تبسّمت في سري عندما قرأت رسالتك أول مرة، وحمدت الله أنك وجدت الجواب على سؤالك بخصوص بحثك عن زوجة، وهو تعذّر وجود مواصفات الحكمة ورجاحة العقل -التي تقول إنك لمستها في أجوبتنا- في فتاة بعمر عشرين سنة.
وبما أني نادرا ما أجيب على السؤال -أو المشكلة- المحالة لي بمجرد قراءة أولية لها؛ لأني أفضل دائما إجراء تخمير للسؤال في ذهني كي يكتمل نضج الإجابة عليه؛ لذلك قرأت رسالتك مرة أخرى وأنا آمل أن يكون الرد على رسالتك متسقا مع حسن ظنك بنا ومتفقا مع مستوى توقعاتك نحونا.
بين هذه القراءة الأولى والثانية يمكنني أن أمسك طرف خيط الإجابة فأقول لك: إنني لو رددت على رسالتك البارحة لكان ردي مختلفا جزئيا أو كليا عن ردي اليوم، ولو تركتها للغد لتغير الرد سواء بشكل يسير أو كبير، ومعنى ذلك أن الإنسان يكبر في كل يوم يوما واحدا على الأقل.
ومن هنا تتكون الخبرة التي هي وقود الحكمة؛ لذلك فمن البديهي أنني الآن لست تلك الفتاة التي كانت بعمر العشرين، ومن البديهي أيضا أن أفكاري التي أكتبها هي جزء من شخصيتي وليست كل شخصيتي بالطبع؛ لأن الشخصية تتحدد بعدة عوامل أحدها الأفكار.
وصحيح أن قدرتي على تبني الموقف الذي يعبر عن رأيي في أي موضوع قد زادت نتيجة نضج أفكاري مع تقدم السن، لكن هذا لا يمنعني من الاستمرار بتعهُّد نفسي بالتربية والتعلم؛ لأني ما زلت تلميذة في مدرسة الحياة.
بخصوص سؤالك عن اختيار شريكة حياتك فلا ريب أنك تعلم أن الإنسان عندما يريد أن يتزوج فإنه لن يتزوج كتلة من الأفكار.. فبالنسبة لك مثلا قد تعجب بطريقة فتاة في التفكير مثلا لكن هذا الإعجاب قد لا يمتد فيشمل مواضيع أخرى لا تقل أهمية، بل تعتبر أجزاء أساسية من الشخصية، مثل التصرفات المختلفة حسب المواقف المختلفة، وقد يهمك البحث عن دوافع هذه التصرفات سواء كانت قناعات ناضجة أو انفعالات وقتية باعتبار هذه الدوافع تشكل أجزاء أخرى تكمل صورة الشخصية.
إضافة إلى الدافع العاطفي والحافز الجنسي في أي شاب بقصد البحث عن الرفقة وإرضاء الغريزة، وهما لا يكادان يفترقان في الرجل المهذب المتحضر، وهنا تتداخل عناصر أخرى في اكتمال صورة الشخصية وهي الجمال بما فيه جمال المضمون وجمال الشكل، وفي الجمال الأول كانت نصيحة الرسول عليه الصلاة والسلام (فاظفر بذات الدين تربت يداك) وفي الجمال الثاني كانت نصيحته (انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)، وهو ليس النظر العادي بل إنه النظر المتمعِّن في منابع الأنوثة المتضمنة معاني الجمال والجاذبية والحنان والعاطفة والحساسية.
ومن المعلوم أن بعض الأحاديث تحضُّ على النظر إلى ما يرغب الرجل في رؤيته عند زوجة المستقبل، وإذا كان العقل زينة الإنسان -رجلا كان أو امرأة- فإنه يمكن للرجل أن يجد رجاحة العقل عند بعض الأصدقاء، لكنه عند زوجته يجب أن يجد السكينة، وهذه الكلمة التي جعلها الله آية من آياته في خلق الزوج والزوجة، ليست بتلك الكلمة السهلة بل لها بعد جسدي ونفسي.
