السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
الأخت الفاضلة..
أسأل الله عز وجل أن يعينكم في هذه الظروف العصيبة والتاريخية؛ ولا نملك لكم إلا الدعاء، ومحاولة معاونتكم على تربية أبنائكم.
تعجبت عندما راجعت بياناتك ووجدت أن الصغيرة الغالية ذات الأشهر الأربعة تصفينها بأنها عنيدة وترد على المعلمة وأنها تخاف عندما تضربينها، فلا أدري كيف ذلك؟ ولكنني عذرتك؛ ولعلك قصدت ابنة أخرى غيرها!.
لهذا سأحدثك عن العناد عند الأطفال:
ولعله من القضايا والموضوعات التي شرحناها من حيث الأسباب والوقاية والعلاج في استشارات سابقة يمكنك الرجوع إليها بالتفصيل. ولكن سأذكرك ببعض الملاحظات حول هذا السلوك عند الأبناء باختصار؛ حتى لا نكرر أنفسنا:
(1) إن أي سلوك غير سوي عند الأطفال قد يكون مجرد سلوك طبيعي لمن هم في مثل سن ابنتك؛ أي قد يكون سمة وصفة لمرحلتها العمرية إن نحن درسناها وفهمناها، لهذا يجب أن نراجع معرفتنا بطبيعة سن الأبناء.
(2) إن أي سلوك غير سوي عند الأطفال قد يكون مجرد رسالة رفض أو تمرد ضد خلل تربوي والدي أو بيئي يواجهونه؛ لهذا يجب أن نراجع أنفسنا؛ فقد تكون سلوكيات أبنائنا مجرد رد فعل لأخطائنا التربوية معهم.
(3) إن أي سلوك غير سوي عند الأطفال قد يكون مجرد مخرج للهروب من واقع نفسي أو أسري أو بيئي يواجهونه؛ لذا يجب علينا أن نحاول تنشئتهم في بيئة طبيعية سوية بعيدة عن مشاكلنا.
(4) إن أي سلوك غير سوي عند الأطفال قد يكون مجرد طريقة أو وسيلة دفاعية تجاه تعامل الآخر معه، والحل هو أن نواجه أنفسنا قبل أن نلومهم؛ فقد تكون سلوكياتهم ثمرة لتعاملنا غير السوي معهم.
(5) إن أي سلوك غير سوي عند الأطفال قد يكون مجرد سلاح هجومي ضد تعامل الآخر معهم، والمطلوب هنا هو أن نبحث عن أصل المشكلة؛ فقد يكون عنادهم مجرد رسالة لنا!.
أما عن أبرز أسباب العناد عند الأبناء:
(1) خلل في علاقة الوالدين بعضهما البعض (مثل: الصراع والتناحر ـ الخلافات الأسرية ـ تضارب أوامر الأم مع أوامر الأب).
(2) خلل في علاقة الوالدين بالأبناء وطريقة تعاملهما معهم (مثل: التعسف في المعاملة والسلطوية ـ الحماية الزائدة للأبناء والتخل في كل شئونهم ـ التدليل الزائد ـ الجدال ـ السب والشتم والصراخ ـ عدم الحوار ـ كثرة التهديد ـ الانفعال الشديد والغضب ـ عدم التسوية وغياب العدل).
(3) طبيعة السن والمرحلة التي يمرون بها.
(4) ردة فعل الطفل للمؤثرات الوالدية والبيئية (مثل: محاولة لفت الانتباه لطلب الحافز والتقدير ـ الرغبة في الحرية ورفض مظلة الوالدين الخانقة ـ الانتقام والتشفي ـ توتر الطفل ـ لشعور بالحرمان العاطفي داخل الأسرة ـ الأمراض الجسمية والوراثية ـ محاولة إثبات الذات ـ الرفض المقنع).
ولكي نقي أبناءنا من العناد فمن المهم جدا ألا تنفعلوا أمام أبنائكم، وأن تحاولوا إشباع حاجاتهم الفسيولوجية، كما أن الإسراف في التدليل والقسوة قد يكون سببا آخر للعناد. ومن المهم أيضا أن تتجنبوا السلطوية الوالدية وأن تتقبلوا الخطأ المسموح لبناء الشخصية؛ فالخطأ طريق التجربة والرصيد.
أختنا الفاضلة:
هناك 15 قاعدة ذهبية للتعامل مع حالات العناد عند الأبناء:
(1) استخدمي أسلوب التجاهل، في أثناء نوبة غضبهم، وغيري مكانك.
