سؤالي لكم أوجهه للدكتورة إيمان السيد فقد قرأت لها كثيرًا عن الغربة وتنشئة الأطفال بشكل يسعدهم في كل مكان، لكن هذه المرة أنا سأغترب في بلد عربي لا يعيقني فيه اللغة ولا الثقافة، ولكن (يخوفني) الشذوذ لمعظم أفراده.
أنا ذاهبة للمملكة السعودية وطفلي جميل.. لا أعرف هل أضعه في قمقم لأحميه من تحرش الرجال هناك أم كيف أنظم الأمر بحيث يسعد وينطلق ويذهب للحضانات ولا أخشى عليه وهو بعيد عن ناظري؟ فما أسمعه من حوادث تحرش واغتصاب الأطفال هناك شيء مرعب.. أرجو النصيحة على عجل، وشكرًا.. بالله عليكم لا تتأخروا عليّ.
مرحبًا بك أختي الفاضلة، ومرحبًا بأسرتك الكريمة حفظكم الله في كل مكان وفي كل وقت.. اللهم آمين، وشكرًا لثقتك وطلبك لنصيحتي بالتحديد.. أعانني الله تعالى أن تصلك تلك النصيحة بما ينفعك، وقبل أن أبدأ في تناول سؤالك سأنصحك بأمر غاية في الأهمية يتلخص في مثل شعبي مصري يقولون فيه -ولعلك تعرفينه- "اللي يخاف من العفريت يطلع له"، والمقصود أن الخوف الشديد أو الرعب الشديد من خطر ما قد يتعدى مرحلة الحذر والإعداد الجيد لمواجهة هذا الخطر والانتباه له ليصل للوسوسة والذعر والقلق الذي يعكر على المرء حياته، وربما يفوت عليه الإعداد والتخطيط للنجاة، ويؤدي لتعثره وتعرضه للخطر فعلاً، "فيطلع له العفريت" من فرط خوفه منه.
ولعل عفريت التحرش بالأطفال هو من أكثر العفاريت إرعابًا لذوي الوعي من الآباء لتفشي خطره في مجتمعاتنا العربية بشكل مرعب كما تصفين، ولكن يبقى لنا حقيقة هامة تقوي من عزائمنا لمواجهته، وهو أن المتحرش شخص مريض وضعيف ويخشى باستمرار انفضاح أمره، وبالتالي فالوقوع في شراكه يحتاج لوقت وعلاقة قوية مع الطفل وعدم انتباه من والديه وقلة متابعتهما للطفل وإهمالهما له ولعلاقاته، وكلها أمور لا يتراءى لي أنك ستقعين في أحدها؛ مما سيحمي أبناءك بحول الله من كل مكروه وليس فقط التحرش.
وتعالي بنا نفكر كيف نحمي طفلك الجميل من التحرش بشكل عملي:
أولاً: احرصي ألا يكون لأي فرد أيًّا كان الانفراد بطفلك، فالمتحرش لا يفعل فعلته على مرأى من أحد -غالبًا- ويحتاج للانفراد بالطفل، وبالتالي فلا بد أن يكون السائق- الخادمة***- بواب المدرسة أو الحضانة-... وغيرهم ممن يطلق عليهم care givers، أي من يعتنون بأمور الطفل أبعد ما يكونون عن الانفراد بالطفل، كما ينبغي عدم السماح لهم بالتعامل معه إلا تحت نظر الوالدين بعيدًا عن الأماكن المغلقة أو في عدم وجود الوالدين.
فيمكن أن يذهب الطفل للمدرسة أو الحضانة مثلاً بصحبة والده بدلاً من السائق أو على الأقل أن تكون الحافلة بها رقابة تابعة للمدرسة لا تسمح بأن ينفرد الطفل مع السائق -مثلاً- مطلقًا.
