| تقول الأستاذة سعيدة رامضي -داعية وواعظة مغربية-:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبي الرحمة المهداة، وبعد..
أخي الكريم عبد المالك، لقد تأثرنا برسالتك، وأحسسنا من خلالها بمدى الرحمة التي تكنها لقريبك، وغيرتك على دين الله تعالى، نكبر فيك أخي الكريم هذه الخصلة، كما نكبر في قريبك غيرته وحرقته.
ولا بد أخي قبل حمل همّ الدعوة إلى الله من التسلح بالعلم النافع؛ إذ العلم إمام العمل. ولذلك يطلب منا الإلمام بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي رحمته للخلق عامة وتعامله مع أقاربه خاصة، كما يطلب إلينا معرفة مجتمعنا وأحواله والظروف التاريخية التي مرت بها أمتنا؛ لأن البحث عن الدواء يتطلب معرفة الداء.
أولا- نبدأ بالحديث عن هديه -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة إلى الله عز وجل، وهو الذي وصفه الحق سبحانه في محكم التنزيل بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، وأثنى عليه كذلك بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ} (آل عمران: 159).
ويصف لنا سبحانه علاقة المسلمين فيما بينهم بأنهم: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، تكثر بين أيدينا النصوص، لكن السؤال: كيف نفهمها؟ كيف نفسرها؟ كيف نطبقها؟ كيف ننزلها في واقعنا المعيش؟ كيف نأخذ بعين الاعتبار ظروف أمتنا التاريخية وواقعها الاجتماعي؟.
وللإجابة نسوق لك أخي الكريم ولقريبك المحترم هذه الأمثلة الرفيعة على رحمة المصطفى صلى الله عليه وسلم للخلق عامة وذوي رحمه خاصة..
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: هلكت يا رسول الله. قال : وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان. فقال: هل تجد ما تعتق به رقبة؟ قال: لا. قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: هل تجد ما تطعم به ستون مسكينا؟ قال: لا. قال: ثم جلس فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق (مكيال يسع 15 صاعا) فقال: تصدق بهذا. قال: فهل على أفقر منا؟ فما بين لابتيها (لابة: الأرض التي بها حجر أسود، والمراد بين أطراف المدينة) أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجده، وقال: اذهب فأطعمه أهلك" (رواه الجماعة).
وبايع النساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءته عجوز لتبايعه، فشرط عليها وعلى من معها من النساء ألا ينحن على ميت، فقالت العجوز: "يا رسول الله إن ناسا قد أسعدوني على مصائب أصابتني، وإنهم قد أصابتهم مصيبة؛ فأنا أريد أن أسعدهم". قال: "فاذهبي فكافئيهم". فانطلقت فكافأتهم، ثم أتت فبايعته.
مما لا شك فيه أن الإفطار في رمضان من الكبائر، والنياحة مما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الدرس هنا هو: كيف عالج رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأمور؟ رفق نبوي ورحمة وتأنٍّ! ما أحوج وعاظ عصرنا للتحلي بها والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
مثال آخر نسوقه بين يديك هذه المرة من خلق آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ نبسط بين يديك قصة سيدنا الحسن وسيدنا الحسين سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حينما رأيا -وهما طفلان- رجلا لا يحسن الوضوء، فاتفق على طريقة لطيفة لكي لا يجرحا كبرياء الرجل، قالا له: "يا عم، يزعم هذا أنه يحسن الوضوء، وأني لا أحسن؛ فنرجوك أن تنظر إلينا وأن تحكم بيننا؟"، فتوضأ أمامه أحسن ما يكون الوضوء، وفهم الرجل وقال: "يا بني أنا عمكم الجاهل لا أنتما".
نتعلم من هذه المشهد الرفيع أن التعليم يكون بالرفق ومن طرف خفي، بالمثال والتذكير العام.
