أهلا ومرحبا بكم أبا (ملك) الغالية، ويسرنا أن نتعاون معا في فهم المهارات التربوية في التعامل مع الحبيبة الرائعة (ملك)!.
ونبشركم أولا بأن حالة (ملك) من المشاكل المشهورة؛ خاصة في هذه السن الجميلة الغضة، بل لا نعتبرها مشكلة، بل حالة من عدم الفهم لمرحلتها السنية ولخصائصها أو سماتها، ثم من عدم الفهم لكيفية التعامل مع مرحلتها الغضة!
أما إذا تحدثنا عن أصل المشكلة؛ فلنا معكم عدة وقفات؛ فاصبروا معي:
الوقفة الأولى:
أن (ملك) هي أول رزقكم من الحنان المنان سبحانه!
إذن فخبرتكم الوالدية التربوية؛ قليلة وتحتاج إلى ناصح أمين يرشدكم، ويوجهكم، ويعاونكم! وها نحن نبدأ معا الخطوة الأولى على الطريق الصحيح!.
الوقفة الثانية:
هي عدم التكيف مع الوضع الجديد؛ بخروجها بعيدا عنكم ولأول مرة في حياتها؛ فمتوقع جدا أن تغضب وتبكي، وترفض الانفصال الوقتي عنكم ولو لساعات؛ فلماذا تلومونها؟!
الوقفة الثالثة:
هي طريقة تعامل المربيات في الحضانة مع إحدى المعارك أو الصراعات الخالدة في حياة الأطفال؛ وهي (معركة أو صراع قضاء الحاجة الخالد)! ولقد تحدثنا عن هذا الأمر في استشارات كثيرة سابقة؛ يمكنكم الرجوع إليها.
ولكننا سنحاول أن نعطيكم لمحات بسيطة ملخصة، ستفيدكم كثيرا، ثم لعلكم تتعاونون في تطبيقها، مع المربيات أو ترشدوهن في لطف وكياسة دون شكوى أو عصبية!.
فما هي الشروط الـ(12)الذهبية لعملية التدريب ولإدارة صراع قضاء الحاجة الخالد؟
1- فهم العمر الطبيعي المتوقع عنده القدرة على التحكم في التبول؛ هو من (2-4) سنوات، فلا يمكن أن نقول إنها مشكلة قبل عمر أربع سنوات، والطفل الطبيعي يتحكم في عملية التبرز مع بلوغه 30 شهرا، وذلك لاكتمال نمو العضلة المسئولة عن التحكم في التبرز في مثل هذه السن. وهناك اختلافات شديدة بين الأطفال فلا تقارن طفلا بطفل، فلكلٍ طبيعته، ولكلٍ ظروفه.
2- الجدية: فلا تؤخذ بتراخي.
3- التعاون: سواء الوالدين بعضهما البعض أو الوالدين مع الطفل، أو كل المحيطين به.
4- الاستمرارية: فلا تقطع لأي طارئ؛ حتى لا تحدث الانتكاسة.
5- الثبات: أي تثبيت وقت التدريب اليومي، وتثبيت موعد ذهابه قبل النوم وتثبيت وقت إيقاظه من النوم للذهاب للحمام، وتثبيت مكان الحمام، وتثبيت مكان نومه؛ فعملية التثبيت كلها تبني ما يعرف بالرابط الذهني؛ وبرد فعل انعكاسي، فيشعر الطفل بالرغبة في الإخراج عند هذا الوقت الثابت والمكان الثابت.
6- الرفق: فلا يعاقب معنويا أو ماديا أو حتى قوليا لأي خطأ، ويكفي حرمانه من المكافأة.
7- الصبر: فلا نفقد الأمل، وعلى الأم أن تبذل قصارى جهدها، ولا تستسلم لرفض الأبناء التدريب.
8- التهيئة الإيجابية: فنحبب إليه مكان التدريب؛ بوضع بعض اللعب المحبَّبة له، وتجلس الأم بجواره مدة بقائه وتحكي له بعض القصص أو تنشد له بعض الأناشيد.
9- الإيجابية: أي إشعار الطفل بمسؤوليته الفردية ودوره الشخصي والهام في التدريب.
10- الدعم والتعزيز الإيجابي: ويقصد بالتدعيم ويقصد بالتدعيم هو أي رسالة قولية أو فعلية تنشئ أو تقوي سلوكا، ويشمل هنا كل الرسائل التربوية اللفظية والحركية؛ المباشرة وغير المباشرة؛ المعنوية والمادية؛ والتي تبني روح المبادرة والإيجابية والتحفيز في نفوس الأطفال، ومكافأتهم على كل مرة يعلنون رغبتهم في قضاء الحاجة.
