الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
شكر الله لكم، وجزاكم الله خيرا كثيرا على حبكم لإسلامكم، وحرصكم عليه، وعملكم به وله.
أخي الحبيب، ضيق أفق الداعي هو تضييق للدعوة، وسعته سعة لها.
والمقصود بضيق أفقه أن يقتصر مثلا بالدعوة على المسجد فقط لأنه أطهر بقاع الأرض، أو على الخطب والمواعظ والكلمات لأن الخطباء يفعلونها، أو أن يبدأ دائما الدعوة بالحديث عن الصلاة لأنها عماد الدين!
أو أن يستخدم الترهيب أكثر من الترغيب أو التيئيس أكثر من التشجيع أو الشدة أكثر من الشفقة؛ لأنه يرى أن المدعوين لا يستحقون إلا ذلك! أو يتعجل ولا يصبر أكثر مما يتدرج، أو يقاطعهم أكثر مما يخالطهم؛ لأنهم فسقة!
أو لا يتحاور معهم بل يملي عليهم أوامره، فهو الأعلى وهم الأدنى! أو يحتكر الدعوة ويقصرها عليه وعلى العلماء ولا يحملهم إياها بما يناسبهم، فهم ليسوا أهلا لها! أو يقتصر على دعوة الرجال دون النساء بضوابطها، أو الشباب دون الشيوخ والأطفال، أو رواد المسجد دون سائر أهل الحي ودون الجيران والأقارب والزملاء والأصحاب!
أو يتصلب ويأخذ برأي واحد وهو الصواب، وما دونه من آراء سواء فقهية أو حتى خبرات حياتية صحيحة فهو وضعي من عند البشر خاطئ! أو يتقوقع وينعزل ويتجنب مَن حوله؛ لأن طعامهم شبهة وأعمالهم بدعة وأزياءهم تشبه بالكفار! أو يقدم سنة على فرض، أو الفرض الذي على التراخي على فرض الوقت، دون مراعاة لترتيب الأولويات، أو يتشنج ويتوتر ويتجهم عند التعامل مع الآخرين؛ لأن في تعاملاتهم انزلاقا وتنازلا وتهاونا.
أو ما شابه ذلك من تصرفات بعض الدعاة الصلبة غير المرنة، والتي غالبا ما تنفر أكثر مما تحبب، وتضر أكثر مما تنفع، وتتعس الداعي والمدعوين بإسلامهم أكثر مما تسعدهم به!.
أخي الحبيب، إن أهم أسباب هذا الداء ما يلي:
* العقل، فهو يخشى من كل آخر؛ خوفا أن يكون سببا في تفريطه في الدين.
* البيت، فلا رأي فيه إلا للأب أو للأم أو حتى لهما معا، لكن لا رأي للأبناء؛ فينشئون بل بكل تأكيد لا رأي لهم!.
* المدرسة، فلا رأي في الفصل إلا للمدرس إن كان له رأي هو الآخر غير رأي الناظر، الذي بدوره يكون رأيه هو رأي الوزارة في الغالب.
* الجامعة، فلا رأي في المدرج إلا للأستاذ إن كان له رأي غير رأي رئيس الجامعة، والذي رأيه كثيرا ما يكون هو رأي الوزير.
* العمل، فلا رأي إلا للمدير، والمبتكر متهور، والمتسائل غبي، والمفكر عنيد.. فرأي المسئول إذن هو دائما الصواب.
* المجتمع، كثيره سلبي.. مستسلم لا رأي له، والمسئول هو وحده المحرك الذي يعرف الحق وعليه يسير على الدوام، والمتمسك فيه بدينه حتى ولو في نفسه فقط يعد غريبا متعصبا! وإن أراد أن يكون في موقع مسئولية يديرها بقوانين وأخلاق الإسلام التي تربى عليها منذ صغره فهو إرهابي لا بد من محاكمته!.. فما ظنك بمجتمع كهذا؟! إنه ولا بد سيفرز جيلا غالبه ضيق الأفق.
* الدعاة، فهم يربون عموم الناس ودعاة المستقبل من بعدهم، وينصحونهم بمثل ما هم فيه وعليه.. فكر واحد، وإلا يكون قد انحرف عن الصراط المستقيم.
* الخوف من الغير أن يفتنوه ويبعدوه عن دينه.. فكلهم أو معظمهم غير آمنين لا ثقة فيهم.
* الحرص على الإسلام أن يصيبه أي تحريف بسبب أي تجديد في أسلوب عرضه لا فيه.
