English

 

ابحث

بحث متقدم

ساحة الحوار

استشارات دعوية
تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث  
اطبع أرسل لصديق
تفاصيل الاستشارة والرد
aya   - مصر الاسم
مأساة انفصام الدعاة .. بل مآسٍ !! العنوان

في كثير من الأحوال يتعرض الإنسان لمواقف دعوية محيرة، وتكون أكثر حيرة حين تكون أطرافها من الدعاة، ويكون الحل في أعلى مستويات الصعوبة حين يكون الموقف المحير سلوكا مرفوضا.

وعلى سبيل الحصر "سوء الظن" الذي يقع فيه عدة أشخاص بسبب أحد الدعاة، الذي يلجأ إلى الدفاع عن نفسه حين المواجهة الرقيقة بحجج قد تبدو مقنعة؛ لأنه ألحن في حجته من أخيه، فإذا كان الناس في حياتهم يلجئون إلى قوة الحجة لإقناع أنفسهم وإقناع الآخرين للدفاع عن أنفسهم.. فكيف يكون الأمر حين يصدر ذلك من داعية يمثل نموذجا أمام الآخرين؟
أرجو الإفادة، شاكرا لكم حسن الاستماع.

السؤال
2005/12/21 التاريخ
آداب وأخلاق, زاد المسير, إيمانيات الموضوع
د. محمد محمود منصور المستشار
الحل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعد ..

فشكر الله لكم وجزاكم خيرا كثيرا على حبكم لإسلامكم وحرصكم عليه وعملكم به وله.

السائل الكريم، إن الانفصام الدعوي مأساة دعوية، بل مأساة إسلامية، حذرنا منه الله تعالى في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [سورة الصف: 2، 3]. فهو أمر ممقوت، بغيض، كريه، مخجل، مرفوض؛ لأنه مضر متعس.

وحذرنا منه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قوله: "تجدون من شر عباد الله يوم القيامة ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بحديث وهؤلاء بحديث" [أخرجه البخاري ومسلم].

 

إن "المنفصم دعويا" يتعامل بمكيالين، بأسلوبين، بنوعين من الأخلاق: خلق بين مدعويه الذين يعلمون أنه داعية لهم، وخلق آخر مع من لا يعرفونه!.

هو داعية مع المدعوين، بكل صفات الدعاة، حيث حسن المظهر، والبسمة، والرقة، والحلم، وسعة الصدر، والتسامح، والتعاون، والتضحية، والإيثار، والصبر، والكرم، والوفاء بالوعود والمواعيد، ونحو ذلك.

وهو مع "العاديّين" عادي !! بل متعدٍّ أو مسيء!! وكأنه معهم يستريح من عناء الأخلاق الحسنة!!.

ثم تحدث الصدمة، حينما يعلم – وبالتأكيد سيعلم يوما ما بطريق ما – أحد هؤلاء "العاديين" أنه داعية من الدعاة، أو العكس حينما يعلم الدعاة أنه مع العاديين "عادي".

حينئذ ستكون المأساة!! .. أو المآسي!!.

 

مأساة على النفس، وعلى المدعوين، وعلى الإسلام، وعلى المسلمين، وعلى غير المسلمين.

فأما المأساة على النفس، فأهم أعراضها الشعور بالقلق والاضطراب، والعذاب، والتعاسة، فما أتعس فطرة الخير فيها وأشد عذابها المتصاعد، حينما يريد العقل أن يوجهها نحو غير الخير رغما عنها، وعما خلقها الله له من الصلاح والسكينة والسعادة !! إضافة إلى عذاب الآخرة إن لم يتب عقلها موجهها، يقول تعالى موضحا هذا: { ومَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا } [سورة الجن : 17].

 

وأما المأساة على المدعوين، فأهم أعراضها فقدان الثقة فى الداعي، أو في كل الدعاة وفي كل أو بعض توجيهاتهم، ولذا يقول تعالى على لسان رسوله شعيب منبها لهذا ومحذرا منه: { ومَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [سورة هود: 88].

 

وأما المأساة على الإسلام، فأهم أعراضها قد تكون التشكيك فيه  ذاته!! فلو كان صالحا لتقويم الناس وإصلاحهم وإسعادهم لكان أول مَن يصلحه ويسعده هو هذا الداعي نفسه والذي هو من المفروض أنه أول المتمسكين به!!.

