يقول الأستاذ وجيه كمال الدين زكي -الباحث الشرعي، والداعية المصري-:
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله تعالى إليك أيها الأخ الحبيب الغيور على إسلامك ودعوتك، وأظنك -والله حسيبك- أنك مخلص، ومن أمارات إخلاصك سؤالك عما يتحرج غيرك من السؤال عنه رغبة في صيانة نفسك ودينك ودعوتك؛ فأسأل الله أن يشملك برعايته ورحمته، وأن تنالك دعوة السيدة عائشة -رضي الله عنها- حيث دعت بالرحمة لمن سأل ليتفقه في دينه، فقالت: "رحم الله نساء الأنصار؛ لم يمنعهن الحياء أن يسألن عن أمر دينهن" (التمهيد لابن عبد البر)؛ فأسأل الله تعالى أن يتغمدني وإياك برحمته.
بداية.. أحب أن أنبهك إلى أمر هام ذكرته في رسالتك، وهو عدم بوحك بما تراه معصية لغيرك، وهو أمر دعا إليه الشارع الحكيم، وبشر صاحبه بالعفو؛ فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه" (أخرجه البخاري في صحيحه)؛ فحري بمن ضعفت نفسه فغلبته وعصى الله عز وجل أن يجاهدها ما استطاع مع اتخاذ الوسائل المختلفة لقمعها، ولا يتحدث بأمره امتثالا للشارع الحكيم الذي أراد أن لا تهون المعاصي في نفوس الضعفاء حينما يسهل الحديث عنها بذكر العاصين لمعصيتهم أمام الناس استهانة أو تفاخرا أو استسهالا... إلخ.
وتخيل لو جلس قدوة بالنسبة للناس في مجلس، فذكر أنه يفعل كذا وكذا.. إذن لاستهان الناس، وفعلوا مثل ما يفعل؛ فحمل وزره وأوزارهم {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ} (النحل: 25).
ولذلك أخي الحبيب أبشرك بالبشرى الواردة في الحديث؛ وهي أن الله تعالى سيعافيك ما دمت ساترا لنفسك عاملا على مجاهدتها ما استطعت.
العادة السرية في ميزان الفقه
بالنسبة للعادة السرية وهي الاستمناء فعامة العلماء على تحريمه إلا أنه ليس هناك إجماع على ذلك، قال القرطبي: "أحمد بن حنبل على ورعه يجوزه" (الجامع لأحكام القرآن)، ومرد هذا الكلام أنه ليس هناك نص قاطع الدلالة على تحريم هذه العادة، وقد أخرج البيهقي عن أبي الزبير عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن غلاما أتاه، فجعل القوم يقومون والغلام جالس، فقال له بعض القوم: قم يا غلام. فقال ابن عباس رضي الله عنهما: دعوه، شيءٌ ما أجلسه، فلما خلا قال: يا ابن عباس، إني غلام شاب، أجد غلمة شديدة (هَيَجان شَهْوة النِّكاح من المرأة والرجُل وغَيرهما)، فأدلك ذكري حتى أنزل. فقال ابن عباس: خير من الزنا، ونكاحُ الأمة خير منه" (أخرجه البيهقي في سننه الكبرى)، وهو ما حدا بالبعض إلى الإفتاء بجواز ذلك.
وعدم الإجماع ينزل بالأمر من درجة المنكر (أي الحرام) إلى المكروه.
ومع ذلك فلو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها، يقول القرطبي: "الاستمناء ضعيف في الدليل، عارٌ بالرجل الدنيء؛ فكيف بالرجل الكبير" (الجامع لأحكام القرآن).
ولذلك فإنني أرى أنه ينبغي الابتعاد عن هذا الأمر لعدة أشياء:
1- أنه اتقاء للشبهات استبراءً للدين والعرض.
2- أنه أمر لا يليق بذي المروءة فكيف بصاحب دعوة سامية أن يشغل نفسه بذلك.
وللمزيد حول هذا الأمر يمكنك الاطلاع على الفتاوى التالية:
- العادة السرية : حكمها وأضرارها وكيفية علاجها
- رأي القرضاوي في العادة السرية
- العادة السرية
- التفكير في العادة السرية
بين العادة السرية والدعوة
لا يمنعك هذا الأمر من عملك الدعوي، فربما اشتبه على إنسان قول الله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (البقرة: 44) فقعد عن العمل؛ لأنه يرى نفسه مقصرا في أمر ما، فيخاف أن يكون ممن يأمر الناس بالبر وينسى نفسه؛ فيقعد، وهذه شبهة خطيرة تلتبس على بعض الدعاة وربما أقعدتهم عن العمل.
وأنبه إلى أن فهم الآية بهذه الطريقة خاطئ؛ فاللوم في الآية عن نسيان النفس لا عن أمر الناس بالبر، وهذا إنكار على مَن يخالف فعلُه قولَه، وأمر الناس بالبر مطلب شرعي لا جدال فيه {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي...} (يوسف: 108)، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "بلغوا عني ولو آية" (أخرجه البخاري)؛ فمن قعد عن العمل تحت هذه الشبهة فقد أضاف إلى تقصيره تقصيرا آخر؛ وهو القعود عن مطلب شرعي وهو الدعوة إلى الله تعالى.