إذن مع كل تقديري للعقل وللحكمة فإن رسالتك تجعلني مهتمة بأن ألفت انتباه الملتزمين والملتزمات وغيرهم وغيرهن أن رفيق درب الحياة يجب أن يكون مكافئا في نواح عدة كالنواحي الاجتماعية والنواحي المادية ببعديها الجمالي والمالي، ولكنه في نواح أخرى يجب أن يكون مكملا لنقص الشخص نفسه في النواحي العقلية والنفسية والعاطفية؛ لأنه لا يوجد إنسان كامل، والسعادة الحقَّة في الحياة الزوجية هو عندما يجد الإنسان نفسه في نفس أخرى تكمّله وتضيف إليه أبعادا كان يفتقدها في شخصيته.
وفي نظري فإن فهم الزواج بهذا الشكل يجعل الشريك يتقبّل اختلاف شريكه بشكل إيجابي، وليس كما هو الوضع السلبي السائد بالتنافر إذا وجدت بعض الافتراقات الطبيعية والاختلافات الشخصية.
كي لا يكون كلامي نظريا أقرّب الفكرة مثلا بطبع الانعزال لدى الزوج والطبيعة الاجتماعية لدى الزوجة، فقد يرى أحد الشريكين أو كلاهما أن هذه نقطة اختلاف كبيرة لا يمكن الاستمرار معها، أما لو كانت النظرة أوسع وأشمل فسيعرف كل منهما أن انعزالية أحدهما يجب أن تخفّف من اجتماعية الآخر، والعكس بالعكس، على أن تكون الطبائع واضحة منذ الخطبة كي يتمَّ الاتفاق على الطريقة الأنسب للتفاعل بين هذين الطرفين المعاكسين.
وهذا له أثر ممتاز على الأولاد مستقبلا الذين بحكم قوانين الوراثة قد يظهر طبع أحد الأبوين في أحدهما، في حين يظهر طبع الآخر في ولد ثانٍ، فتكون مهمة التربية الأسرية صقل الطباع غير المرغوبة، كما يتعلم الأولاد قبول بعضهم برغم الاختلاف عن طريق إجراء بعض المفاوضات لإرضاء جميع الأطراف؛ وهو ما يغني الحياة ويجعلها أكثر تنوعا وجمالا.
في رسالتك بعض الإشارات نحو مشاكل الحياة الزوجية الكثيرة، ويبدو أن ذلك نتج لديك كنوع من رد الفعل أو الصدمة تجاه انفصال صديقك الملتزم عن زوجته الملتزمة رغم أنهما أبناء فكر إسلامي واحد على حد تعبيرك.
أنا هنا أعيذك من الرؤية الضيقة للالتزام بمعناه الشكلي دون المضموني، كما أحيلك إلى الناس الأكثر التزاما من صديقك وزوجته ومني ومن غيري من الزملاء والزميلات الذين ذكرتهم والذين لم تذكرهم، وأقصد أولئك الناس الذين خلد ذكرهم القرآن وسماهم السابقين الأولين وهم الصحابة والصحابيات رضوان الله عليهم، فلدينا قصص كثيرة عن طلاق بعض الصحابيات.
أول هذه القصص قصة فاطمة بنت قيس التي طلقها زوجها ثلاث مرات وجاءت بعد انتهاء عدتها تستشير الرسول عليه الصلاة والسلام فيمن تنكح من الرجال الثلاثة المتقدمين لها فنصحها بأسامة بن زيد؛ لأن الآخر هو أبو جهم وصفه الرسول الكريم لها بأنه لا يضع عصاه عن عاتقه، كناية على كثرة ضربه للنساء، والثالث هو معاوية الذي أخبرها الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه صعلوك لا مال له.