ونمر بك سيدي على عصر التجديد لنقف مع مجدد القرن الأول والخليفة الخامس سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه؛ حيث كان يريد أن يصلح شأن أمته، ويرفع عنها ظلم بني عمه ملوك بني أمية، ويستحثه ابنه الصالح عبد الملك للإسراع في الإصلاح، قائلا: "مالك يا أبت لا تنفذ الأمور؟؛ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبيك في الحق". فيجيب قائلا: "لا تعجل يا بني؛ فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدَعوه جملة فيكون ذا فتنة.
فسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يريد الإصلاح وإشاعة المعروف وأبطال المنكر، لكنه لا يستعجل ويتريث لأن الحكمة والتدرج والصبر والمداراة شروط ضرورية لنجاح الداعية في دعوته والواعظ في مهمته .
ثانيا- أما عن خلقه صلى الله عليه وسلم مع ذوي رحمه وخصوصا الأطفال منهم؛ فيكفينا نبراسا نستنير به ما روى الشيخان وأصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَبَّلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التيمي، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قَبَّلت منهم أحدا. فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "من لا يَرحم لا يُرحم". وعند الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حاملا الحسن بن علي على عاتقه، فقال الرجل: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ونعم الراكب هو".
لنتمعن أخي الكريم كيف يشمل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أحفاده بهذا الحب وهذه الرحمة وهذا الود؛ فبالتأكيد سيبادله أحفاده نفس الحب، ويقدرونه نفس التقدير، ومن ثم يقتدون به في أفعاله وأقواله.
وفي ديننا الحنيف فسحة ومجال للهو والمزاح ليس للصغار فقط بل للكبار كذلك ما لم تلهنا عن ذكر الله عامة وعن الصلاة في وقتها خاصة. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوصي صحابته بتعليم أبنائهم السباحة والرماية وركوب الخيل. أفلا نتخذ هذا التوجيه قياسا للعب الأطفال عامة بكل الوسائل التي تزيد الجسم قوة والعقل تفتحا والجوارح استقامة؟؟
وفي ديننا كذلك مجال للتأديب والتعزير لكن بنفس الرحمة ومن غير تجاوز الحدود الشرعية للغضب لله واستحضار لقاء الله والحضور بين يديه.
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم تغضبه جارية له ذات مرة فيقول لها: "لولا القَوَد (مخافة العقاب عندما يقاد الناس بالنواصي) لأوجعتك بهذا السواك". سبحان الله رسول الله صلى الله عليه يلوح بالعقاب بالسواك! درس آخر في التربية والحلم نستفيده. فديننا الحنيف ينبذ العنف والتعسير ويدعو إلى الرفق والتبشير.
روى الشيخان والترمذي عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله" وفي رواية للبخاري: "عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش".
ولما نزل قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} خرج مسرعا عند سيدنا معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري، وقد كان يستعدان للسفر إلى اليمن، فقال لهما: "على رسلكما، يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا"، ومن التيسير ما ذكره الله تعالى في سورة البقرة أن: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة: 256). وأمره سبحانه لسيدنا موسى وأخيه هارون عندما أرسلهما إلى فرعون: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه: 44)، ولبث سيدنا نوح ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو قومه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا
7.وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ * َأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا} (نوح: 5-12) دعوة بالليل والنهار، بالإعلان والإسرار، بالترغيب والترهيب، تنويع لأساليب الدعوة وأشكالها من غير ضجر أو اشمئزاز بل صبر ومصابرة واحتساب.
وللمزيد من هذه المواقف الرائعة أحيلك أخي الكريم على ما كتبه الدعاة في هذا الباب وهو كثير، وأخص بالذكر ما كتبه الدكتور يوسف القرضاوي (خاصة أن قريبك من المعجبين به) في فقه الدعوة والتيسير وتجنب التطرف والغلو.
