السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. جزاكم الله خيرًا عن المجهودات المقدمة لأبناء الأمة الإسلامية. هذه أول مشاركة لي أطلب فيها توضيحات فيما يخص سلوك ابني وليد البالغ 3 سنوات و8 أشهر، وأبدأ بما حدث هذه الصبيحة عندما أردت إعطاءه الحليب وأردت أن أضع الشيكولاتة فرفض أن أضعها، وقال أنا الذي أضعها والأمثلة كثيرة إذا أردت فتح الستائر يقول وليد هو الذي يفتح إلى غير ذلك من السلوكيات التي يرفضها مني ويريد القيام بها وحده حتى لو لم يُجد القيام بها، وله مشكلة التأخر في الكلام فلا يفهم كل ما نقوله له وهو كثير الحركة وقد التحق بالروضة منذ شهر، وقد لاحظت المربية أنه لا يستطيع الجلوس على الكرسي طويلاً، كما أنه يضرب زملاءه ساعة الاستراحة مما يضطرها إلى معاقبته بالعزل.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أختي الكريمة، وشكرًا لثنائك الرقيق وكلماتك الحافزة على مزيد من الإحسان والإتقان والإجادة، ولعل استشارتك الأولى هذه لن تكون الأخيرة.. فأطفالنا تتزايد مسئولياتهم كل يوم وتتزايد أدوارنا تجاههم مع تنامي أجسامهم وعقولهم، ولعل القاعدة الحاكمة لمسألة تربية الأبناء -من وجهة نظري- هي الثواب على قدر المشقة، أو بمعنى آخر هي القاعدة الشهيرة في علم الإدارة والتي تقول بالإنجليزية: low pain …low gain ، أي تحمل القليل من المعاناة تجني القليل، فالجنى بقدر البذل.. ولعلها بداية مناسبة نرسيها فيما بيننا.
إننا لن نتحدث في حديثنا عن راحتنا أو الأيسر لنا كآباء، ولكن سنتحدث عن الأصلح لأبنائنا وإن تعارض مع راحتنا أو تطلب بذل جزء من الجهد.
من الواضح أنك جلست إلى جهاز الحاسوب تصبين فيه جام غضبك من طفلك الذي يصر على وضع الشيكولاتة بنفسه في الحليب مع أنه لا يجيد ذلك، ولعل حرصك على النظافة أو على إتمام كل عمل بإتقان لا يسمح بتدخلات الصغار.. ولكن يا عزيزتي اسمحي لي رغم كل ذلك أن أقول لك: إن غضبك ليس في محله، بل إن اعتماد طفلك على نفسه ورغبته المشاركة في فعل كل شيء يخصه ومراعاة نفسه شيء طيب يجب تنميته وتشجيعه وحفزه للمزيد، فمن المزعج حقا أن تظل الأم تفرض على طفلها اهتمامها بتفاصيل شئونه حتى تفقده تمامًا أي قدرة، بل أي مبادرة على مراعاة نفسه، فنحن -كأمهات- حينما نؤثر السرعة والدقة في مسألة مثل ارتداء الأبناء لملابسهم مثلاً، فنعتمد على مساعدتهم وتلبيسهم فإننا نحرمهم بلا شك من فرصة تعلم الاعتماد على النفس، ونفقدهم القدرة على ارتداء ملابسهم تلك بشكل صحيح، فيظل الطفل لا يستطيع ارتداء جوربه بنفسه حتى تتفرغ الأم لإلباسه له.