إن عملية التمرين كأي تدريب على سلوك جديد يحتاج إلى حافز ودافع؛ فيحتاج عند الإنجاز والاستجابة إلى الكثير من التعزيز والتشجيع سواء كان التشجيع معنويا "الابتسامة، التصفيق، الاحتضان، القبلة، مسح الرأس وفرك الشعر، المداعبة والممازحة، الثناء..." أو تشجيعا ماديا: "الهدايا والعطايا، الحلوى، اللعب الصغيرة"
والتعزيز الفعال هو أن يتم في التو ولا يؤجل وإلا أصبح جزاء، فلا تظهر المكافأة إلا في حالة التبول في المكان المخصص لذلك، لخلق رابط عصبي؛ فهذا ينبِّه الطفل وجهازه العصبي، وكأنها ردود فعل انعكاسية.
11- التصميم: إن معركة أو صراع قضاء الحاجة الخالد؛ هو صراع سلوكي لمصلحة الأبناء.
12- الدعاء.
أما المشكلة الكبرى؛ أو بيت القصيد في رسالتكم؛ فهي ليست في تغيير الحضانة أو في كثرة الشكوى من المربين والمدرسين والمشرفين بل هي في الدور الحيوي والهام والمطلوب من البيت والحضانة والمدرسة والنادي وكل من يتعامل مع (ملك) خاصة ومع الأبناء عامة!.
فما هو هذا الدور الحيوي المطلوب؟.
إن ما ننشده دوما من كل المتعاملين مع الأبناء؛ هو التعاون والتواصل والتوافق والمتابعة، وذلك خوفا من بروز أحد الأخطاء الوالدية القاتلة ضد الأبناء؛ ألا وهو (الازدواجية التربوية)!.
ومن الجميل أنني في عدد من الدورات؛ التي ينظمها (مركز ولدي الطبي للأطفال بدمنهور)؛ والتي كانت بعنوان: (أخطائي مع أبنائي)؛ وكان هناك استبيان على هيئة سؤال سري؛ للآباء والأمهات؛ وهو (اذكر أخطر ثلاثة أخطاء ارتكبتها في حق أبنائك)، وكان من بين أخطر وأكثر هذه الأخطاء كما ورد في الإجابات؛ هو هذا الخطأ!.
وإليكم مقتطفات مختصرة حول هذا الخطأ الوالدي التربوي القاتل، كما ورد أثناء الدورة:
بداية، تدبروا معي حديث الذكريات الذي دار بين أنس بن مالك وثابت البناني رضي الله عنهما:
روى ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، قَالَ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ، قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟!. قُلْتُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَةٍ. قَالَتْ: مَا حَاجَتُهُ؟. قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٌّ. قَالَتْ: لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدا. قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ أَحَدا لَحَدَّثْتُكَ يَا ثَابِتُ". [صحيح مسلم ـ كتاب فضائل الصحابة ـ 4533]
وتأمل هذا التناغم والتوافق، بين المؤسسة التربوية وبين المنزل؛ بين دور الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ وهو يرتب برقي أساسيات بناء شخصية هذا الغلام العظيم، رضوان الله عليه، وبين دور الأم رضوان الله عليها؛ وهي تكمل هذه الصياغة التربوية الراقية! وذلك بأن تتأمل قولتها الواعية: "لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدا".
ثم تأمل هذا الخطأ الوالدي القاتل؛ وهو أن يواجه الأبناء تضاربا بين ما يلقاه في البيت وفي باقي المؤسسات الأخرى؛ في التوجيهات، وفي القرارات، وفي طريقة التعامل، وفي التدريب، وفي المعاملة، وفي القيم، و... و... و...
والكارثة أن ينتقل هذا التضارب داخل المنزل؛ على هيئة التناقض في قرارات الوالدين، والكبار عموما أمامهم! فالأم تعطي قرارا، والأب يعطي قرارا! والابن حائرٌ، حائرٌ، حائرٌ؛ لا يعرف أي قرار سينفذ؟ وتبدأ بذور (ظاهرة الانفصام التربوي).
فما هي أبرز مظاهر هذا الخطأ؟!
أو ما هي أخطر صور ظاهرة الانفصام التربوي؟!:
1-الأب يعطي قرارا معينا يخص الأسرة عامة، ثم تأتي الأم لتعطي قرارا مخالفا، والعكس بالعكس!.
2-الأب يعطي جزاء وعقابا للأبناء، ثم تأتي الأم وترفع هذه الجزاءات من خلف ظهره، والأخطر إذا كانت تمارس هذا السلوك سرا!!!.
3-يتفق الوالدان على قرارٍ يخص الأبناء، ثم يأتي الجد ـ أو الجدة ـ لتخالفه، ولو بدعوى الحنان والعطف على الأحفاد، تجاه هذا التعسف الوالدي!.
