| الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد..
شكر الله لكم، وجزاكم خيرا كثيرا على حبكم لإسلامكم وحرصكم عليه وعملكم به وله..
أخي الحبيب..
الدعوة تربية للنفس.. فإذا أردت أن تزكو بنفسك، فادع غيرك!.
لأن مقومات تنمية النفس هي ذاتها مقومات الدعوة.. فمن دعا وحقق في أثناء دعوته مقوماتها؛ فهو تلقائيا يُصلح نفسه وينميها ويزكيها.. هكذا بكل بساطة!.
أليست الدعوة إلى الله والإسلام تحتاج إلى تواصل مع الله ودعائه، وطلب عونه كما يقول تعالى على لسان نبيه شعيب عليه السلام: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} (الأعراف: 89)؟..
وتحتاج إلى صحبة وتجمع كما يقول تعالى على لسان نبيه موسى عليه السلام: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} (القصص: 34)..
وإلى إرادة وصبر كما يقول تعالى: {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} (الحج: 67)..
وإلى تمسك بالأخلاق واستقامة كما يقول تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} (الشورى: 15)..
وإلى تدرج وتيسير وأمل وتفاؤل كما يقول -صلى الله عليه وسلم-: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" (أخرجه البخاري ومسلم)..
وإلى استمرار وحرص كما يقول تعالى على لسان نبيه نوح عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا} (نوح: 5).
وإلى حكمة كما يقول تعالى: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الأنعام: 108)..
وإلى حوار كما يقول تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125)..
وإلى شرح وتوضيح كما يقول تعالى: {قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} (غافر: 41)..
وإلى تشجيع وترغيب أكثر من الترهيب كما يقول تعالى على لسان نوح عليه السلام: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} (نوح : 5)...
ونحو ذلك من الاحتياجات.
أخي الحبيب..
كذلك النفس تحتاج إلى كل ما سبق تماما؛ فهي مدعو من المدعوين، تحتاج إلى تواصل مع ربها كما يقول تعالى: { وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ} (النور: 21)..
وإلى تعلم للأخلاق الحسنة وتطبيقها كما يقول تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} (البقرة: 129)..
وإلى إرادة لتقاوم الشيطان وتهزمه كما يقول تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} (الشمس: 9)، ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} (النور: 21)..
وإلى شعائر تشحنها لتقوم هي بدفع الجسد نحو كل تصرف حسن كما يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} (البقرة: 153)..
وإلى إنفاق من المال ومن كل شيء كوقت وجهد وفكر وغيره؛ حيث الإنفاق عموما سبب للتزكية كما يفهم من قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (التوبة: 103)..
وإلى صحبة صالحة وأمل وتفاؤل وتشجيع وترغيب أكثر من الترهيب وقبله.. وشرح وتوضيح لها.. وحكمة وحوار معها.. وتعقل وتفكر.. وحرص واستمرار.. وتدرج وتيسير... يقول الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه "فتح الباري" عند شرحه لحديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري حين بعثهما إلى اليمن: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا" (أخرجه البخاري): "وكذلك الإنسان في تدريب نفسه على العمل إذا صدقت إرادته لا يشدد عليها؛ بل يأخذها بالتدرج والتيسير، حتى إذا أنست بحالة ودامت عليها نقلها إلى حال آخر، وزاد عليها أكثر من الأول، حتى يصل إلى قدْر احتمالها، ولا يكلفها بما تعجز عنه"..
فالخلاصة إذن أنَّ الذي يدعو يفعل من الوسائل الدعوية لغيره ما هي نفسها وسائل تربوية لنفسه.. فهو يدعو ويتربى.
أخي الحبيب، الذنب لا يمنع الدعوة..
