الطفل هو ابن أخت زوجي (عمره الآن 3 سنوات)، حيث توفيت أمه وعمره سنة ونصف ومنذ ذلك الوقت يعيش مع جده وجدته والديْ أمه، وهو حتى الآن لا يعاني من مشاكل نفسية واضحة إلا أنه متعلق بمربيته الخاصة جدًّا، وأحيانًا يميل إلى التعلق بجدته أكثر، والمشكلة عندما يأخذه والده يومًا كل أسبوع أحيانًا يذهب مسرورًا وأحيانًا يبكي ويتعلق بجدته فهو بمزاج متقلب تجاه الأشخاص، وبالنسبة لي أنا زوجة خاله فهو يحبني، خصوصًا أنه يرانا كثيرًا، حيث ليس هناك أقارب يراهم غيرنا؛ لأن زوجي ليس له الآن إخوة ولا أخوات، فهذا وضع الطفل بشكل عام.
والسؤال هو: ماذا يمكننا أن نقدم لهذا اليتيم المسكين بشكل عام؟ وكيف يجب التعامل معه لينشأ دون أن يشعر بمشكلة فقده لأمه وهو لم يزل في عمر براعم الزهور؟ وشكرًا لكم.
مرحبًا بك أيتها الأخت الكريمة الفاضلة بارك الله فيك، وتقبل منك نيتك الرائعة على العناية بمثل هذا البرعم الذي وصفته بالمسكين.. جعل الله تعاطفك هذا في ميزان حسناتك وسبيلاً لك إلى الجنة، ولكن أؤكد على ما أكدت أنت عليه وهو ضرورة تقديم شيء لهذا البرعم الجميل يعينه على التفتح بشكل سليم، فالاكتفاء بالتعاطف ليس فعالاً ولا مفيدًا.
لا شك يا عزيزتي أن مسألة تقلب مزاج الطفل أو تردده في الميل لهذا الطرف أو ذاك أمر طبيعي مبرر نتيجة لتبديل أمه ومحط ارتباطه ومصدر الحنان بالنسبة له بأكثر من وجه، فتارة الجدة وتارة المربية في حين أن الأب لا يمكث معه يوميًّا أكثر من ساعة واحدة.. فهو لا يشعر بالاستقرار بالتأكيد، ومهما كان الأمر فلا شك أنه أحيانًا يتعرض لقسوة من مربيته أو نوع من الشدة التي تجعله ينفر منها ويميل لجدته، ولعل غياب الأب يمكن للأم تعويضه -مع المشقة بلا شك- أما غياب الأم فأراه لا يعوض حتى مع المشقة.
ولأن لكل قاعدة استثناء فاسمحي لي يا حبيبتي أن أعرض عليك مقترحًا ولك كامل الحرية في رفضه أو قبوله، فربما كنت أنت -بما يظهر عليك من حنان وشفقة ورقة- هذه الأم التي يحتاجها الطفل، ربما كانت نشأته بين أطفالك ورعايته وتنشئته في حضن دافئ لأسرة متماسكة وطبيعية هي الحل لمشكلاته، فقد تربى النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجة عمه في بيت عمه وبين أبناء عمومته فشب على حبهم -صلى الله عليه وسلم- وعوضه الله بهم عن أسرته التي لم ينعم بها..
ما رأيك في هذا المقترح؟؟ أعتقد أنه مناسب جدًّا للطفل ما دام يحبك ويحب أبناء خاله فلن يجد صعوبة في التآلف معكم واعتياد صحبتكم، بل سيسعد بينكم ويحاكي أبناء خاله فيتعلم قواعد السلوك الطيب، ويعتاد التعامل مع الأطفال ويعتاد المهارات التي لا يتعلمها الأطفال إلا من الأطفال.. وتأكدي أنك ستستغربين للتغير الذي سيطرأ على شخصيته من الأسبوع الأول، المهم أن يكون مناسبًا لك أنت، أعلم أن أعباءك كثيرة، ولكن ثواب النية وبركتها ستقويك في مواجهة أعبائك وستجعل قدوم هذا المسكين إلى بيتكم مجلبة للبركة والخير والسعادة، وأعتقد أن النفقة وما شابه هي مسئولية والده الذي سيرحب كثيرًا باهتمامك أنت وزوجك بذاك الطفل المسكين.
ومع مرور الأيام حين يقوى الطفل في مواجهة الحياة وتثبت قدماه على دربها سيسهل انتقاله تدريجيًّا للإقامة مع جدته التي لن تنقطع زيارته عنها بالتأكيد طيلة فترة وجوده معكم أنت وخاله، ومن آن لآخر يمكن أن يقيم معها يومين مع أحد أبناء خاله مثلاً أو معك وزوجك في أيام الأعياد أو العطلات أو غير ذلك؛ ليظل على شعور بألفة مع هذا المكان وما فيه من أشخاص، وهناك مقترح آخر أن تأخذي مربيته إلى منزلك تعينك على العناية به وبأولادك، ولكن فقط في الإداريات من نظافة وترتيب وغير ذلك أما عملية التربية والتوعية وقص الحكايات واللعب والمرح والضحك والنزهات وتحفيظ الأناشيد والأذكار وغيرها فاجعليها من مهامك أنت مع ما تفعليه لأبنائك.. باختصار اعتبريه ولدك الذي لم تلديه.
