السلام عليكم ورحمة الله.. نشكر لكم جميل صنعكم ونفعنا الله دومًا بعلمكم وإخلاصكم.. ابني محمد6 سنوات يمتاز بصفات رائعة فهو ذكي مبتكر.. طول اليوم هو مشغول بابتكارات واختراعات، وأرى فيه شخصية قيادية فهو يطلب مني باستمرار أن أجعله قائدًا للبيت، حتى في لعبه مع أقرانه يمثل هو دور القائد إلا أن شخصيته أصابها اهتزاز بسبب سياسات القمع والتهديد والضرب التي تمارس في مدارسنا واضطررنا لأن نحوله إلى مدرسة أخرى تتبع أساليب التعليم الحديثة، لكنها تضغط على الطفل أكاديميًّا، كما أنها تتصف بالرسميات الشديدة. صدقوني لم نترك أنا وزوجي مدرسة ولم نزرها إن وجدنا التعامل الطيب لم نجد المستوى الأكاديمي الجيد.. أخاف على ابني من صدمة أخرى خصوصًا أنه أصبح يكره المدرسة والدراسة، فماذا نفعل؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أختي الكريمة..
ها هو السؤال المتكرر والجرح الغائر.. كره أطفالنا للمدارس والتعليم النظامي. أول ما أقوله لك: لست وحدك.. هو نفس الجرح على طول أوطاننا العربية: تعليم ضاغط في الاتجاه الخطأ؛ يفقد معه الطفل أكثر بكثير مما يحصل.
أتدرين أختي لمَ أصر على استهلالي للرد بـ"لست وحدك"؟
لأني أحلم وأحلم بأن نعرف جميعًا أن هذا الجرح الجماعي لن يحل أيضا إلا بحل جماعي من هؤلاء الكثر المتضررين.. وحين نؤمن بهذا سنتحرك فعليًّا كل بدور ولو صغير ليغير هذه الأزمة التي اسمها تعليم نظامي.
كيف يحدث هذا؟؟
يمكن أن يحدث على أربعة محاور:
- محور المعرفة والثقافة التربوية السليمة والمتينة.
- محور التعليم الموازي لسد الفجوة فرديًّا.
- محور التضافر للجهود الفردية حتى نحصل على استفادة أكبر من الحلول الفردية.
- مشاركة شعبية واعية للمطالبة بالتعليم اللائق لأولادنا.
وسأشرح لك بالتفصيل:
- الخطوة الأولى أن تحددي احتياجات طفلك من التعليم النظامي، فكما قلت إن وجدنا في مدرسة التعامل الجيد لا نجد المستوى الأكاديمي الجيد؛ وإن وجدنا... لا نجد...؛ إذن علينا أن نحدد أولوياتنا التي تعتبر ضرورية لنمو طفلك نموًّا متكاملاً متزنًا، وأنت أعلم بطفلك بطبيعة الحال؛ فإن كان من أكثر ما يميزه هو الذكاء والحركة والشخصية القوية؛ فاختاري له المدرسة الأقرب في الإبقاء على هذه المميزات.. وغالبًا المدرسة الأفضل لتنمية مثل هذه النواحي تكون من المدارس التي تهتم بالنشاط، ويغلب على مدرسيها التعامل التربوي نسبيًّا. وهذا أفضل من مدرسة ضاغطة تعمل ليل نهار على جعل طلابها يحفظون وينخرطون في امتحانات وواجبات وأعمال كثيرة غير ذات نفع حقيقي.
- الخطوة الثانية أن تعرفي ما الذي ينبغي أن يتعلمه طفلك فعليًّا في كل مرحلة عمرية وما الطريقة السليمة لتعلمه؛ وهذه هي الأهم: معرفة الطريقة السليمة لتعلم طفلك تعلمًا فعالاً وذلك ببساطة؛ لأن الناس جميعًا يتعلمون ويفكرون ويعبرون عن أنفسهم بطرق مختلفة تبعًا لنقاط القوة المختلفة بينهم: فمنهم اللفظي اللغوي، المنطقي الرياضي، الموسيقي،...