* الراحة، فالانعزال خاصة عن غير رواد المساجد أكثر راحة وأمانا في الدعوة.
* الخبرة، فلا احتكاك بآخرين حتى لا يصاب بأمراضهم، فالوقاية خير من العلاج كما هو معروف.
* العلم، فعلم الشرع وحده يكفي لإدارة الحياة دون العلوم الدنيوية.
* العشوائية، فالتخطيط معوق، والبركة ستجبر أي تقصير.
أخي الحبيب، إن الدواء هو فعل عكس الداء السابق ذكره.. وأهمه:
1- الفهم الصحيح:
فهم أن الدعوة ليست في المسجد فقط، وإنما في كل مكان ممكن: في البيت ومع الأهل والجيران والأقارب والأصحاب وأهل الحي وزملاء العمل على مسار الحياة كلها كما يقول تعالى: (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي الناسِ) [الأنعام: 122].
وأنها ليست بالخطب والمواعظ فقط بل بالقدوة والموقف والخدمة والزيارة والمشاركة في الأفراح والأحزان، كما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.. وباستخدام الأشرطة والكتيبات والمجلات والمحمول والإنترنت والفضائيات وكل ما يستحدث وينفع.
وأنها ليست حكرا على العلماء وحدهم، وإنما كل فرد بما يستطيعه كما وسعها ربنا في قوله: (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ) [الأحقاف: 31].
وأنها للجميع: رجالهم ونسائهم كما يفهم من قوله: "يا قومنا" بمراعاة الضوابط الشرعية كغض البصر وعدم الخلوة واختيار الكلام المناسب.
وأنها ليست بالضرورة أن تبدأ بالكلام عن الصلاة رغم أهميتها، ولكن كما علمنا أسلوب القرآن بتحليل شخصيات المدعوين، والتعرف عليهم، ومعرفة أهم المداخل للتأثير في قلوبهم، وزرع الحب والثقة بينهم وبين داعيهم، وربطهم بربهم، ومخاطبة ومعاملة كل منهم على حسب أحواله وظروفه وإمكاناته ومفاهيمه وثقافاته وبيئته المحيطة به.
وأنها بالتشجيع أفضل من التيئيس، وبالترغيب أقوى من الترهيب، وبالرفق أعظم من الغلظة، وبالتدرج أنسب من التعجل، وبالحوار ألطف من الأوامر، وبالصبر أجمل من الانفعال، وبالمخالطة المنضبطة أشد من المقاطعة السلبية، وبالأمل والتفاؤل أنفع من التشاؤم..
وأن الإسلام كله يحتمل أكثر من رأي - إلا المجمع على تحريمه فليس فيه إلا رأي واحد - كما يقول تعالى مثلا سامحا بالحجاب أو النقاب: (وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُن إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) [النور: 31] حتى يأخذ كل فرد بما يناسبه، ويناسب ظروفه وأحواله وبيئته فيسعد.
وأن ليس كل جديد بدعة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "الحكمة ضالة المؤمن" روه الترمذي، وليس كل تشبه بالخير الذي عند الغير ولا كل تصرف شبهة أو حراما كما رهن الرسول صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي في مقابل شعير يأكله، وهو يعلم أن ماله فيه شبهة يختلط حلاله بحرامه؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة كما يقول تعالى: (هُوَ الذِي خَلَقَ لَكُم ما فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) [البقرة: 29]، والاستثناء هو المنع لما يضر ويتعس.
وأن التخطيط وترتيب الأولويات هو أصل دعوي لا تسير الدعوة بدونه، كما هو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، الذين خططوا للتربية وللتخصص ليقودوا الدنيا بقوانين الإسلام ليَسعدوا ويُسعدوا، وحققوا بالفعل ما أرادوا.
وهذا الفهم الصحيح يتأتى بالقراءة والاطلاع، ومعايشة الفاهمين الواعين وسؤالهم، ومتابعة الواقع، وهو ما يعين على تغيير كثير من المفاهيم وأساليب التفكير.
2- القدوة الحسنة:
قدوة الوالدين مع أبنائهم في البيوت، والمدرسين مع تلاميذهم في المدارس، والأساتذة مع طلابهم في الجامعات، والمسئولين مع مرؤوسيهم، وكل داع مع مدعويه.. يكون كل هؤلاء قدوة فيما سبق ذكره في بند الفهم.. فإذا ما كانوا كذلك، فلا بد أن ينشأ نشؤهم أيضا كذلك.