ولهذا حذرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - تحذيرا شديدا من مثل هذا وما شابهه، فعن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - أن رجلاً اشتكى من فلان مما يطيل في صلاته، فما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في موعظة أشد غضبا من يومئذ، فقال: "أيها الناس إنكم منفرون، فمن صلى بالناس فليخفف، فان فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة" [أخرجه البخاري].

 

وأما المأساة على المسلمين، فأهم أعراضها امتلاء المجتمع بأمراض الرياء أو حتى النفاق وعدم المصداقية والجدال، بل كل أنواع الفساد واردة الحدوث؛ لأن الكل له تبريراته لأخطائه، والكل يراعي الكل، لا الله والإسلام.

يقول تعالى محذرا من الخسارة التي تعود على من يفعلون ذلك: { الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ } [سورة البقرة: 27].

 

وأما المأساة على غير المسلمين، فمزيد من تمسكهم بضلالهم، حيث يرونه صلاحا وانتصارا، مقارنة بالإسلام الذي لا يرون منه إلا كل خلل وهزيمة!!.

يقول تعالى على لسان المؤمنين الذين يحرصون على ألا يشوهوا صورة إسلامهم: {رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا واغْفِرْ لَنَا} [سورة الممتحنة: 5].

 

إن أهم أسباب هذا "الانفصام الدعوي" هو أسلوب التربية والنشأة منذ الصغر، وظروف البيئة المحيطة، فمن ارتبط ضعيفا بخلق من أخلاق الإسلام دون إزاحة الخلق السيئ المقابل من داخله والذي تربى عليه سابقا، فإنه بين الحين والحين، وحين يوسوس إليه الشيطان، ويستجيب هو له بعقله، وينسى ربه ودينه وفوائده له في دنياه وآخرته، يعود إلى ما اعتاد عليه وفعله كثيرا في صغره ونشأ فيه، كما يحذرنا من ذلك الله تعالى في قوله عن آدم: {ولَقَدْ عَهِدْنَا إلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [سورة طه: 115].

 

السائل الكريم، رغم أن المأساة تصيب كل هؤلاء، ورغم أنهم ليسوا السبب فيها، ورغم أنهم ليسوا جناة بل ضحايا، إلا أن الحل في يد معظمهم.

** فالمدعوون أنفسهم عليهم أن ينشطوا جميعا حتى يصبحوا هم الدعاة، فكل مسلم داعية على قدر استطاعته، كما يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم - لنا دون استثناء: "بلغوا عني ولو آية" [أخرجه البخاري]. وإذا كان هناك من يدعو ويسيء، فلنُخرِج من بيننا، أو لنكن كلنا، دعاة مصلحين صادقين، ظاهرنا كباطننا، ينصح بعضنا بعضا ويصلحه، إلى أن ينصلح حال هذا المسيء.

يقول تعالى منبها لهذا: { ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [سورة آل عمران: 104]. قال الإمام ابن كثير في تفسيره: "والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".

 

** ومجتمع المسلمين كله عليه أن ينشط في التمسك بأخلاق الإسلام الحسنة كلها حتى لا يكون هناك مكان أصلا لأي خلق سىء!! بل كله خير. يقول تعالى موضحا هذا: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].

قال الإمام القرطبي في تفسيره: "وقيل: إنما صارت خير أمة؛ لأن المسلمين منهم أكثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى ..".

 

** ومجتمع الدعاة المتميزين في الدعوة ينشطون كلهم في نصح هذا الداعي والإحاطة به ليتعلم منهم، مثلما كان مجتمع الصحابة الكرام، حيث كانت أخطاؤهم التي نقلت إلينا قليلة أو نادرة؛ لأن كلا منهم وفَّر البيئة الصالحة لمن حوله، فأين يكون سيئا!! لا مكان للسوء!! ولا وقت له!! بل كلها أماكن حسنة وأوقات حسنة!!.

 

** والمسلمون الأقلية في غير بلاد المسلمين ينشطون في رسائلهم إلى المسلمين في بلاد الإسلام أن كفاكم إساءة لنا وتعويقا عن دعوتنا لغيرنا، بسبب سوء سلوككم وانفصام أخلاقكم، ليكون ذلك مما يعين المسيء على الإحسان.