وهذا يعني أن كل شخص يتعلم أفضل بطريقة محددة هي الأكثر ملاءمة له: فمنهم من يتعلم أفضل عن طريق الوسائل البصرية المرئية، ومنهم من يتعلم أفضل عن طريق الوسائل المسموعة، ومنهم من يتعلم أفضل عن طريق اللمس والفعل والتناول اليدوي لما يتعلمه.
وهذه نقطة هامة جدًّا جدًّا أرجو أن تعيريها انتباهًا قويًّا، ويمكنك أن تراسلينا دومًا لتعرفي المزيد. كما أرجو أن تطالعي ملف: الذكاءات المتعددة لتتعرفي ذكاء طفلك والذي يحدد على أساسه نقاط القوة الحقيقية لديه، كما يمكنك أن تتعرفي أيضا أفضل الطرق لتعليمه وفق نوع ذكائه الأعلى.
ويبقى بالطبع لديك تساؤلات نرحب بها في حوارنا الحي ذكاء الطفل من اللغوي إلى الحركي هذه الخطوة تتضمن جزءاً من كيفية الإبقاء على نقاط القوة لدى طفلك بعد التعرف عليها تعرفًا أدق.
تبقى الخطوة الموازية للإبقاء على نقاط القوة، وتنميتها واستجلاب المزيد: اعلمي أن المدارس ربما أغلبها لا يراعي هذه الفروق والتباينات بين الطلاب -إن كان يعلمها أصلاً- وهذا يتطلب منا أن نعرفها نحن كأولياء أمور وننشرها على كل من يهمه الأمر. وأن نتواصل مع المدرسين ونطلعهم بذكاء ودبلوماسية على طريقة تعلم طفلك المثلى، آملة أن يدرك أهمية تنويع وسائل التعلم ومراعاة طرق التعلم المختلفة بين البشر.
وهذا التواصل مع المدرسين من فوائده ألا يعنون طفلك على أنه -مثلاً- متدني الإنجاز في حين أن الحقيقة أنه لا يلقى الطريقة المثلى لتعليمه.. وهذه الحالة كثيرًا ما تحدث خاصة مع الأطفال ذوي النشاط الجسمي الحركي الأعلى، فكثيرًا ما تشخص حالتهم أنها فرط حركة، وقلة انتباه، أو صعوبة تعلم.. وهي من الممكن أن تكون غير ذلك تمامًا!! فاعرفي حبيبتي حتى تحمي طفلك من مثل هذه التشخيصات والوصمات الخاطئة.
يبقى أن تسدي الفجوة:
• علمي أنت طفلك في البيت كل ما يجب أن يتعلمه وفق مرحلته العمرية، وساعديه في التعلم وفق نمط تعلمه الأمثل الذي أشرت إليه.
• اجتهدي في معرفة أنشطة عديدة تحفز كل أنواع الذكاءات لدى طفلك وشاركي طفلك ممارستها، أو أوجدي له مجالاً ليمارس فيه كل أنواع النشاط الممكنة: الرياضة، الفنون المختلفة، الأعمال اليدوية، الأنشطة العلمية،... وبالطبع نحن نختار حسب رغبة وميل أطفالنا فليس كل نشاط مناسب لكل طفل، ويلقاه كل طفل بنفس الإقبال. ويساعدك أيضا في تخير هذه الأنشطة ذكاءات طفلك الأعلى حسب ما أشرت، ولكن أود أن أشير أنه علينا تنمية الذكاءات الأخرى والتي تعتبر أدنى لدى أطفالنا حتى تصل لأعلى حيز ممكن لها.
ما سبق كان بمثابة خطواتك الفردية لأزمة التعليم في بلادنا العربية.