قال الإمام القرطبي في هذا المعنى عند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} (آل عمران: 21): "ليس من شرط الناهي أن يكون عدلا عند أهل السنة، خلافا للمبتدعة؛ حيث تقول: لا يغيره إلا عدل، وهذا ساقط؛ لأن العدالة محصورة في القليل من الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جاء في الآية عاما في جميع الناس -أي يريد أن يقول: وهل يأمر الله تعالى بشيء لا يمكن إلا لقليل من الناس فقط أن يقدروا عليه ويفعلوه، ثم يقول في الآية: إن الأمر بالقسط على من يستطيع من الناس جميعا؟!!- فإن تشبثوا بقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} وقوله: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ}، ونحوه.. قيل لهم: إنما وقع الذم هاهنا على ارتكاب ما نُهيَ عنه لا على نهيه عن المنكر"..
وقال الإمام ابن كثير مؤكدا هذا أيضا ومضيفا عليه عند تفسيره لقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} (البقرة: 44) : "نبههم على خطئهم في حق أنفسهم؛ حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له.. فكلٌّ من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر ... وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف، وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية؛ فإنه لا حجة لهم فيها، والصحيح أنَّ العالِم يأمر بالمعروف وإنْ لم يفعله وينهى عن المنكر وإنْ ارتكبه".
وذلك لأنه من البديهي ألا ينهى الله تعالى عن نشر الخير! وإنما الذي يُعقل أن ينهى عن معصية ناشره.. فلينشره إذن وليمتنع في أثناء ذلك عن معصيته مع الوقت! إذ ليس بعاقل من يُدخِل الناس جميعا الجنة وينسى نفسه أن يُدخِلها معهم!!
ثم لو كان المطلوب من الآية الكريمة أن ينتظر الداعي حتى لا يكون فيه شيء من خطأ؛ فقد ينتظر طويلا، حتى الموت، ولا يدعو أحدا! لأنَّ كل بشر مُعرَّض لأن يخطئ، والله يعلم عن خلقه هذا ويقبله منهم ويعذرهم عليه ويثيبهم على تصحيحه؛ لأنه خلقهم هكذا لينتفعوا من أخطائهم في مستقبلهم؛ فتقل تدريجيا وتنعدم؛ فيسعدون في الداريْن، ولا يعد هذا أبدا بأي حال كذبا عليه سبحانه أو على النفس والآخرين أو انعدام حياء منه أو منهم.. فمن استسلم لخطئه ولم يعالجه سريعا كما هو مطلوب منه وأعاقه عن دعوته كان مخطئا بحق وبكل تأكيد..
يقول سعيد بن جبير -رضي الله عنه- في ذلك: "لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء؛ ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر" (أخرجه مالك).. وقال الإمام مالك تعليقا على القول: "صدق.. من ذا الذي ليس فيه شيء؟!".
بل إن الدعوة أخي الحبيب تزيح الذنب وآثاره..
ألم يقل الله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (هود: 114)؟!
وألم يقل الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها" (جزء من حديث أخرجه الترمذي)؟!.
وهل هناك حسنة أفضل وأعظم من الدعوة؟! كما أكد ذلك سبحانه في قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت: 33).
فعليك أن تستفيد من الذنب إصرارا على عدم العودة له بعدما ذقت مراراته وتعاساته، وإصرارا على زيادة دعوتك لغيرك حتى لا تعود أنت إليه أو يصير هو له لتسعدوا جميعا.
أخي الحبيب، تربية النفس سهلة.. والدعوة تزيدها سهولة!
لأن النفس أصلا عبارة عن مجموعة من الصفات الحسنة وضعها خالقها في جسد الإنسان من حبه له لتؤهله وتحركه لحسن الانتفاع بالكون حوله والسعادة فيه؛ كالحب والصدق والأمانة والتعاون والسعي وما شابه ذلك، وليس فيها من شر، كما يقول تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} (الشمس: 7).. قال الإمام ابن كثير في تفسيرها: "خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة"، ويقول أيضا: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (التين: 4)، وقال فيها الإمام القرطبي: "عبَّر بعض العلماء بقوله: إن الله خلق آدم على صورته يعني على صفاته.."، وهل من صفات الرحمن الشر؟!.