كما كان الصحابة مثل الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه - وكان حديث عهد بالإسلام - قال: بينا نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه.. ما شأنكم تنظرون إلي؟، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتوني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، والله ما قهرني، ولا شتمني، ولا ضربني، وإنما قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس هذا، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن..." رواه أحمد.
فلقد تعلموا منه صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف وحده الحوار، وسعة الصدر، والصبر، والرفق، وعدم التوتر عند حل المشكلات، بل حلها ببساطة، والتدرج في الأخذ بيد المخطئ حتى ينصلح، والتيسير لا التعسير، والتفاؤل في تحقيق النتائج لا التشاؤم.
3- العلم الواسع:
فكلما ازداد العلم وتعددت الآراء كان هناك أكثر من رأي في التعامل مع كل موقف، وكلما اتسع الأفق، وكلما ازداد عدد المتعاملين بهذا الإسلام المرن الشامل وانتشر وساد.
يقول صلى الله عليه وسلم: "أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله" رواه البخاري، وقد قاله لبعض الصحابة لما تحرج بعضهم أن يأكل من غنم كانت أجرا لأحدهم، قام برقية ملدوغ والدعاء له بقراءة الفاتحة فقال لهم: ".. وما يدريك أنها رقية؟! قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهما".. وضحك. رواه البخاري.
فقد تعلموا منه صلى الله عليه وسلم هنا أنه أحيانا يظن الداعي أن الأمر شبهة وهو ليس هكذا، كأن يأكل مثلا عند جاره أو صديقه أو زميله أو مضيفه، وليس عليه أن يسأل عن مصدر ماله إلا ما يظهر له، ويتأكد دون أي شك أنه حرام.
4- الخبرة الواعية:
فخبرات الحياة تضيف بكل تأكيد سعة في التصرف وقدرة على إحسانه، يقول تعالى على لسان هارون مبررا هدفه من انتظار عودة موسى عليهما السلام رغم ارتداد بعض قومه عن بعض دينهم: (إِني خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) [طه: 94].
قال الإمام القرطبي في هذه الآية: "أي خشيت أن أخرج وأتركهم، وقد أمرتني أن أخرج معهم، فلو خرجت لاتبعني قوم ولتخلف مع العجل قوم، وربما أدى الأمر إلى سفك الدماء، وخشيت إن زجرتهم أن يقع قتال.."، فخبرة هارون عليه السلام بأحوال قومه وواقعهم جعلته يحسن التصرف معهم.
5- التدريب العملي:
من خلال الدورات التدريبية التي لا بد أن يتبعها ممارسات عملية، فلقد جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابة على صلاة القيام في رمضان ليدربهم ويشجعهم عليها، رغم أنهم لم يتجمعوا لها في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وعاجلهم بقوله: "نعم البدعة هذه" رواه البخاري؛ توسيعا لفقههم وأفقهم وأسلوب تفكيرهم، فإن كنتم تظنون أني مبتدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذن فهي بدعة، ولكنها حسنة.
6- التخطيط المتقن:
فمعرفة وتحديد الأهداف المراد الوصول إليها، ووسائلها، ومن سيقوم بها، ومواقيتها، وميزانياتها.. كل ذلك - ولا شك - يوسع الأفق، ويدفع للتعاون مع الآخرين لإنجازها.. ولعل في قصة هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ودقة تخطيطه لها واستعانته بغير مسلم لدلالته على طريق آمن خير دليل على ذلك.
7- الانفتاح على الآخرين:
بالتواصل مع الجميع، والحوار معهم، والاستفادة من آرائهم واقتراحاتهم وخبراتهم.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم منبها لهذا عند حديثه عن "حلف الفضول" الذي كان قبل الإسلام، وكان أعضاؤه من الفضلاء، وكان ينص على نصرة الضعفاء والمظلومين: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت" [سيرة ابن إسحاق].
فكل ما ينفع من مسلمين أو غيرهم يسعى إليه المسلم، لينتفع ويسعد به، وينفع ويسعد من حوله.. ولا شك أن استخدام وسائل الاتصال الحديثة يعين كثيرا في هذا.
8- الصحبة الصالحة:
فهي بصلاحها ووعيها تعين على كل ما سبق، إذ هي تؤثر بخيرها في غيرها، وتتأثر بخيرهم، وتغير شرهم.
بهذا كله - أخي الحبيب - يتسع الأفق، وينجح الداعي، وتنتشر الدعوة، ويكثر الخير، وتعم السعادة، ويزداد الثواب.
وفقكم الله وأعانكم، ولا تنسونا من صالح دعائكم.
|