أسعدتني رسالتك كثيرا ودعوت لك ولأسرتك بكل الخير في الدين والدنيا تمنيت من كل قلبي أن تكوني نموذجا للأمهات العربيات...
وفي الوقت نفسه أشفقت عليك من العبء النفسي الهائل الذي تحملينه في عقلك وقلبك وهو بمثابة أحمال زائدة ترهقك وتقوم بشحنك نفسيا ضد أولادك مما يؤثر في علاقتك بهم –لا قدر الله- ويقلل من قدرتك على الوصول إلى أفضل نتائج ممكنة في تربيتهم كما تستحقين وكما أدعو لك أيضا..
وأبدأ بأن أتمنى أن تطردي فورا وإلى الأبد أي إحساس بالخسارة لتفرغك لمدة سنة لكل طفل وابتعادك عن عملك وما ترتب عليه من تأخير في المنجزات والترقيات وأن تستبدليه بالشعور بالرضا والارتياح لما فعلته فلا شك أن هذا التفرغ كان وسيلة (لحمايتك) وليس حمايتهم فقط من مخاطر انشغال الأم في عملها وابتعادها عن أطفالها في الأعوام الأولى ووفر عليك أعباء نفسية وصحية ودعم علاقتك العاطفية بأولادك ولاشك أن كل هذه المكاسب (تهون) وتصغر أمامها أي تأخير في منجزات العمل.
وأصدقك القول وأنا سيدة عاملة وقد أكرمني ربي بإنجازات كثيرة في مجالات متعددة أن أفضل إنجاز يرضي قلب الأم هو رؤية أبنائها ناجحين دينيا ونفسيا واجتماعيا وعلميا وعمليا، فأولادك هم (مشروعك) الرئيسي في الدنيا، ولا أحد في الكون يستطيع أن يقوم بدورك معهم كما تفعلين، بينما يمكن أن يقوم واحد أو 2 أو أكتر بما تفعلينه، ولكن لا يوجد نجاح يقترب من رؤية الأولاد وهم في حالة ارتواء عاطفي ونفسي ونجاح على كل المستويات فتذكري ذلك دائما واسعدي به واعتبري كل عطاء تقدمينه لهم بمثابة خطوات تقربك إلى الجنة التي وعدنا بها رسولنا الحبيب صلوات الله وسلامه عليه بأنها تحت أقدام الأمهات، وإلى الشعور بالهناء والرضا عن النفس في الدنيا فلا تحرمي نفسك من كل هذه الجوائز الرائعة وتذكري أن الأمومة بها أعباء، ولكنها تتضمن الكثير من المتع أيضا فانعمي بالأخيرة لتساعدك على الأولى ولتجدد طاقاتك النفسية والذهنية والجسدية أيضا مما يعود بالخير عليك وعلى أسرتك ويساعدك على القيام بأدوارك المختلفة في الحياة على أفضل وجه..
وأذكرك أن سنة الثانوية العامة لم تكن أبدًا عامًا سهلاً على أي أسرة حتى لو كان أولادها من المتفوقين، فلابد أن توجد مخاوف ونسبة من القلق سواء للابن أو للأسرة لأنها سنة مصيرية تحدد مستقبل الابن ويمكن تقليل صعوبتها من خلال حسن الظن بالرحمن عز وجل أولا وتهدئة النفس ثانيا ومساعدة الابن على تنظيم أوقاته وعلى إمداده بكل ما يفيده في المذاكرة سواء من الناحية العلمية أو الغذائية أو النفسية وفعل ذلك بهدوء وضبط للنفس حتى لا يتسرب القلق إلى نفس الطالب إن كان حساسا وحتى لا نثير عناده إن كان مشاغبا.
وأهنئك على تفوق ابنك الأكبر وأدعو له بالمزيد من التوفيق ولك براحة البال حتى تحمي نفسك من الأضرار البشعة الصحية والنفسية الناتجة عن بقائك في حالة الانشغال المستمر والقلق المتواصل وتذكري ضرورة تفادي ذلك حتى تحتفلي بنجاح أولادك وأحفادك أيضا وأنت في أفضل صحة ولا تنسي ذلك أبدا..
