ابنتي -6 سنوات- طويلة اللسان، وليست ثرثارة أو بذيئة، بل إنها فقط تجادل وتلح وتتكلم كثيرًا، فكيف أتعامل معها؟ وأيضًا هي كثيرة التعلق بالأشياء فلو كنا في سوبر ماركت فهي تريد أن تشتري لنفسها كل الألعاب والحلويات وكل شيء.. وقد هددتها كثيرًا ألا أصطحبها.. فهل هذا حل؟ وكيف العلاج؟.. كيف أعلمها ضبط شهواتها وضبط النفس وترتيب الأولويات... إلخ؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
الأخت الكريمة أهلاً بك ومرحبًا بابنتك الجميلة الرقيقة ميرال.. كم أعجبني الاسم وليتك تتكرمين بإرسال معناه لي.. وأتخيل طفلتك التي تتحدثين عنها وأحاول أن أرسم لها صورة في مخيلتي.. خاصة وأنك تتحدثين عن طفلتي.. فأجد الأكثر بروزًا في مخيلتي أنها طفلة ذكية تبحث عن إجابات لأسئلتها الكثيرة وتعجبها الأحاديث والمناقشات التي تبرز قدراتها اللغوية التي حباها الله بها.. هذا ما تخيلته من رسالتك القصيرة جدًّا التي تصفين فيها ابنتك بأنها تلح وتجادل وتتكلم كثيرًا.
منذ ما يقرب من العام رددت على استشارة بعنوان ثرثرة ابنتي: من يوقف هذا الصداع - متابعة. وكنت أركز في ردي أن أحاديث الأطفال الكثيرة خاصة في هذه السن إنما يكون لأمرين: الأول إثبات القدرة اللغوية؛ فالطفل في هذه السن لغوي ويرغب في استعراض هذه القدرات التي يحصلها على طول الطريق؛ ولذا يحب الحديث وخاصة إلى من يحبهم والأم على رأس هؤلاء بالطبع، وخاصة إن كانت طفلة مؤنثة. ثانيًا الرغبة في أن يكونوا موجودين بارزين على ساحة المناقشات الأسرية.
ثم تذكرت هذا الرد الذي كتبته منذ زمن حينما كنت مصطحبة ابنتيّ لزيارة عمتهم، فلم تتوقفا عن الحديث طيلة الطريق.. فضحكت وقلت لزوجي: "أعتقد أنني ينبغي علي أن أرسل لهذا الأب الذي رددت عليه منذ زمن لأقول له معك كل الحق في أن تتعب من الحديث الدائم والمناقشات الدائمة". ولكنها مجرد كلمة أسررتها بيني وبينه. فالحق أن الحديث مع الأطفال أحد المتع في هذه الحياة؛ وإن أتقنا فنّه فُزنا بالخير الكثير. خاصة أن هذه الأحاديث هي الوسيلة الأساسية للتواصل مع الطفل. والوسيلة المثلى لنفهمه ونتعرف على داخل هذا العالم الرائع الجميل؛ وسنحتاج لهذا الحديث ذات يوم، فإن أوصدنا الباب اليوم دون أحاديث الصغار فلن نتمكن غدًا من رؤية عالمهم الذي لا بد أن نكون أحد أبطاله.
ولكن مع ذلك هناك ما يجب أن يتعلمه الأطفال أيضًا: فالحديث حق للطرفين؛ واحترامه واجب الطرفين. فلا بد أن يتعلم الطفل أن ينصت للآخرين كما ينصتون إليه، كما يجب أن يتعلم أن يهتم بما يقوله الآخرون كما يهتم الآخرون بحديثه، كما أنه من المهم أيضًا أن يتعلم متى وكيف يتدخل في حديث ما، على أن يكون الحديث أثناء وجوده حديثًا مناسبًا لأن يسمعه وأن يشترك فيه ويسأل عنه، ويدلي برأيه، كما يجب أن يُسأل عن رأيه ويستمع له باحترام؛ ليشعر أنه عضو محترم في الأسرة. وأيضًا علينا أن نعلم الطفل أنني من حقي أن أرفض الحديث عن شيء ما في وقت ما؛ ولأني أحترم الحديث فأنا لا أقبله إلا إذا كنت مستعدة له. وهذا يجعل الطفل على ثقة دائمة في أنك لا تملين حديثه أو تستمعين إليه مجاملة.