هل أدركت صعوبة أن يقوم كل فرد بكل من هذه المهام بمفرده؟!!. هناك ضرورة أن تتضافر هذه الجهود الفردية للتكامل مع بعضها البعض لتحقق أداء أكثر فاعلية وتضمن نتائج أفضل.. وهذا الأفضل طريقه الوحيد التحرك الجماعي.
والآن هيا معًا لنخطط هذا الحل الجماعي:
- أول خطوة هي المعرفة الفردية قدر جهدك وطاقتك، ولكن بالله اجتهدي في هذا، فالأمر يستحق العناء المبذول فيه.
ما ينبغي علينا تعلمه ومعرفته هو:
- ما الذي يجب تعلمه؟ وكيف يعلم عن طريق برامج غير نظامية وأنشطة غير نظامية؟
- ثم معرفة طرق التعلم والاستذكار الصحيح.
- كوّني جماعة وفريق عمل يتداول فيما بينه كل ما يتعلمه جميع أفراد الفريق. وعسى أن يكون هذا الفريق هو مجلس الآباء في المدرسة؛ وربما أمكنكم ضم عناصر من المدرسين المخلصين -ولن نعدم نفرًا منهم-. مزايا مجلس الآباء أنه قوة مؤثرة نسبيًّا، فأرجو أن تستغلوا هذا التأثير بشكل إيجابي وسليم، كوّنوا فريقًا مع إدارة المدرسة وليس أعداء تتناوبون قذف الاتهامات؛ لأن الحقيقة أننا كلنا في الهم سواء.. إدارة وأولياء أمور ومدرسين.. كل عناصر العملية التعليمية غارقون حتى أذقانهم في همّ التعليم الخطأ. فدعونا نحاول الآن أن نتلاحم ونكوّن معًا فريقًا حقيقيًّا لتحسين مساحة ولو صغيرة.. وخطوة خطوة ستتحرك الأمور للأفضل إن شاء الله تعالى.
- حاولي أيضا أن تكوّنوا جماعات لأنشطة جيدة للأطفال. ويمكنكم أن تتناوبوا الأدوار مع الأطفال، كل حسب إمكاناته: من يتمتع بقدرة فنية يتولى الأطفال في هذه الناحية، وهكذا الرياضة، الكمبيوتر، اللغات.. حاولوا الاستفادة من معطيات الفريق سواء تولى كل فرد تعليم الأطفال بنفسه أو أشرف على فعالية النشاط الذي يمارسه الأطفال في مكان ما. المهم وزعوا أدوارًا حتى يسهل الأمر على كل الفريق وحتى تتمكنوا فعليًّا من نفع كل الأطفال بممارسة كل الأنشطة التي يحتاجون إليها دون أن يقف الجهد والوقت عثرة في طريق مزاولة أطفالكم لما هو ضروري من نشاط.
- يمكن أن تكون جماعات مختلفة في مناطق مختلفة تتقابل وتتبادل ما وصلت إليه من نتائج في المحورين اللذين تعمل عليهما: التعلم؛ النشاط.
وزعوا المهام حسب ما يلائمكم، وربما كانت المجموعة مكونة من فردين بشكل أولي ثم تكبر وتكبر إلى أن تصبح مجموعة كبيرة هدفها الأساسي تطوير مساحة معينة من التعليم. ولا بد أن نعمل وفق منطق: "ابدأ بنفسك". أومن إيمانًا عميقًا بقدرة الأفراد على إحداث هذا التغيير الذي نتمناه.. فلن يهبط علينا التغيير من السماء كما يعتقد البعض، بل لا بد أن نكون شركاء فيه ولو بقدر.. هيا لنكون الوزارة الشعبية لتطوير التعليم، فإن لم يتطور كل ما نتمناه في التعليم، فلا أقل من أن نلقى الله عز وجل ببعض عمل بين أيدينا نقدمه يوم العرض العظيم، والله المستعان.
وإلى كل زوارنا.. شاركوا بآرائكم وتجاربكم حول نفس الموضوع عبر بريد صفحتنا:
tarbia@islamonline.net
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..