وقد رأيت ذلك بأم عيني.. طفلة تتجاوز السابعة ولا تستطيع ارتداء ملابس المدرسة أو خلعها، ولما سألت أمها قالت: "ضيق وقت الصباح يجعلني أقوم أنا بإلباسها وتمشيطها وتجهيزها للمدرسة استغلالاً للوقت وألغي تدخلها تمامًا.. فأصبحت لا تعرف أصلاً كيف ترتدي ملابسها".. وأحسبك لا ترغبين أن يكون طفلك كذلك. فعلينا أن نحمد الله أنه استفاق ولم يستسلم لمحاولاتك في العناية به، والتي تسلبه القدرة على ممارسة أو فعل أي شيء، فلم يكن كسولاً أو محبًّا للاعتماد عليك فيفرح بأن يجد كل شيء جاهزًا دون تدخل منه، بل إنه ينفر من ذلك ويود أن يتعلم ويشارك ويفعل ويؤثر.. فيخفق مرات ويفلح مرة حتى يتعلم، فينقذ نفسه من شرك الاتكالية الذي نوقع فيه دومًا أطفالنا.
عزيزتي.. إن من الأفضل تشجيع طفلك على المشاركة ويمكنك توجيهه من بعيد إلى الكيفية الصحيحة لفعل ما يريده، وذلك حتى يتقن تدريجيًّا فعل هذا الشيء، فانصحيه من بعيد أن لا يملأ مثلاً الملعقة بمسحوق الشيكولاتة، ويكتفي بنصفها كي لا يسقط منها شيئًا، وإن نجح فعليك بالتصفيق وحثه على إعداد كوب لأخته مثلاً وكوب لوالده، وإن سقط منه شيء فعلميه أن يمسحه بالمنشفة وينظف المكان، وذلك كله في جو من المرح والألفة والصداقة والحب والضحك بعيدًا عن النهر والزجر واللوم، واجعليها فرصة للتعلم والتدريب لكليكما فيتعلم طفلك الاعتماد على نفسه وتتدربين أنت على التحكم في انفعالاتك وتوجيهها بشكل فيه مصلحتك ومصلحة طفلك.
ويدعم شعوري برغبة طفلك في إحراز نجاح وتقدم يحظى عليه بثناء من حوله مسألة تأخره في الكلام وعقابه المتكرر في المدرسة بسبب ضربه للأطفال، فهو يحاول فعل ما يطلق عليه "اللفت السلبي للانتباه"، أي يحاول جذب انتباه من حوله بتصرفات خاطئة ما دام لا يستطيع الحصول على انتباههم بغير ذلك، ولأنه لا يستطيع التواصل مع من حوله بسهولة؛ بسبب تأخره في الكلام فهذا يزيد من شعوره بالضغط الذي دفعه لمحاولة الحصول على الاهتمام بأي شكل ولو بشكل فيه قسوة عليه.. المهم أن يكون هامًّا كمن حوله.. إنه حقًّا في حاجة للدعم وليس العزل والعقاب، ولعل صوتي هذا في حاجة أن يصل لمعلمته في الفصل، إنه في حاجة لاهتمام زائد وتعزيز وحب وتشجيع ورفع ثقته بنفسه ليتزن ويتصالح مع نفسه ومع من حوله، ويتعامل معهم بشكل طبيعي، ومن ثَم يتغلب على مسألة تأخره في النطق ويتجاوزها بكل استقرار وارتياح.
وعلى مستوى المعلمة فالعزل لا بد أن يستبدل به كيس من الهدايا -يمكنك إحضاره لها- يحوي حلويات وألعابًا وكل ما يحبه طفلك ليكافأ بها أمام زملائه كل يوم، وذلك لقاء أي تصرف ولو بسيط يحسنه، ولو حتى على صنعه كوب الحليب بالشيكولاتة في الصباح وحده، ولو على نظافة حذائه أو نظافة أظافره.. أي شيء.. المهم أن يلق الطفل ما يشبعه من الثناء والحب والمكافأة والتعزيز الإيجابي فيقبل نحو المزيد من الحسن من التصرفات ويصبح محبوبًا بين زملائه فيتسابقون للتعامل مع هذا المحبوب صاحب التصرفات الحسنة، بدلاً من إحجامهم عن التعامل مع المعاقب المنبوذ.. أليس ما أقول صحيحًا من الناحية العملية؟
وتدريجيًّا ستختفي مسألة عدوانيته، فما السبب فيها إن كان محبوبًا يتسابق لكسب وده الجميع؟، ولم يغر من زملائه إن كان لا ينقص عنهم في أي شيء وينال مثلما ينالون من الحب والاهتمام؟.