وسأخبرك عن الحِمل النفسي الذي تضعينه على كاهلك ويتعبك وأقصد به البحث عن الكمال وهو أمر يعاني منه الكثير من الشخصيات فيتعبون ويتعبون من حولهم وقد (يحرضونهم) على الضيق منهم فتنبهي لذلك.. وأقول لك ذلك لأذكرك وأذكر نفسي وكل الأمهات أن أولادنا ليسوا قطعا من العجين نقوم بتشكيلها كما نحب بل هم كائنات (مستقلة) لها عقول وقلوب وطموحات ورغبات مختلفة، مما يدفعهم إلى التصرف بطرق غير الطرق التي (نريدها) نحن لهم..
وأكاد أسمعك تقاطعينني:
ولكننا نعرف مصلحتهم بأكثر مما يعرفونها ونحبهم بصورة لا يتخيلونها ونريد لهم كل الخير ونتمنى من كل قلوبنا أن يتجنبوا كل الثغرات التي تورطنا فيها لقلة خبرتنا في الحياة ونحن صغار السن لذا نريد حمايتهم منهم (وتصدير) هذه الخبرات لهم بأسرع ما يمكن ليفوز بكل الخيرات ويتجنبوا كل الأضرار..
وأتفق معك تماما وأؤكد لك أن الوصول إلى ذلك لا يأتي أبدًا عبر الإلحاح وإلقاء الخطب والحصار و(تجاهل) اختلاف شخصياتنا، بحكم اختلاف الأجيال على الأقل، وبأن كل إنسان يفعل بإرادته المستقلة أضعاف ما يمكن أن يفعله تحت الإجبار أو الإلحاح، وأن علينا الاستماتة في (التفتيش) عن أساليب جذابة لإقناعهم بما نثق أنه يصب في صالحهم عن طريق الترغيب والتشويق وذكر الفوائد والمكاسب إذا ما فعلوه والأضرار والخسائر إذا ما ابتعدوا عن تنفيذه وأن نؤكد لهم بلطف وهدوء أننا نثق في ذكائهم وأنهم سيختارون الأفضل دائما؛ لأنهم يستحقونه، وأن عليهم أن يسعدوا بأنهم محظوظون ولديهم أسرة تهتم بهم وهو ما يفتقده الكثيرون في هذه الأيام التي يهتم –مع الأسف- الكثير من الأهل بتحقيق النجاحات العلمية والمادية ويتناسون أن نجاحهم يكمن في تحسين نشأة أولادهم، ثم نتركهم ونغادر المكان حتى لا يشعرون أننا نقوم بتضييق الخناق عليهم أو أن تحاول إلغاء شخصياتهم وإجبارهم من فعل ما نقول، مما قد يدفعهم إلى التبرم أو الضيق والتزام العناد وكراهية ما تقوله لهم..
وأذكرك بضرورة ألا تتوقعي تغييرات (جذرية) بعد إلقاء النصائح حتى لا تؤذي نفسك وتعرضيها للإحباط، وتذكري أن أولادك يمرون بفترة المراهقة ومن سماتها رفض النصيحة والاعتزاز الزائد بالنفس والرغبة في الاستقلال عن الأهل، ولذا يجب التفنن في البحث عن وسائل غير مباشرة بعيدا عن إلقاء النصيحة والحرص على إشعارهم بالاحترام وبأخذ رأيهم في بعض الأمور التي تخصك أنت ووالدهم، حتى لو لم تنفذونها، وبتوسيع الحرية الممنوحة لهم في بعض الاختيارات المتعلقة بالملبس والمأكل وما شابه ذلك وإبداء الفرح بأنهم كبروا ومعاملتهم بنوع من الصداقة اللطيفة وإشاعة جو من المرح في البيت وقضاء بعض الأوقات معهم خارج البيت وبعيدا عن أي نصائح أو توجيهات حتى ولا يرتبط وجودك معهم بالأوامر والنواهي ولا بد من إشباع احتياجاتهم العاطفية واحتضانهم بحب وود والاستمتاع إليهم وإلى أحلامهم بكل احترام ومدح أي تصرف جيد يقومون به ولو كان بسيطا ومحاولة ضبط النفس –قدر الإمكان- مع تصرفاتهم السيئة وإشعارهم بأنهم أذكياء بصورة تجعلهم لا يكررونها..