ذكرنا في المقدمة أن العلم إمام العمل، وهذا هو العلم.. فما العمل؟
مجموع النصوص السالفة الذكر تعطينا مواصفات المؤمن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، تعطينا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس وبالأشياء، لكن السؤال: من أين تكتسب هذه الخصال؟ وكيف؟
أحيلك أخي الكريم على كلام للأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه "الإحسان" إذ يقول:"علاقة العبد بربه تكون إحسانية إن حافظ على ذكره لا يفتر عن مراقبته وخشيته ورجائه ودعائه ومناجاته، بهذا الإحسان في عبادة ربه يطيب قلبه، وتجمل أخلاقه، وتصلح نواياه؛ فيكون للخلق رحمة يعم نفعه العالم الأقرب فالأقرب، ونفعه للمجتمع وللناس كافة (وهذا بيت القصيد) لا يتوقف على حسن النية وجمال القصد والإسراع إلى الفعل فقط (وهي صفات ذكرتها في وصفك لقريبك) بل يتوقف أيضا وبالمكانة المؤكدة على خبرته ومهارته وقدرته على إتقان ما هو موكول إليه من أعمال".
فمن أين لنا بهذه الرحمة وهذا الإتقان؟
نقترح عليك أخي الكريم ما يلي:
1- اختر لقريبك رفقة صالحة مناسبة له ولعمره، وحاول تقريبهن منه وتقريبه منهم؛ فـ"الطبع من الطبع يسترق" كما تقول العرب، وفي حديث الجليس الصالح وجليس السوء تأكيد لذلك.
2- اصحبه لمحضن تربوي يتمرس فيه على هذه المعاني ويتدرب؛ فالكتب والأشرطة وحدها لا تفي بالغرض.
3- إن للقلب إشعاعا واضحا وأثرا بينا على الجوارح كلها؛ فهو أمير الجسد كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ثوبان، الذي نقتطف منه قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب"، وإنما تصلح هذه المضغة بذكر الله والدوام عليه وقرع بابه، والانكسار بين يديه؛ فصفات الرحمة والرفق واللين والخلق الحسن أرزاق يهبها الله لمن طرق الباب وتاب وأناب، ولما انتبه القلب استجاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} (الأنفال: 24)، نعوذ بالله.
4- إن الأمر مداومة وطول نفَس، وهذا يتطلب أول ما يتطلب صدقا وإخلاصا لله ينأيان بالداعية عن رد فعل غضبي أو تشنج أو تجهم إذا لم يستجب لدعوته مدعو، وإذا لم ينتصح لنصحه مخاطب.
5- وبخصوص موقع قريبك في قلوب العائلة ونظرتهم إليه حاول جهدك أن تفهمهم حسن نيته وجمال قصده حتى يتسنى لهم احتضانه والصبر عليه.
6- حببه إلى أطفال العائلة وحببهم إليه؛ بالزيارة والاستزارة، والهدية والكلمة الحانية المشجعة الرفيقة.
7- اعلم أخي الكريم -وما إخالك تغفل ذلك- أن الله هو الفاعل المختار سبحانه، هو المتصرف في الكون، بيده قلوب العباد يقلبها كيف يشاء. لذا يطلب إلينا الاستعانة بالدعاء خاصة بظهر الغيب وفي الأوقات التي هي مظنة استجابة الدعاء، وبالأخص هذا الشهر المبارك، شهر رمضان شهر المغفرة والقرب واستجابة الدعاء. فقد قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: "الدعاء مخ العبادة" (سنن الترمذي)؛ بل: "الدعاء هو العبادة" (مسند الإمام أحمد) كما في حديث آخر.
أسأل الله أن يشرح للخير صدورنا، وأن يفتح مغاليق قلوبنا لذكره، وأن يرزقنا رحمة في قلوبنا، وحكمة في عقولنا، واستقامة في جوارحنا، وأن يبلغنا أعلى الدرجات أفرادا، وأن يرزقنا التمكين والنصر أمة.
ووفقكم الله لكل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
روابط ذات صلة:
- كيف تنفر الناس من الإسلام؟
- الصبر والقدوة لعلاج الغلظة والجفوة
- ترقيق الطباع بالرغبة والإقناع
- قواعد في الدعوة إلى الله
|