وكما يؤكده أيضا قول الرسول –صلى الله عليه وسلم- في الحديث المعروف: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (أخرجه مالك)، والذي يُفهم منه أن الأخلاق الطيبة موجودة أصلا من الخالق الودود الكريم!! وما مهمة الرسل والدعاة إلا إظهارها وإنماؤها!! وعلاج ما قد يطرأ عليها من شر ويَدخلها كاستثناء من البيئة حولها إذا استجاب العقل الذي يحركها باختياره لوساوس الشيطان، كما يؤكد ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: "كل مولود يولد على الفطرة، وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (أخرجه البخاري)، وهو مصداق لقوله تعالى: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} (العنكبوت: 38)..
إذن فما معنى التربية إلا التنمية.. أي تنمية ما هو موجود بالفعل بدوام استخدامه، وحسن توجيهه، وإزالة ما قد يشوبه من سوء، والعودة به إلى الأصل بمقاومة ومنع اختراق وساوس الشيطان، الذي خلقه سبحانه ليستفيد منه الإنسان! بألا يستجيب لشره فتقوي إرادته أكثر، فينطلق في الحياة يستكشفها أكثر؛ فيسعد فيها أكثر!! ثم يوم القيامة يسعد أكثر وأكثر إذا كان قد صاحَب كل أعماله الحياتية بنوايا لآخرته.
إننا الآن في عصرنا -أخي الحبيب- نعتبر التربية صعبة!! نعتبر الصدق والأمانة والوفاء والعدل والشورى وغيرها من أخلاق الإسلام الحسنة صعبة! رغم أن الله تعالى يقول: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} (القمر: 22)!! وما ذلك إلا لأن الوسط حولنا أكثره بعيد عنها.. لكن إن أصبح قريبا منها.. أصبح صادقا أمينا وفيا عادلا شوريا... إلخ.. لكان تذكُّر وتمسُّك كل فرد بها سهلا ولا شك، وكانت التربية سهلة بكل بداهة، ولن يعود المجتمع لهذه الصفات إلا بالدعوة!.
إذن فالدعوة ُتسِّهل التربية بطريق غير مباشر.. ثم كيف لا تكون التربية سهلة والله تعالى معنا يؤيدنا كما يقول : {وهو معكم}، والرسول -صلى الله عليه وسلم- معنا بوصاياه يرشدنا كما يقول: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ" (جزء من حديث أخرجه الحاكم وغيره)، والفطرة والعقل معنا لتوجيهنا وتصحيحنا، والدعوة معنا تضمن سلامتنا؟!.. إنه بذلك سيكون كيد الشيطان ضعيفا بكل تأكيد ودون احتياج لقسَم!.
أخي الحبيب..
تمهَّل كثيرا قبل أن تأخذ قرارك؛ فهو ليس بقرار وإنما هو فِرار!..
إن القرار يعني أن يكون إيجابيا بينما الفرار يكون سلبيا..
إن القرار يحقق مصلحة بينما الفرار يحقق مفسدة..
إن القرار يعني الإقدام بينما الفرار يعني التراجع..
إنه يعني النصر بينما الآخر يعني الهزيمة..
إن ماء النهر إذا تحرَّك تجدَّد بينما إذا ركن تعفن... فكن فيما بقي لك من عمر من أصحاب القرار لا الفرار؛ لتثاب لا لتأثم.
وفقك الله وأعانك، ولا تنسنا من صالح دعائك.
استشارات ذوات صلة:
- إيمانيات الدعاة "ملف"
- "أترك الدعوة حتى أنصلح".. فيها تنصلح
- الداعية "المعصوم".. ضرب من الوهم!
- إيماني أم الدعوة؟.. بل الاثنان معا
|