وتذكري دائما البيت الشعري الرائع:
إذا لم يكن من الله عون للفتى *** فأول ما يقضي عليه اجتهاده
واطلبي العون من الخالق عز وجل ولا تقولي أبدا لقد فعلت كذا كذا ولم أحصل على ما يوازي مجهودي وأكثري من السعي وتوكلي على الخالق وحده لأن ترك الأخذ بالأسباب معصية والتوكل عليها شرك فاحذري هذا (الفخ) القاتل الذي نقع فيه جميعا من آن لآخر، واعلمي أن لكل شيء قدرًا، وأننا مجرد (وسيلة) لمساعدة أولادنا على حياة أفضل، وأن علينا بذل كل ما في طاقاتنا البشرية والتوجه بقلوبنا إلى الخالق ليبارك لهم ويوجههم إلى ما يفيدهم في الدين والدنيا..
وبالنسبة لعدم التزامهم بالصلاة، فأتمنى أن تجعلي حديثك إيجابيا، وأن تبشري ولا تنفري، كأن تقولي له أنت شاب رائع وستكون أفضل متى التزمت بالصلاة، وأن الله يحب الشاب المطيع أكثر وأنت تستحق ذلك وأن الصلاة ستفيدك دينيا ودنيويا، واطلبي منه أن يكون إماما لك ولأخته عند غياب الأب، وافعلي ذلك بلطف وبهدوء وبلا انفعال أو زائد حتى لا يلجأ إلى العناد وأخبريه أنك (تذكرينه) بالصلاة؛ لأنك تحبينه كثيرا وتريدين له (الفوز) بمكاسبها وأكثري من الدعاء لهم بالهداية وأوضحي لهم أنك تفوزين بالصلاة أنت ووالدهم وبإمكانك (ضربهم) ليصلوا أو تجاهلهم تماما والانشغال بأمورك الخاصة، ولكنك لم ولن تفعلي لأنك تثقين في أنهم (يستحقون) ثواب الصلاة..
ولا تظهري حماسًا زائدا حتى لا يتعاملوا مع الصلاة وكأنهم يؤدون شيئا من أجلك، وذكريهم بمسئوليتهم أمام الله عز وجل، ولا تطيلي الحديث وكثفي الكلام ولا تنتظري الرد وغادري المكان وأحسني الظن بالله عز وجل وأثق بمشيئة الله وفضله أنهم يتحسنون بأسرع وأفضل مما تتخيلين..
أما عن المشاكل التي تثار بين الولدين فهي أمر شائع في هذه السن وما ترينه تافها قد لا يكون كذلك بالنسبة إليهما، وعليك الامتناع عن التدخل بينهما وتذكيرهما بأنهما قد (كبرا) ويستطيعان التصرف في أمورها الخاصة، ولا تبالغي في (امتصاص) هذه المشاكل ولا تتعاملي معها على أنها مؤشر على أنهما لا يحبان بعضهما البعض فهي مجرد دليل على اختلاف وجهات النظر أو تضارب بعض الرغبات الشخصية، واعملي على إحداث نوع من التقارب بينهما قدر استطاعتك وإشعار كل منهما –على حدة- بحب الآخر له، وقولي لهما بحزم وبهدوء لن أقبل أي تجاوزات في الحديث بينكما فهذا البيت مبني على الاحترام المتبادل بين جميع أفراده وإنهم يتعاملون بأفضل صورة خارج البيت، وعليهم أن يكونوا في أحسن حالاتهم داخله لأنكم أولى برؤية مزاياهم ولأنك ووالدهم لن تسمحا بهذه التجاوزات، خاصة ما كان منهما أمامكما، وإن لم يلتزما بذلك فإن العقاب سيكون بانتظارهما..
ويفضل العقاب بالحرمان من شيء يحبانه مثل الجلوس أمام الكمبيوتر أو مشاهدة التلفزيون أو لعب الكرة أو الخروج مع الأصدقاء، فقد كبرا على العقاب الجسدي والمالي..
أما الولد الثاني فأتمنى أن تكفي عن الحديث معه عن المذاكرة باستمرار –كما ذكرت- لأن ذلك يؤدي إلى نتائج عكسية، واسمحي لي أن أقول لك إن مشاهدته للتلفزيون أو قضائه بعض الوقت ليس شيئا سخيفا بل هو أمر يهمه ويمتعه أيضا، وعليك إظهار الاحترام لما يسعده وأخبريه أنك لا تعترضين على ذلك وإنما تفضلين اختيار أوقات أفضل ليحقق أحسن نتائج دراسية بأمل قدر ممكن من المجهود..