 

** والنفس - بعد كل هذا، ومن خلال توجيه العقل صاحب الدور الأساسي في توجيهها – تنشط في اتباعها للإسلام الذي يصلحها، وتترك الأعراف والأساليب التربوية السيئة أو الخاطئة التى نشأت عليها، وتنشط في العلم والعمل، أي تنشط في تذكّر أضرار الخلق السيئ، ومنافع الخلق الحسن في الدنيا والآخرة، ليكون ذلك دافعا قويا لها لاتباع الخير والتمسك به، وترك الشر ومقاومته وقهره، وتنشط في عمل بعض أعمال تعينها على التطبيق ودوام التذكر وعدم النسيان، أهمها الاستعانة بالله ودعائه بالتوفيق وتقوية الصلة به بدوام ذكره وتدبر مخلوقاته، مع تقوية إرادة العقل والنفس بفعل بعض الشعائر التي تقويها، مثل صيام يوم أو اثنين أسبوعيا، أو قيام ليلة أو أكثر أسبوعيا بركعتين أو أكثر، مع فعل عكس الصفة السيئة تدريجيا، مع التواجد وسط صحبة صالحة ومعايشتها لتتشرب صفاتها الصالحة.

هذا، ويجب التنبيه على أنه ليس معنى ما سبق ألا يخطئ الداعية، أو أنه أحيانا لا يعمل بما يقوله (مادام هذا ليس غالب حاله) !! أو أنه إذا كان لا يعمل بخلق ما، فممنوع عليه أن ينقله لغيره، إنما يدعو غيره له حتى ولو لم يكن فيه، لينتشر الإسلام ويتسع، ثم بانتشاره سيضفي الآخرون من حوله عليه هذا الخلق، وسيساعدونه على تطبيقه فيتمسك به هو أيضا يوما ما؛ لأنه ليس من المعقول أن يذم الله تعالى نشر الخير وإدخال الناس الجنة به، وإنما المعقول أن يذم سبحانه نسيان النفس وإصلاحها وإدخالها الجنة مع الداخلين.

وهذا هو المفهوم الصحيح لقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وأَنتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [سورة البقرة: 44] والذي قال فيه الإمام القرطبى: "اعلم وفقك الله أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر" وهو أيضا المفهوم الصحيح لقوله تعالى: {{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [سورة الصف: 2، 3]، والذي قال فيه أيضا الإمام القرطبى: "إنما وقع الذم ههنا على ارتكاب ما نهى عنه، لا على نهيه عن المنكر ولا شك". وقال فيهما سعيد بن جبير ما معناه: "إذا كان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء، لم يأمر أحد بشيء".

 

كما يجب التنبيه أيضا على أنه قد يكون الأمر سوء ظن فعلا كما ذكرتَ في رسالتك، أي بغير دليل قطعي واضح دون أي شك، وإلا كان الإثم كما يقول تعالى: {إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ} [سورة الحجرات: 12}. فلنبدأ إذن بحسن الظن من خلال الاجتهاد في معرفة هل هذا التصرف قد حدث بالفعل أم لا، وإن كان قد حدث فلنجتهد في معرفة الأسباب التي أدت إليه من خلال الحوار الودود كما فعلتم بكلام مناسب وبأسلوب مناسب وبشخص أو أشخاص مناسبين، وفي توقيت مناسب، ثم لنجتهد في التشجيع على أن ذلك خطأ عابر لن يؤثر في الخلق الحسن الدائم المعروف به، ولن يؤثر على تعاملاتكم فيما بينكم، وأننا سنخرج جميعا من هذا الخطأ أكثر خبرة وأكثر تصميما على اتباع الخير من أجل أن نذوق سعاداته بعدما ذقنا مرارات الشر وتعاساته.

 

وسيكون لكل من شارك في خطوة من خطوات هذا الإصلاح ثوابه العظيم، كما يقول تعالى: {إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ المُصْلِحِينَ} [سورة الأعراف: 170].

وفقكم الله وأعانكم .. ولا تنسونا من صالح دعائكم.

 

استشارات ذوات صلة:  

- انفصام الدعاة .. الشيطان يعظ  !!

- عندما يصاب الدعاة بانفصام الشخصية!!

- فصام الدعاة.. المرحلية تقي مصارع السوء

- فتور الالتزام.. انفصام الدعاة، الأسباب والعلاج

- انفصام شخصية الدعاة .. مشاركة من مجرب

- انفصام شخصية الدعاة: الشق عن القلوب .. مشاركة من مستشار

 

جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..

طلابنا الدعاة ..
ما رأيكم في التفوق ؟

برامج دعوية
  للمراكز الغربية

 

 

 

تصفح استقبال الإجابات إرسال الأسئلة بحث