(2) أسرفي في التقدير، وكافئي السلوك الحسن.
(3) عاقبي بحزم وببساطة بقاعدة العزل البسيطة من 5-10 دقائق في غرفة خاصة، عند العناد.
(4) عوديهم على الحديث إلى الذات ومخاطبة النفس.
(5) حافظي على هدوء أعصابك فلا يستفزك بغضبه.
(6) كوني قدوة حسنة.
(7) لا تجعليه ينتصر بهذا السلوك.
(8) أعطيه الحرية ولا تسرفي في التدخل في شئونه.
(9) لا تهزئي بآرائه.
(10) ساعديه على تحقيق رغباته المشروعة؛ خاصة الهوايات، فيوجه اهتماماته إلى العمل النافع.
(11) هيئي جوا من الحب والدفء العاطفي الأسري.
(12) شاركيه في الترفيه واللعب.
(13) شجعيه على اللعب الجماعي، والاختلاط بالأقران.
(14) لا تحمليه ما لا يطيق.
(15) شجعيه على الحوار والمناقشة.
كان هذا بالنسبة للعناد بشكل عام، أما عن سؤالك الخاص بالتربية بالسلوك أم بالخطاب والأوامر فتذكري هذا القول المأثور:
"إن سلوك رجل في ألف رجل؛ أفضل من قول ألف رجل في رجل".
وتذكري أن من أبرز الوسائل فعالية في التعليم والتربية هي القدوة؛ ولهذا يجب أن نكون قدوة أمام أبنائنا وأن نجعل سلوكنا هو المحرك في تربيتهم وتعليمهم.
أما عن سؤالك حول هل نكثر من الأوامر والنصائح؟ فعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا" (رواه البخاري ـ كتاب العلم 66).
هكذا ورد أن الحبيب صلى الله عليه وسلم كان يتخول أصحابه رضوان الله عليهم بالموعظة، أي يتحين الوقت وإقبال النفوس حتى لا يملوا. لهذا اجعلي نصائحك غير مباشرة فتخاطب العقل الباطن عن طريق القصص والأمثال، وشجعيهم على قراءة كتب معينة نشاركهم في اختيارها ولا نجبرهم على قراءتها.
ونظرا لظروفكم الخاصة -وكان الله في عونكم- واختلاطكم بمجتمع قد يكون أخطر من المجتمعات الغربية المفتوحة؛ فأرجو أن تراعوا:
(1) الحوار الدائم مع الأبناء.
(2) عدم التضييق عليهم.
(3) أتيحوا لهم الحرية في التعبير عن الرأي.
(4) هيئوا لهم التنشئة الملتزمة الدينية.
(5) تعاون الوالدين وعدم التضارب في النصائح مهم في تربية الأبناء.
(6) حاولوا الاقتراب منهم ومصاحبتهم.
(7) اهتموا بأصدقائهم وشاركوهم في اختيارهم.
(8) القراءة الدائمة في موضوع تربية الأبناء، ويا حبذا حضور أي دورة في فن التعامل مع الأبناء.
وعليك بالدعاء الدائم بأن يبارك فيهم ويعينهم؛ ولا تنسي دعاء عباد الرحمن الخاشع السابغ: "رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا" (الفرقان: 74)؛ فسيكونون بحوله وقوته سبحانه، قرة أعين لوالديهم ولأمتهم، وسيكونون للمتقين إماما؛ علميا وخلقيا وسلوكيا وحركيا.
نحن في انتظار تواصلك معنا؛ وفي انتظار استشاراتك؛ سندعو الله سبحانه لك ولهم ولنا جميعا.
وأخيرا..
عذرا... أبطال فلسطين الحبيبة:
فهذا ردي المتواضع على رسالتكم الطيبة؛ أرسله وأنا أخجل من نفسي وأنا أحاول نصيحة صانعات جيل الخير والنصر المنشود في أرضنا الحبيبة المقدسة وفي أكناف بيت المقدس.
فدوما نتخذكن أيتها الصامدات الصابرات المجاهدات قدوة لزوجاتنا ولبناتنا ولأمهاتنا؛ فاعذرن لنا تطاولنا واقبلن تحياتنا وتواضعنا ودعواتنا لكن، ولكل الأحباب؛ خاصة الأبطال الصغار سنا الكبار مقاما.
|