4-تتفق الأسرة على معايير معينة لتنظم سلوكيات الأبناء، ثم يأتي الأقارب ليكسروها، حتى ولو على سبيل النقد!.
5-أن يواجه الأبناء معايير أو مبادئ أو قيما في المدرسة أو النادي، تتعارض أو تناقض معايير وقيم المنزل والأسرة!.
6-ثم يأتي دور الشارع والآلة الإعلامية الجبارة بكل وسائلها؛ لتهدم قيم الأسرة والمجتمع، بدعوى الجذب والتشويق والتسويق!.
لذا ندعوك لتقارن بين هذه الصور الكريهة المشوهة؛ وبين حالة أنس رضي الله عنه؛ وهو يتلقى زاده التربوي اليومي؛ على يد معلمه صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي دور البيت ليرسخ هذه القيم!.
وتدبر كيف توحي القصة بالملمح التربوي العظيم؛ وهو احتفاظ الغلام الغض بأمر مهمته السرية العظيمة، في صدره، وفي صدره فقط، ثم يموت أنس العظيم، ويدفن معه سره العظيم!!!.
أما عن أبرز الرسائل السلبية لهذه الصور التربوية المشوهة، فعندما يلاحظ الأبناء هذه التناقضات القرارية، ستشعرون عمق هذا الانفصام الأسري الداخلي؛ أو الانفصام التربوي الخارجي بين الأسرة والمدرسة أو الحضانة، أو أي مؤسسة أخرى؛ تترسخ في عقلهم الباطن واللاوعي؛ بعض الرسائل السلبية الخطيرة؛ منها:
1-يا الله؛ أيها الأبناء الأعزاء؛ احذروا فهناك: (ريسان في سفينتنا)!!!؟.
2-وقد يأتي للأبناء هذا الإحساس: (هؤلاء الناس مختلفون؛ فَلِمَ لا ألعب على هذا الاختلاف؛ فأستفيد، وأهرب من أي عقاب؟؟؟!) فأبشروا إن (اختلافهم رحمة)!!!.
ما هي أبرز الأسباب؟:
عندما نتفرس في (ظاهرة الانفصام التربوي)، أو خطأ الازدواجية التربوية؛ يصيبنا العجب، وذلك لأننا نجد أن أسباب وجود هذه الظاهرة؛ في أي مجال لأي تجمع بشري، سواء الأسري أو المؤسسي؛ هي نفس الأسباب، ومن أبرزها:
1- غياب المعايير والقيم والضوابط التي تحكم أي مؤسسة؛ خاصة الأسرة، وهي القيم التي يتفق عليها الجميع للتربية أو للتدريب على سلوك معين.
2-عدم التفاهم: وذلك عندما لا يتفق ولا يتفاهم الجميع على المعايير التي ارتضوها، ويفتقد التواصل والتعاون.
3-غياب الاحترام، فكل طرف يكسر ويخترق ما يفعله الطرف الآخر.
4-عدم الخشية من الله: فالقائم على تربية الأبناء لا يتق الله عز وجل فيما استأمنه عليه من قِبَل الله عز وجل، ثم من قِبَل الوالدين. والأخطر أن تنعدم الخشية عند الوالدين,
5-التخلف الثقافي: وهو أن يعارض الوالدان أو القائمون على تربية الأبناء أساليب التربية الجديدة، ويرفضون حضور أي دورة في تربية الأبناء، أو لا يقرؤون في هذا المجال، أو لا يتساءلون، أو لا ... !!!؟.
ما هو الحل؟!
أو كيف نجيد فن التعامل مع ملك الحبيبة الحائرة من الازدواجية التربوية الجائرة؟
1-المعالجة السببية: ونسميها (حاسبوا أنفسكم)!.
أي على الوالدين العزيزين أن يراجعا الأسباب ويحاولا تصحيح أخطائهما. ثم وبالتعاون لا الشكوى يتم التواصل والفاهم والتنسيق مع مشرفي الحضانة للاتفاق على كيفية معينة للتعامل مع (ملك) الحائرة المشتتة بين طريقتين في التدريب!
وليت هذا التواصل لا ينقطع عند أسوار الحضانة؛ بل يمتد ليتواصل مع كل المؤسسات؛ مثل المدرسة والنادي والمسجد و...
2-الدعاء الخالص:
على كل والد ألا ينسى هذا السلاح الراقي والرائع؛ لحل كل مشاكلنا، وإزاحة كل همومنا، وتفريج كل كروبنا، وتيسير كل مصاعبنا!.
فلِمَ لا نصلي ركعتين في جوف الليل ونناجيه سبحانه؛ بأن يوفقنا في المهمة التي حملنا إياها!.
فمنا العمل ومعالجة الأسباب الأرضية ومنه سبحانه العون بالتوفيق الإلهي.
|