الأخ الحبيب / مازن
كل عام وأنت والمسلمين في كل ربوع الدنيا بخير، بمناسبة دخول شهر رمضان المبارك، أعاده الله علينا وعليكم وعلى المسلمين بالأمن والأمان والسلامة والإسلام، ونسأل الله أن يجعل لنا في أوله رحمة، وفي أوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار.. آمين يارب العالمين.
وشكر الله لك اهتمامك بالسؤال عن أمور دينك، وبعد : فإنه لا يخفى عليك - أخي مازن – ما لقيام الليل من فضل، فقد وصف الله المتقين في سورة الذاريات بجملة صفات منها حرصهم على قيام الليل، وأوضح لنا أنهم بذلك استحقوا فسيح الجنات، قال تعالى:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}(الذاريات: 15-17).
ووصفهم سبحانه في سورة الفرقان بقوله:{وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا... }، إلى قوله تعالى:{أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} (الفرقان: 64-75).
كما امتدح الله أهل الإيمان والتقوى، بجميل الخصال وجليل الصفات، ومن أخص ذلك أنه وصفهم بالحرص على قيام الليل، فقال تعالى:{إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (السجدة: 15-17).
كما بينت لنا السنة المطهرة فضل قيام الليل:
- فقد ورد في صحيح مسلم عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال : "أفضل الصلاة بعد المكتوبة - يعني الفريضة - صلاة الليل"، وفي حديث عمرو بن عبسة قال صلى الله عليه وسلم : "أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن".
- وفي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال : "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول : من يدعوني فأستجيب له ؟! من يسألني فأعطيه ؟!، من يستغفرني فأغفر له ؟!"
- وأخرج الإمام أحمد وغيره عن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله , صلى الله عليه وسلم : "إن في الجنة غرفا، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام ".
أخي مازن:
رغم أن المقام ليس مقام إفتاء، ورغم أنني لست بمفت، إلا أن المعروف في ديننا وشريعتنا، أن صلاة قيام الليل أو ما اعتاد الناس على تسميتها بـ"صلاة التراويح" – رغم عظيم فضلها - هي "سنة" لثبوت ذلك بقول النبي- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه عنه البخاري ومسلم في صحيحيهما: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه"؛ أي إذا كان دافعه إلى ذلك إيمانًا بالله -عز وجل- ورغبة الصادقة في احتساب الأجر والثواب عنده.
وقد ثبت أن النبي- صلى الله عليه وسلم- صلاها في رمضان بعض الليالي، فلما كثر اجتماع الناس ليصلوها خلفه، لم يخرج إليهم، ولما سئل عن ذلك. قال: "خشيت أن تُفرَض عليكم فلا تطيقوها". فالنبي- صلى الله عليه وسلم- بيّن في الحديث أصل مشروعيتها.
وذكر لنا سبب عدم خروجه إلى الناس ليصليها بهم، وهو خوفه من أن تفرض عليهم. فلما توفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان الناس يصلونها فرادى إلى أن كانت خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه-، فجمع الناس على إمام واحد ليصليها بهم.
أما بخصوص قولك: إنك تجد صعوبة في قيام الليل، وخاصة حين تصلي بجزء من القرآن، وقولك إن هناك من يصليها بحزب أو ربعين، وسؤالك: هل الأفضل أن تصليها مع من يصلي بأقل من جزء، أم تصليها مع من يصلي بجزء وربما لا تكمل صلاتك، فأقول لك وبالله التوفيق:
لقد بينت لك فيما تقدم أنها سنة، وليست فريضة، والأصل أن الله عز وجل لم يكلفنا ما لا نطيق قال تعالى:{لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}، وقال أيضا:{لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا}، والأمر مرده إليك - أخي مازن– فإن كنت شابا، فتيا، سليما، معافى، قد منَ الله عليك بنعمة الوقت، فصلّها مع من يصلون بجزء، لعل الله يكرمك بختم القرآن في نهاية شهر رمضان فيكون لك من الله الأجر الكبير، ولا تضيع الفرصة، فأنت اليوم في نعمة – الصحة أو الفراغ- ربما تفتقدها غدا.
وقد أورد الإمام البخاري رضي الله عنه في صحيحه عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال:" نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ"، وفي تفسير سورة التكاثر في قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)، (التكاثر:8). قال بعض المفسرين في معنى الآية: النعيم هو الصحة والفراغ.
كما أخرج الحاكم في المستدرك عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال : "اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك".
أما إذا كنت – أخي مازن- لا تقدر أن تصليها بجزء- لمرض (عافاك الله من المرض) أو لضيق وقت- لالتزامك بنظام ما في عملك- فصلّها مع من يصلون بحزب أو ربع أو بما تيسر من القرآن، المهم ألا تحرم نفسك من قيام الله، وألا تفوت على نفسك أجره في هذا الشهر الكريم الذي ننتظره بفارغ الصبر كل عام لنفوز فيه بعفو الله وغفرانه.
واعلم -حفظك الله– أن الله يحب من العمل أدومه وإن قل، ولتكن همتك عالية، تطاول السحاب، فإن فترت همتك فلا تقل عن الحد الأدنى، وليكن شعارك عندها "قليل دائم خير من كثير منقطع". زادك الله حرصا على قيام الليل، وجعلنا وإياك من عتقائه من النار ومن المقبولين.. آمين، وتابعنا بأخبارك ولا تنسنا من دعائك..
طالع أيضا:
|