ثانيًا: أفضل ألا يذهب طفلك للحضانة قبل أن يمكنه الكلام والتحدث معك وفهم توجيهاتك والتي ستتضمن ما تحدثنا عنه من توعية الطفل بـ:
1 - الفرق بين اللمسة الصحية واللمسة غير الصحية:Healthy Touch & Unhealthy Touch
2 - خصوصية أجزاء جسمه، واختلافها عن بعضها البعض.
ونفرق بين اللمسة الصحية واللمسة غير الصحية :Healthy Touch & Unhealthy Touch، فنقول:
اللمسة الصحية: هي ما لا يسبب أمراضًا أو آلامًا، وهي ما يمكن أن يحدث من (ماما) أثناء تغيير الملابس مثلاً، أو من (بابا) عندما يصافح ويسلم ويقبل عندما يعود من العمل، أو من الأقارب حين يصافحوننا ويحيوننا، ويكون اللمس الصحي لليدين والكتفين والذراعين، وبصورة سريعة ودون الحاجة لكشف أي جزء من الجسم أو رفع الملابس عنه.
اللمسة غير الصحية: هي ما تسبب نقل الأمراض؛ بسبب عدم الالتزام بالقواعد الصحية أو بشروط اللمسة الصحية التي أشرنا إليها.
أما عن خصوصية أجزاء جسمه، واختلافها عن بعضها البعض فنقول:
يجب أن تعلم الأم الطفل أن أجزاء جسمه مختلفة، ولكل منها وظيفة تؤديها وطريقة سليمة يجب أن نتعامل بها معها، كما أن هناك أجزاء من هذا الجسم لا تصلح لأن يتعامل معها أو يلمسها أو يراها أحد سواه؛ لأنها ملكه هو وحده، ويجب أن يحافظ على صحته بأن يلتزم بقواعد النظافة في التعامل معها.
والتحدث مع الطفل في هذا الموضوع يجب أن يبدو تلقائيًّا؛ فهذا أمر مهم بالنسبة للتربية الجنسية للطفل بشكل عام، ويمكن أن تساق له هذه المعلومة من خلال حوارات مثلاً عنه حينما كان صغيرًا وكنت تغيرين له "الحفاضات"، أما الآن فهو كبير ولا يصح لأحد أن يطلع على كل جسمه كما كان حينما كان صغيرًا.. وحوار آخر حول أجزاء الجسم بشكل عام -لا يبدو فيه تخصيص يلفت نظره إلى جزء معين من هذا الجسم- بداية من العين، والرقبة، والرأس، والأذن، والصدر، وكيف أن كلها أجزاء جميلة وظاهرة من جسمه وأنها تختلف في الرجل عن المرأة، فشعر (ماما) طويل وشعر بابا قصير ويده كبيرة ويد ماما أصغر، وهكذا...، ثم يتم لفت نظره بشكل غير مباشر إلى أن أعضاءه التناسلية هي من أجزاء جسمه التي يملكها وحده، وينبغي أن يحرص جدًّا على النظافة في التعامل معها؛ حتى لا يصاب بالأمراض أو تنتقل له الميكروبات ويضطر لتناول دواء لا يحب طعمه لعلاج هذه الأمراض، وهكذا...
والطريقة المثلى في إشعار الطفل بخصوصية هذا المكان هي شد انتباهه دائمًا إلى النظافة والصحة، ومراعاتهما أثناء التعامل مع هذا المكان بدون حدة؛ ليشعر بشكل طبيعي باختلاف وخصوصية هذه الأعضاء دون أن نلفت انتباهه إلى شيء آخر، ودون إشعاره أن فتح هذه الموضوعات للسؤال والتعلم جريمة نكراء ومساحة غامضة تحيطها علامات الاستنكار والاستفهام والتكتم.