أما إن وجد ما يعوقك عن تنفيذ مثل هذا المقترح، فما أراه مناسبًا لمعاونة هذا الطفل على الشعور بدفء الأسرة والاستقرار الذي سيحل مشكلاته:
أولاً: لا بد من تكثيف زيارتك مع زوجك لبيت الجدة، مع ضرورة أن تكون جل أحداث الزيارة موجهة لإسعاد هذا المسكين، فمرة تجمعينه مع أبنائك فتقصين عليه قصة، ومرة تلعبين معهم لعبة جماعية لطيفة، ومرة تشاركينه تركيب المكعبات أو البازل، أو تعطينه رسمًا يلونه أو تطلبي منه أن يرسم شيئًا يحبه ثم تكافئيه، وهكذا...
ثانيًا: لا بد من إخراجه للنزهات مع أبنائك لأماكن لطيفة كالحدائق والمتنزهات والشواطئ والملاهي وغيرها...
ثالثًا: لا بد أن تحاولي بهدوء الحديث مع جدته ومربيته عن ضرورة الرفق معه ومعاملته بهدوء فهو يكاد يكون يتيم الأبوين فوالده المنشغل عنه وغير المقيم معه لا يكاد يعتبر موجودًا، وبالتالي فمن يتعامل معه عليه أن يمنحه حنانًا مضاعفًا ومزدوجا مكان الأب والأم، ولكن بلا تدليل أو إفساد، فلا بد من الحنان مع التوجيه والتعليم والتهذيب.
رابعًا: لا بد أن يمارس الطفل نشاطًا ما إما بإلحاقه بحضانة جيدة متميزة معروفة بالاهتمام بتنمية مهارات وقدرات الأطفال، أو بإلحاقه بنشاط رياضي أو فني متاح لسنه في نادي أو مكتبة أو مسجد قريب ليقضي وقتًا سعيدًا في التعلم والمرح واللعب والخلطة بمن في سنه مع التنبيه على العاملين في أي مكان يلتحق به أنه في حاجة لرعاية وحنان متميزين مع شرح ظروفه.
خامسًا: لا بد من عدم الحدة في توجيهه وكذلك عدم الإفراط في إبداء الخوف عليه.. وإشعاره بالأمان.
سادسًا: أفضل أن تحاولي متابعة الطفل باستمرار والحوار معه واستكشاف مشاعره وآماله ورغباته، فأنت أحدث عهدًا بأبناء جيله ويمكنك فهمه بشكل أفضل وإن كان صدر الجدة واسعًا.. كما يجب أن يجد الطفل أذنًا مصغية عند كل كلام له والاهتمام بأي شيء يتحدث عنه بدرجة كبيرة دون مبالغة.
سابعًا: حاولي أن توجدي لدى الطفل غاية وهدفًا وكذلك تفعل الجدة.. فمثلاً نادوه دائمًا بالـ"مهندس"، وتخيلي معه أنه سيكون مهندسًا وماذا سيفعل إن كان مهندسًا أو طبيبًا.. فالخيال سيوجد لديه اتجاهًا وستوجد لديه اهتمامات تخدم ذلك الاتجاه، وبعد مدة يبدأ بالالتحام والتفاعل مع ذلك الذي يحلم به.. وتبدأ حينها برامجه لحياته في الانبثاق وتتفجر مواهبه وطاقاته.. ويمكن ذلك من خلال قصص البطولة والكرم، وأحاديث عن المكارم والشجاعة والنجاح والطموح حتى تتغلغل هذه المعاني في نفسه وتفعل بداخله عملها المستتر.
لا شك أن ما سبق يمكنك فعله أيضًا إن قبلت بإقامة الطفل لديك -وهو ما أفضله شخصيًّا- ولكن معاونة الطفل على أن ينشأ سويًّا ستكون متاحة على كل حال إن شاء الله.. وأخيرًا أوصيك بالدعاء له أن ينبته الله تعالى نباتًا حسنًا، وأن يحفظه ويسلمه من كل مكروه، وأن ينصر به أمته.. فدعاؤك له نوع من الرعاية والأمومة التي تعوضه ما فقد من دعاء أمه.
وختامًا.. أنا في انتظار متابعتك لنا بمزيد من الأسئلة والأخبار والاستفسارات، وما وقع عليه اختيارك وكيف تسير الأمور، ولعل انتظاري لا يطول.
وإلى كل زوارنا.. شاركوا بآرائكم وتجاربكم حول نفس الموضوع عبر بريد صفحتنا:
tarbia@islamonline.net
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..