يقول الأستاذ/أحمد زين، من فريق الاستشارات الإيمانية بمصر:
أخي الكريم .. كريم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
حين قرأت رسالتك تذكرت ذات مرة، وأنا مسافر من الإسكندرية إلى القاهرة، حيث كان منتهى الحافلة التي أستقلها مطار القاهرة، وجلس قريبا مني شاب ودعه أهله منذ دقائق ليكمل دراسته في دولة أوربية، كان الشاب ينهج وهو جالس، يفكر في مستقبله، كنت أسمع أنفاسه تتلاحق، كان قد حلق رأسه تماما، واكتسى بالعزيمة كلها.
صلى الفجر جالسا، ثم أخذ يردد أذكارا وأدعية بتضرع يلفت الانتباه . كان الشاب في حوالي التاسعة عشرة من عمره، وكنت أكبره بعدة سنوات، تحيرت في أمره، هل أقول : ما أشقاه ؟، وقد خلف أهله وهو في سن صغيرة، وذهب للمجهول، أناس لا يعرفهم، وأماكن لم يطأها من قبل، ولغة لم يعتادها...
أم أقول ما أسعده؟، عوالم جديدة تتفتح أمامه، خبرات واسعة يمكنه أن ينهل منها، أناس جدد بأفكار جديدة وعقليات جديدة، ودراسات وجامعات ومكتبات، ومتاحف ومساجد وحدائق وغابات. مازلت أدعو لهذا الشاب كلما تذكرته أن يظل محافظا على صلاته وورده، وسأدعو لك إن شاء الله بمثله.
أخي الحبيب :
أتصور أنك تحتاج إلى ورقة وقلم .. ورقة كبيرة لتكتب فيها أهدافك الكبيرة .. التي ستحققها إن شاء الله في هذه الرحلة .. أقترح عليكم أهدافا مثل : العمل والدراسة، التعرف على مسلمين من أنحاء العالم، الاحتكاك الفكري والعقل، الدعوة إلى الله، أعطاء القدوة والمثل، الثبات، أن تكون عالما مسلما، بارزا في تخصصك، الخبرات والمهارات المختلفة، تعلم لغة وإتقانها، الوقوف على أسباب القوة في هذا البلد، كما أقترح عليك أيضا ألا تنس تدوين مذكراتك، ربما ييسر الله لك نشرها يوما ما، ولتكن بعنوان : (مذكرات طالب مسلم في سنة 2005) .
وصدقني – أخي- كلما كبرت أهدافك، كلما نضجت أنت واستويت بإذن الله، أقول هذا لأنني لم يعجبني ولا يعجبني أن يكون هاجس كل شاب مسافر إلى الخارج المحافظة على دينه وخلقه والتزامه الشخصي، لأننا بهذا نقلل جدا من سقف إمكانياتنا، وإذا كنا قد أمرنا بسؤال الله تعالى الفردوس الأعلى، فإنما ذلك لنطلب معالي الأمور في كل شيء، ليقل كل منا لن أذهب وأنا مرتجف من الارتكاس بل سيكون همي الارتقاء والنماء والتبشير بما أحمل من قيم ورائدي في ذلك قوله تعالى: ( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ) .
لا شك أن الصحبة الطيبة أمر يكتسب أهمية خاصة في الأيام الأولى لك هناك، والحمد لله على نعمة الإنترنت التي جعل الله بها تواصلك مع صحبتك الطيبة في بلدك أمرا متاحا وميسورا، ولذلك لا تنس أن تحصل على أرقام هواتف وعناوين البريد الإلكتروني (الإيميلات) لمن تحب أن تتواصل معهم من هناك، وأعلم أن صديقك من صدقك، و وهو أيضا من ذكرك بربك .
أخيرا .. تحتاج وأنت في عمرك الزاهر أن تعرف الكثير عن الدعوة، وأنصحك أخي أن تتأنى وأن تسمع أكثر مما تتكلم، خاصة في شهورك الأولى، لأن الاشتباك قبل المعرفة وقبل الإدراك متعب جدا، وربما أعطى صورة خاطئة عن القيم التي تحب أن تدعو إليها.
الحقيقة لا أريد أن أدعك، أريد أن أظل أتحدث معك كثيرا كثيرا، ولكنني سأتركك مع هدية صغيرة، ووصية أخيرة، وهي ألا تنسى أن تردد دعاء السفر بتدبر وفهم، نعم قله وأنت تتدبر كلماته ومعانيه ردد : " اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هوّن علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل "، وكلما حزنت أو خرجت تذكر هذا الدعاء.