ثالثًا: من يتحرش بالطفل غالبًا هو شخص له به علاقة وثيقة وحميمة (ما لم يكن الأمر اختطاف أو اغتصاب)، وبالتالي فلا بد من سؤال الطفل عن مصدر أي هدية أخذها أو حلوى حصل عليها، ولمَ فاز بها؟... إلخ، مع توعيته بخطورة تناول شيء دون عرضه على (ماما) لتعرف هل هو مضر أم صالح لا يضر، وتوعيته ألا يقبل هدية من أي غريب باستثناء مدرسته مثلاً عندما تكافئه على تفوقه، وأن يشكر من يعرض عليه أي هدية دون أن يأخذها، ثم يخبرك بها -إن كان يريد مثلها- لتشتري له أنت بديلاً بها.
رابعًا: تابعي بدقة مسألة تكرار الهدايا من طرف معين دون إرعاب الطفل أو عقابه -فقط بالتحاور معه بلطف- وذلك لتتخذي احتياطات الحذر الكافية لمنع هذا الطرف من الانفراد بطفلك أو لقائه أصلاً.
خامسًا: لا بد من ملاحظة الطفل باستمرار -دون إشعاره بالرقابة الخانقة- ومتابعة ميوله في اللعب، وطريقة وأنواع لعبه، وحماية الطفل من مشاهدة قنوات فضائية أو مجلات أو أي مواد إعلامية غير مناسبة، مع غرس الوازع في نفسه إلى رفض كل ما لا يحبه الله عز وجل واستخدام نعمة -كالعين مثلاً- فيما يرضى فقط.
سادسًا: لا بد من إشعار طفلك دائمًا بالأمان والقرب منك ومن والده، وأنكما له مصدر كل الحماية، فغالبًا ما يلجأ المتحرش إلى إرعاب الطفل أو تهديده أنه لو أخبر أحدًا فسيفعل به كذا، أو أنه لو قال لأبويه فسيقتلانه... إلخ، ويقطع على المتحرش هذا الطريق شعوره بالأمان مع والديه وأنهما يحميانه ولا يعاقبانه بإفراط أو مبالغة، كما يجب تعويده على الحكي وأن يروي تفاصيل أي موقف حدث له دون عقاب أو زجر، فيكفيه أنه صادق؛ وذلك لتعويده أن ينقل بصورة واضحة ما يتعرض له أو ما قد يتعرض له أو ما يخيفه أو ما فعله في يومه؛ وبالتالي فإن تأمينه مما تم تهديده به يدفعه للاعتراف وهو ما سيساعد حتمًا في علاجه ووقايته وحمايته.
سابعًا: لا بد من فحص جسد الطفل يوميًّا أثناء تغيير ملابسه وتحميمه لكشف أي آثار لكدمات أو ضربات أو "خمش" في جسمه، وفحص ملابسه الداخلية وخلوها من الشعر أو أي إفرازات غريبة إلى غير ذلك.
ثامناً: لا بد من متابعة أي مشكلات تطرأ على الطفل في:
التحكم في الإخراج.
الشهية للأكل.
حب الناس والاندماج معهم.
التحصيل الدراسي.
الانتباه والتركيز.
السرحان أو عدم الاندماج في الواقع.
تاسعاً: لا بد من تعويد الطفل أن يدخل الحمام منفردًا دون حاجة لمساعدة أحد أو تدخل أحد، وأنه لا بد من غلق باب الحمام عليه، ولا بد من متابعة عاملة الحمامات من آن لآخر للاطمئنان على الطفل وعما يتم أثناء دخوله وخروجه وكذلك غيره من الأطفال.
أختي الكريمة.. أنا أشعر بمخاوفك وأقدر أهميتها، ولكنك أنت الأقوى من كل خطر بحبك لأبنائك وحرصك عليهم وتحسبك وإعدادك للنجاة.
وأخيرًا.. أتركك على أمل في لقاء قريب وموافاتك لنا بالمزيد من استفساراتك وأسئلتك.. آملة أن نكون لك أهلاً وصحبة في غربتك، وجزاك الله خيرًا.
وإلى كل زوارنا.. شاركوا بآرائكم وتجاربكم حول نفس الموضوع عبر بريد صفحتنا:
tarbia@islamonline.net
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..