تبقى مسألة تأخره في النطق كعامل مساعد على العدوانية بسبب شعور الطفل بعجز ما يعيقه عن التواصل فيحاول تعويضه أو التعبير عن ضغطه؛ بسبب هذا العجز بالاعتداء على من يستطيعون ما لا يستطيعه، وبالتالي فعلاج مسألة التخاطب لدى طفلك تساهم بشكل جذري في القضاء على عنفه مع الأطفال، وسترد عليك حول هذا الجزئية الدكتورة سحر صلاح طبيبة التخاطب في ختام الإجابة.
تبقى لنا مسألة الحركة الزائدة وعدم رغبته في الجلوس على الكرسي وهي مشكلة أعاني منها مع ابنتي (5 سنوات ونصف)، ولله الحمد استطعت مع معلمتها التعامل معها بما لا يؤذي نفسيتها أو يقهرها أو يجبرها على ما لا تستطيع، فمع انتهاء كل 20 دقيقة على الأكثر تدعوها المدرسة لمسح السبورة مثلاً أو نقل الكراسات أو توزيعها أو بذل أي مجهود عضلي ولو الجري في المكان أو القيام والجلوس عشر مرات مثلاً.. فتصرف طاقتها بشكل منتظم وتتمكن من التركيز، وكذلك في البيت أتبع نفس الأسلوب فأسمح لها بالكثير من النشاط على فترات متقاربة جدًّا -كل 20 دقيقة- لتستطيع مواصلة ما تفعله من واجبات مدرسية أو حفظ قرآن أو ما إلى ذلك. وإن كنت أنصحك كذلك بالتقليل من الشيكولاتة ومحاولة استبدال شيء آخر مع اللبن بالشكولاته؛ لكونها تسهم في زيادة النشاط لدى الأطفال، فيمكن استبدال الفراولة أو الفانيليا أو القرفة أو الكراميل بها.
وأخيرًا.. فمسألة التخاطب -وبحسب دكتورة سحر تحتاج لتشخيص سريع لسبب التأخر في الكلام لدى طبيب تخاطب بعد إجراء اختبار للقدرات السمعية لدى الطفل والقدرات الذهنية وتقييم مستوى الذكاء والعمر العقلي للطفل؛ وذلك لدعمه ليتجاوز هذه المرحلة بكل خير إن شاء الله، ولعل ما يسهم في تلك المشكلة تعرض الطفل للغتين في آن واحد، مما يسبب له إرباكا في إتقان أيهما، وفي الحقيقة فالطفل في حاجة لتنمية قدراته في اللغة التي يتواصل بها خارج المنزل لمعاونته على تجاوز مشكلته في التواصل مع الآخرين، وأظنكم كجزائريين تتقنون الفرنسية فلن يكون هناك مشكلة في مواصلة التدريبات المنزلية التي يقترحها طبيب التخاطب بالفرنسية، وحين يتقن الطفل إحدى اللغتين سيكتسب الثانية تدريجيا بالممارسة، ولله الحمد أعتقد أن جميع أفراد الأسرة يتقنون اللغتين مما سييسر على الطفل اكتسابهما إن شاء الله وإتقانهما.
وأخيرًا.. أتمنى أن تكون كل الأمور قد اتضحت، وأدعوك لتناول كوب من الحليب بالشيكولاتة من صناعة طفلك وشكره والثناء على صنع يديه، وإلى لقاء قريب.
وإلى كل زوارنا.. شاركوا بآرائكم وتجاربكم حول نفس الموضوع عبر بريد صفحتنا:
tarbia@islamonline.net
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..