أقول لو وضعت نفسك مكان هذا الرجل وتصورت إحساسك لو كانت امرأتك هي من تتسلى مع شاب بالنكات والضحكات.. أقول لو تصورت أن زوجتك هي من تفعل ذلك، فكيف سيكون رأيك فيها، وهل كنت ستعتبرها مظلومة وتحتاج إلى من يسليها أم ستعتبرها ساقطة تخون زوجها؟!.
وبناتك.. لو فكرت فيهن للحظة فربما ما تماديت في النكات و(الفرفشة).. فالحديث "برّوا آباءكم تبركم أبناؤكم وعفوا تعفّ نساؤكم" الذي رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنه وإن كان الألباني قد ضعفه، ولكن يؤخذ به في الأخلاق وطيب المعاملات.
أقول لك: نعم يا ولدي أنت فتحت باب الشيطان بيديك.. ومعظم النار من مستصغر الشرر.. لم تُعِر هذه المكالمات أي اهتمام، ولم تشعر أنها تحتاج إلى استغفار أو توبة حتى انقلبت إلى شيطان يوسوس لهذه المرأة بالفجور، ويلبس على هذه الوسوسة بتلبيسات إبليسية كما تقول.
الحمد لله الذي أنقذك من نفسك.. وأنقذها منك.. وأنقذكما من كبيرة من الكبائر لها حد لن يقيمه عليكما أحد، وستظلان تحت رحمة رب العباد، فإما أن يغفر أو يعذب.
إن الإنسان حين يستهين بمحارم الله ويزله الشيطان لا يأخذه إلى الهاوية دفعة واحدة، بل يجرجره بهدوء وتأنٍ إليها راضيًا بما يسمح به الإنسان من تصرفات يستهين بها ولا يحاسب نفسه عليها، على اعتبار أنها مجرد لهو بريء أو تسلية.
والله سبحانه وتعالى خالق الإنسان مدبر الأكوان هو وحده من يضع القواعد لما نلهو به، وما لا يجوز التعامل معه، فنجد كثيرًا من الشباب يتهاون في علاقاته بالفتيات، وكذلك الشابات، تحت مسمى الزمالة والأخوة.. ولو كانت زمالة أو أخوة ما قابلنا زميلاً تزوج زميلته، فهذا لا يجوز بين الإخوة.
َداوم على الاستغفار يا ولدي.. واعتذر لزوجتك بالإكثار من رعايتها والتحنّن والتحبب إليها، وتابع تربية بناتك.. وكن لهن أبًا محبًّا حانيًا قريبًا، وصديقًا متواجدًا بينهن قلبًا وقالبًا.
ولك مني ولكل من أخطأ -وأنا أولهم- كل الدعاء بالمغفرة والعفو.
|