سيدتي الفاضلة..
أقدر تمامًا مشاعرك، أولاً لأنها أولى تجاربك في الأمومة، وثانياً لظروفك الخاصة.
ولكن يا سيدتي دعيني أهدئ من مخاوفك وهواجسك، وأوضح لك السر الخفي في هذه الرابطة السحرية "الأمومة".
فالأمومة ليست مثل أي من العلاقات الإنسانية التي يمكن أن تضعف، أو تخفت، أو تتأثر بتوقف الرضاعة، أو كبر سن الطفل، أو زواجه، أو حتى سفره. إنها رابطة أبدية تشعرك بأنه جزء منك، فنجاحه هو وسام على صدرك، نموه وكبره هو دليل على حسن أدائك لرسالتك، زوجته هي ابنة جديدة تنضم لأسرتك وتثري حياتك العائلية، أبناؤه أحفادك وعبير حياتك. فكل ما يفعله وينجزه في حياته هو امتداد لك، حتى وهو بعيد عنك، فهو يتصرف ويتعامل كما علمته وربيته فهو عنوان لك.
ولأنها أولى تجاربك في الأمومة فأنت لا تتصورين كيف أن العلاقة بين الأم وأبنائها تأخذ في كل مرحلة شكلا مختلفا، وبعدا أعمق من المرحلة السابقة، فبعد مرحلة الرضاعة تبدأ مرحلة اللعب واللهو الطفولي الجميل؛ الذي يأخذك مع ابنك إلى عالم ساحر من خيال الطفولة، وبراءتها الرائعة، فتشاركينه ألعابه التخيلية، وتكلمين معه العصافير والشجر والسماء، وتغنين معه.
ثم تأتي مرحلة ما قبل المدرسة؛ فتبدئين مع ابنك مرحلة جديدة من الصداقة، وتعليم الخطأ و الصواب باللعب والحب، وتحكين له الحكايات، وتقرئين معه القصص، وتشاركينه مشاهدة برامج الأطفال، ثم تأتي مرحلة الدراسة والتعليم، وهكذا تتطور علاقتك بابنك مع كل مرحلة في حياته، وخلال هذه الرحلة تتوطد علاقتك به، وتزداد عمقاً وتصنعين رجلاً قوياً شجاعاً.
يا أم ابن الشهيد..
لو أن كل أم خافت على ابنها كما تخافين ما صار عندنا رجال ولا أزواج ولا مقاتلون ولا شهداء، لو أن أم زوجك لم تعطه الفرصة لينمو ويشب رجلاً شجاعا، ولم تتركه يتعلم من الدنيا، ويعرك الحياة، ما صار شهيدا تسعد به السماء قبل الأرض، ويدخلكم معه الجنة بإذن الله.
يا سيدتي..
مهما تعرف الابن على الناس، ومهما لعب مع أجداده، ومهما لعب مع أصدقائه، ومهما ابتعد فلا يشعر بالدفء ولا بالأمان إلا بين أحضان أمه، ولا يعوضه عن حضنها ولا دعواتها ولا لمساتها الحانية أي شيء.
يا سيدتي..
لا تخافي، افطمي ابنك في الوقت المناسب، فما يربطه بك أقوى من اللبن وحتى من الدم، ودعيه يلعب مع أجداده، ويزورهم، ليعوضهم فقد ابنهم الشهيد، ولتبري أنت زوجك العزيز في والديه، ولتساعدك والدة زوجك في تربيته، علَّه في يوم من الأيام يكون شهيدا على أعتاب الأقصى، ويهبنا النصر الذي نحلم به.
كلما احتك ابنك بالناس، والأهل، والأصدقاء، كلما نشأ أكثر وعيا وقوة وانطلاقا. وكلما نهل من حبك وحنانك، ومن عطف وحب أجداده، كان أكثر ثقة بنفسه وأقوى شخصية.
لا تخنقي ابنك بحبك، بل اجعلي هذا الحب هو الحياة الدافقة التي تعطينها له، وتساعدينه به ليكون رجلاً. وأولاً وأخيراً هو ابنك أنت، يدين بكل الفضل لك أنت، ونجاحه منسوب لك أنت.
لقد كان معاوية بن أبي سفيان -وهو الرجل القوي في زمن العرب- يفخر بأمه التي ربته، وكان في أي مجلس وأمام الرجال يقولها بفخر: أنا ابن هند..، ويعود بالفخر والفضل لأمه.
ونحن يسعدنا أن نكون معك في رحلة تربية ابن الشهيد، ونسعد باستشاراتك وأسئلتك دائماً.
|