فأنصحك أخي الحبيب بالاستمرار في عملك ودعوتك، وعدم القعود بسبب ما تراه معصية، ولتحتسب عند الله تعالى أن يعينك الله عن الانتهاء عما تفعل بما تقدم من عمل صالح، وذلك من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} (محمد: 17)، والدعوة إلى دين الله تعالى هو نوع من الهداية، والهداية نوعان: هداية بيان وهداية توفيق؛ فأنت حينما تبين للناس فأنت تلتمس الهداية بذلك، فلتحتسب عند الله تعالى زيادة الهدى بالانتهاء عن المعاصي، فلا تتوقف أخي عن دعوتك والله يعينك.
فلتعلُ بهمتك عن الدنايا
وأقول لك أخي الحبيب: إن صاحب الدعوة إذا انشغل بدعوته فلن يبقى له وقت للمثيرات التي تدفعه للجوء إلى هذه العادة، ولذلك فمن وسائل العلاج من هذا الأمر الانشغال بفكرك وقلبك وعاطفتك في دعوتك، ولتتفكر في أحوال الأمة وما تتعرض له من نكبات، ولتتفكر في قوافل الشهداء ومنظر الدماء والأشلاء.. وتذكر البؤساء من قومك وأصحاب النكبات.. وماذا يجب عليك تجاههم...
أظن أنك لن تجد وقتا لتستمتع بما تفعل، ولاندفعت بكليتك إلى العمل لرفع هذه النكبات التي تحل بالأمة.
وأنت قادر على ذلك إن شاء الله تعالى؛ فإخلاصك وسؤالك ينم عن رغبة عميقة وعزيمة قوية للتخلص من ذلك والله يعينك.. وأقدم لك بعض المعينات الأخرى مثل:
1- المسارعة بالزواج؛ فقد ذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه "أغض للبصر وأحصن للفرج" (أخرجه البخاري).
2- الصحبة الصالحة وعدم الانفراد بالنفس، كما أوصى بذلك الحبيب -صلى الله عليه وسلم- فـ"الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد" (أخرجه الحاكم في المستدرك)، وعن عطاء قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر الرجل وحده، وأن يبيت في بيت وحده" (أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه)، وعن أبي جعفر قال: "لا تبيتن في بيت وحدك؛ فإن الشيطان أشد ما يكون بك ولوعا" (أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه).
3- غض البصر {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } (النور: 30)، والنظر هو البداية..
كل الحوادث مبداها من النظر *** كم نظرة فعلت في قلب صاحبها
ومعظم النار من مستصغر الشرر *** فعل السهام بلا قوس ولا وتر
وإذا تركت النظر أبدلك الله إيمانا تجد حلاوته في قلبك يعوضك عن هذه اللذة التي تجدها فيما تفعل.. قال -صلى الله عليه وسلم-: "النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه" (أخرجه الطبراني في الكبير).
4- ومن ذلك البعد عن المثيرات بكافة أنواعها.
5- ومن ذلك الدعاء لله تعالى أن يعينك، وتذكر أن من تاقت نفسه إلى الزنا كان علاجه الدعاء؛ فقد أتى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- غلامٌ شاب، فقال: يا رسول الله ائذن لي في الزنا. فصاح به الناس، وقالوا: مه (اسم فعل أمر بمعنى: اكفف أو اسكت)، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ذروه، ادن. فدنا حتى جلس بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: أتحبه لأمك؟ قال: لا. قال: فكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم. أتحبه لابنتك؟ قال: لا. قال: وكذلك الناس لا يحبونه لبنانهم. أتحبه لأختك؟ قال: لا. قال: فكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم. أتحبه لعمتك؟ قال: لا. قال: فكذلك الناس لا يحبونه لعماتهم. أتحبه لخالتك؟ قال: لا. قال: وكذلك الناس لا يحبونه لخالاتهم. فاكره لهم ما تكره لنفسك، وأحب لهم ما تحب لنفسك. فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يطهر قلبي. فوضع النبي -صلى الله عليه وسلم- يده على صدره، فقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه. قال: فلم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيء" (أخرجه أحمد في مسنده، والطبراني في الكبير، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: إسناده حسن).
6- اشغل نفسك بما هو نافع مفيد كما ذكرت لك آنفا؛ فنفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
وفي النهاية أذكرك يا حبيب بأن صاحب الهم لا وقت لديه ليستمتع حتى بالحلال.
وأنصحك بالاطلاع على الروابط التالية:
- استمنائي وتفريطي.. ما زلتَ قادرا
- أنا والشهوة.. المقاومة لا الاستسلام
- برنامج مقاومة "إدمان العادة السرية"
- الاستغناء عن الاستمناء
|