ويضيف الأستاذ همام عبد المعبود، المحرر المسئول عن نطاق الأخلاق والتزكية بـ"إسلام أون لاين.نت":
جزى الله أخي الأستاذ أحمد زين خيرا، على هذه النصائح التي قدمها، وليأذن لي أن أشاركه الأجر، بهذه الإضافة المتواضعة، فأقول وبالله التوفيق وأعوذ بالله أن أذكر به وأنساه، فإني قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين:
1- تصحيح النية: صحّح نيَّتك من سفرك، واجعل سفرك لطلب العلم ومعرفة ما يفيد المسلمين من العلوم، فإنك بهذا تؤجر، فعن أمير المؤمنين أبي حفصٍ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).
2- تقوى الله: اتق الله حيثما كنت، واعلم أنه يراك في كل أحوالك، فاجتهد ألا يراك على معصية، وكن دائم الصلة به سبحانه، قال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب).
3- المحافظة على الصلاة: حافظ على الصلوات في أوقاتها، ولا تضيّع منها واحدة إلا لعذرٍ شديد، قال تعالى: (وأقم الصلاة إنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، واعلم أن الصلاة نور.. فأنر بها ظلام غربتك، فقد روى مسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور).
4- كن من أهل القرآن: اتخذ لك من القرآن وردًا وحافظ عليه.. فهو شفاء ورحمة، وإن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله تعالى أهلين من الناس)، قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: (هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته) صحيح الجامع.
5- الذكر والاستغفار: احرص على الأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأنك كله، واجعل لسانك رطبا بذكر الله دائمًا، و الزم الاستغفار.. فإن الله يغفر به الذنوب ويفرج به الهموم، فقد روى أبو داود وابن ماجه والحاكم بسندٍ صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كلِّ ضيقٍ مخرجا، ومن كلِّ همٍّ فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب).
6- الصديق الصالح: ابتعد عن قرناء السوء، واجتهد أن تتخير أصدقاءك وزملاءك، على أن يكونوا من أهل الإيمان، المحافظين على الطاعات، قال تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا)، وروى أحمد وأبو داود بسند صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).
ولا تستهن – أخي الكريم- بهذا الأمر.. فهذا هو رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم يبين لنا أهمية اختيار الجليس فيقول فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبى موسى الأشعرىِّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير.. فحامل المسك إما أن يُحذيك، وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخُ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا منتنة).
7- غض البصر: غُض بصرك عما يغضب الله، ولا تطلق لبصرك العنان، واعلم أن النظرة –كما روي- سهمٌ مسموم من سهام إبليس من تركها مخافة الله أبدله الله عنها إيمانا يجد حلاوته في قلبه، فغض البصر أمر من الله واجب التنفيذ، قال تعالى في سورة النور: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون).
8- الدعاء: أكثر من الدعاء والابتهال إلى الله أن يوفقك، ولا تنس أن الدعاء سلاح فعال له أثر كبير في حفظ المرء، قال تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم)، وقال أيضا: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي).
9- تحديد الهدف: اعلم أن لك من رحلتك هدفا، من أجله سافرت وتركت الأهل والبلد والصاحب، فلا تنشغل عنه بغيره، واجعله نصب عينيك، واعلم أن من مئون الفقه –أي قوته وتمامه- أن تعرف أن "واجب الوقت" يحتم عليك أن تولي المذاكرة والدرس وطلب العلم "الطب" غالب وقتك، لتنجح وتتفوق، فتقر بذلك عيني، ويهدأ قلبي.. واحرص على وقتك، فإنما هو رأس مالك فلا تضيع جزءًا منه في غير فائدة، واستثمره فيما من أجله سافرت واغتربت، فإن لم تقضه في طاعة فلا تقضه في معصية.
10- كن خير صورة لدينك:
لا تنس أنه يجب عليك أن تكون قدوة صالحة لدينك ودعوتك، وإياك أن تكون قدوة سيئة، وتذكر أنك – بأقوالك وأفعالك– ترسم صورة وتترك انطباعا لدى من تعايشهم عن دينك، فأحسن عرض سلعتك فربما هدى الله على يديك رجلاً واحدًا فكان ذلك خيرا لك من الدنيا وما فيها.
وختاما؛
نسأل الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن يفقهك في دينك، وأن يعينك على طاعته، وأن يصرف عنك معصيته، وان يرزقك رضاه و الجنة، وأن يعيذك من سخطه والنار، وأن يهدينا وإياك إلى الخير، وأن يصرف عنا وعنك شياطين الإنس والجن، وأن يردك إلى أهلك سالماً غانماً، إنه سبحانه خير مأمول .. وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ... وتابعنا بأخبارك
طالع أيضا:
باحث في الغربة عن عاصم من الفتنة
يريد العفاف بالغرب.. عليك بذات الدين
13 وسيلة للحفاظ على الصلاة
|