وأتمنى أن تقومي بمتابعته بقدر أكبر من الهدوء وبالفرح بأنه ذكي ومجتهد وإن اختلفت طريقته في المذاكرة عما تريدين وأن تحتفظي بهدوء أعصابك في الامتحانات حتى لا تؤذي نفسك ولا تدفعينه إلى العناد وأطمئنك بأن السنوات الأصعب ستكون أفضل لأنه سيزداد –بمشيئة الرحمن- نضجا وفكرا وقدرة على المذاكرة في وقت أقل وسينمو عقله، ولا يهم كيف يذاكر فالمهم أنه يذاكر وتذكري أن سنوات المذاكرة هي جزء هام من حياته وأنها ستمضي على خير فلا تفسدي علاقتك به وأقيمي صداقة معه واحترمي اهتماماته،وإن لم تعجبك لتستطيعي التوصل معه إلى أفضل تنظيم ممكن للوقت..
أما عن عدم تعاون الأولاد في المنزل فيمكنك اتباع أسلوب الثواب والعقاب معهم ولا تتوقعي أن يتصرفوا كما تريدين بالضبط ويكفي تحسن الأمور إلى حد معقول وذكريهم بأنكم شركاء في بيت واحد وأنك لن تسمحي بالأنانية أو بالاتكالية وأن والدهم إنسان متعاون؛ لأنه رجل بمعنى الكلمة وعليهم أن يكونوا مثله.. ويمكنك إحضار خادمة لتساعدك في شؤون المنزل بشرط عدم الإقامة معكم أي أن تأتي ساعة أو أكثر يوميا أو يوم بعد يوم وبذا لا تكون هناك تكلفة مرتفعة، وأيضا لا يتأثر الأبناء سلبيا من وجودها معكم..
أخيرا تذكري دائما أنه لا يوجد أبناء مثاليون لأننا جميعا نعيش في الدنيا وليس في الجنة، فجميعنا لدينا عيوب وأتمنى أن ترحمي نفسك وأن تنظري إلى النصف المملوء في أولادك وأن تسعدي به حتى تهدئي نفسيا وتقر عينيك ويطمئن قلبك لها يساعدك على التعامل معهم بأفضل الطرق للفوز بأحسن النتائج..
ومن الطبيعي أن يتغير الأبناء بعد مرحلة الطفولة ليس ليصبحوا عصابة –كما ذكرت- ولكن لتتكون شخصياتهم المستقلة ويمكنك أن تعيشي هذه الفترة بسلام متى توقفت عن توقع اختفاء المشاكل من حياتك، وأقصد بها الخاصة بالأولاد وأن تقولي لنفسك: المشاكل لن تختفي لأنها جزء من الحياة ولكنني سأتعلم فن احتوائها أولا بأول وبكل هدوء و(تقبل) حقيقي لفكرة وجودها وسأتعامل مع أولادي بود وصداقة واحترام وسأحصد المكاسب الوفيرة ولن أطلب الحد الأقصى لسبب بسيط لأنه غير واقعي ولم يحصل عليه أحد. وسأفرح بكل تقدم ولو كان طفيفا وأبدي إعجابي به –دون مبالغة- وأمدحهم حتى أشجعهم على بذل المزيد ولن أكثر التفكير في عيوبهم حتى لا أنهك نفسي وأؤذيها وأصبح أقل قدرة على تحمل أخطائهم (الطبيعية تماما) وسأكون واقعية وأنعم أنا بالسلام حتى أستطيع تدبير أموري معهم وقيادتهم إلى ما هو أفضل وسأتجنب الإكثار من لومهم أو توجيه الانتقادات حتى لا يلجئون إلى رفض كل ما أقوله وسأكثر من الاسترخاء الذهني والجسدي خلال اليوم حتى أفرغ شحنات التوتر أولا بأول وأمارس أي قدر من الرياضة البدنية واهتم بباقي جوانب حياتي وأحسن من علاقتي بزوجي وأسعد بها وأفرح بكل إنجازاتي في الحياة فالإنسان السعيد أكثر قدرة على النجاح في علاقاته الأسرية وأكثر نجاحا في احتواء أولاده عاطفيا وإنسانيا وإشعارهم بأهميتهم من حياته وبأنهم خياره الأول ويدفعهم برفق وذكاء وبصورة غير مباشرة إلى (اختيار) التفوق في كل أمور الحياة ويؤمن بالتدرج ولا يطلب المستحيل ويعترف بالضعف البشري ولا ينكره (ويتحايل) عليه بالترغيب اللطيف..
وفقك الله وأسعدك أنت وأسرتك وحفظكم دائما..
|