وإذا توقفنا عند هذه القصة فسوف نجد أن الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو الذي أكد في كثير من الأحاديث على الدين والخلق، لا يحبذ لفاطمة بنت قيس زوجا عنيفا أو لا مال له.
وكذلك قصة زوجة ثابت بن قيس التي جاءت الرسول عليه الصلاة والسلام، فقالت: "يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام"؛ فقال رسول الله: "أتردين عليه حديقته؟" قالت: "نعم"، قال رسول الله: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة"، وفي رواية قالت: "لا أطيقه بغضا".
ومما ذكرته كتب الصحاح قصة بريرة وزوجها مغيث؛ إذ أعتقت عائشة رضي الله عنها بريرة فأصبحت حرة في حين بقي زوجها مغيث عبدا، فاختارت بريرة الطلاق منه فكان يطوف وراءها في سكك المدينة يبكي، وعن ابن عباس أنَّ زوجَ بريرةَ كان عبدًا يُقال له مُغِيث، كأني أنظرُ إليه يَطوف خلْفَها يبكي ودُموعه تسيل على لِحيَتِهِ؛ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعباسٍ: "يا عباسُ ألا تعجبُ من حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، ومن بُغضِ بريرةَ مُغيثًا". فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "لو راجعتِهِ؟". قالت: "يا رسولَ الله تأمُرُني؟"، قال: "إنما أنا أشْفَع"، قالت: "لا حَاجَةَ لي فيه".
ولو رحت أسرد عليك كل حوادث الفراق والطلاق التي حصلت في العهد النبوي الكريم لاستفضت بالإجابة إلى حد بعيد، لكن يكفي هذه الأمثلة الثلاثة التي نستنج منها أن الطلاق قد يكون حلا لمشكلة مزمنة تمنع أحد الزوجين أو كليهما من الشعور بالسكن مع الآخر.
ولو راجعنا أحكام الحياة الزوجية لوجدنا أن الإسلام قد وضع أسسا متينة لاختيار الزوجة الصالحة وهذا الاختيار هو اللبنة الأولى في بناء حياة أسرية طيبة منعا لحدوث الخلافات في الحياة الزوجية، وفي نفس الوقت وضع قواعد أساسية لحل هذه الخلافات إذا حصلت مما لا يتسع المجال للتفصيل فيه.
في نفس الوقت الذي أحيل فيه اقتراحاتك إلى فريق مشاكل وحلول لتدارسها فإني وبالنيابة عن الزملاء والزميلات أشكرك على كلماتك المحبة لنا المعجبة بما نقدمه، ومن ناحيتي شخصيا فإن ما أقوم به ليس إلا جهد المقل.
وبما أن إخوتي في فريق مشاكل وحلول فضّلوا تحويل رسالتك لي رغم أنها عامة تقريبا؛ فأنا أشكرهم من جهة، وأخبرك أن لكل منا مشاكله الخاصة وهمومه الآنية التي لا يخلو منها بشر، لكن الله بفضله قدّر لهذا العدد من الناس ذوي التجارب المختلفة والخبرات المتنوعة أن يجتمعوا لينفحوا القارئ أفضل ما لديهم، ونحن جميعا نسدد ونقارب ونسأل الله أن يلهمنا الصواب والإخلاص لوجهه الكريم.
أخيرا إذا كنت قد رفعت سقف تطلعاتك في شريكة حياتك فهذا حقك، لكن تذكر ألا تبحث عمن هي أكثر حكمة منك فهذا قد يخل بمفهوم القوامة، وتذكر كلمات القرآن الخالدة عن الطيبين والطيبات؛ فلم يكن التعبير القرآني عن الملتزمات والملتزمات أو المتدينين والمتدينات؛ لأن المقصود هو الطيبة الداخلية التي لا يعلمها إلا الله، وإن كان للمؤمن فراسة وبصيرة وملائكة تحفظه من أمر الله؛ لذا نسأل الله ألا يحرمك وإيانا منها.
والسلام عليك.
|