ماذا يمكننا أن نفعل أنا وأنت وغيرنا ممن يتعبون من الثرثرة ويرغبون أيضًا في الاستفادة من إيجابياتها؟
- أقترح عليك أن تمكني هذا التصور الذهني الإيجابي من عقلك: "طفلتي لغوية؛ لا بد من مساعدتها على التعبير والتواصل الإيجابي؛ ولا بد أن أعلمها كيف تتواصل بشكل جيد". هذا التصور الذهني الذي ننطلق منه في تعاملاتنا مع أطفالنا مهم جدًّا.. فهو يوجه شعورك وبالتالي تفكيرك في اتجاه موجب يرى المزايا ويقلص السلبيات. فكرري هذا بينك وبين نفسك دومًا، خاصة في حديثك مع نفسك قبل أن تتحدثي مع طفلتك أو تواجهين أي موقف بينك وبينها.
فنحن يمكننا أن نوجه تفكيرنا في اتجاه ما. ويمكنك أن تفعلي ذلك دومًا بشكل لفظي في حديثك مع نفسك. فمن المعروف أننا يمكننا أن نستخدم قوة عقلنا الباطن وقوة تخيلنا بحديثنا مع النفس؛ فكأنك تشحذين همتك وتعملين عقلك في تفاصيل تنفيذ الشيء الذي تفكرين فيه.
- الخطوة الموازية: أخبري طفلتك لفظيًّا أنك تحبين وتستمتعين بالحديث معها، (وأثبتي لها ذلك عمليًّا: فانتبهي لها وجهًا لوجه بينما تحدثك، وعلقي تعليقات تظهر أنك تستمعين لها جيدًا؛ واسألي أسئلة توسع دائرة المناقشة وتوسع رؤية طفلتك. ولا تقاطعيها)، خلاصة الأمر احترمي حديثها واهتمي به.
- إذا لم تكوني مستعدة للحديث معها فأخبريها بذلك بلطف: "ميرال حبيبتي؛ أعلم أن لديك الكثير من الأشياء الهامة التي تودين حكيها لماما حبيبتك. وأنا أحب أن أستمع إليك بتركيز.. هل تفضلين الحديث في موضوعك قبل العشاء أم بعد برنامج".
أيضًا ومن المهم أن يفهم الأطفال أن هناك أوقاتًا لا يمكنني الاستماع والانتباه فيها. وينبغي أن يعلموا أننا ككبار نتعب ونتوقع منهم أن يساعدونا في التغلب على هذا التعب.. عامليها باحترام ومكنيها من الحديث فعليًّا كلما كان هذا ممكنًا؛ وستجدين نتيجة رائعة بإذن الله تعالى.
كما أرجو بعد قراءتهم أن تسجلي بعض المواقف التي تمر بك وابنتك الحبيبة وتصفينها فيه بأنها لحوحة، ثم اسألي نفسك هل هذا الوصف هو أقرب وأدق وصف لما أشكو منه وأريد تغييره في ابنتي، ثم تابعي وراقبي نفسك جيدًا: واسألي نفسك: هل أقوم بشيء هو الذي يجعل ابنتي تلح؟ هل هي تلح دومًا في أشياء معينة أو في أوقات معينة.. ما هي؟
سجلي ذلك، ولا تبخلي به علينا لنحلله معًا ونصل سويًّا للوصف الصحيح، وتعرف الأسباب، وتقديم مقترحات مشتركة بيننا.
كما يمكنك أيضًا تسجيل انتصاراتك: كل مرة ترين أنك تعاملت بطريقة مرضية مع حديث ابنتك، سجلي ذلك وسجلي تعليقك: لماذا تعاملت هذه المرة تحديدًا بهذه الطريقة (هل هو الهدوء - هل هي الصورة الذهنية - هل هي معرفة تجددت لديك - هل هو شعور معين انتابك...) تعرفي على ذلك ليمكنك الإبقاء عليه. وأرجو أن ترسليه إلينا؛ ولا يهم أن يكون مرتبًا جدًّا أو مصاغًا بطريقة ما؛ ما نرمي إليه هو هذه التجارب بعفويتها، وهذه الأحاديث والسيناريوهات اليومية التي هي نسيج حقيقي لحياتنا اليومية مع الطفل؟ هيا معًا نحدث فرقًا.
أما الجزء الثاني من استشارتك والتي تتحدثين فيه عن ميرال في رحلتها معك للسوبر ماركت:
التمهيد للموقف هو أفضل ما يمكننا فعله. الاتفاق في وقت سابق للتجربة (زيارة
السوبر ماركت) مسألة هامة.
"ميرال سنخرج اليوم لشراء بعض الأشياء: من فضلك هيا نكتب القائمة".. أملي على ما الذي نحتاج لشرائه: "سكر، بن، زيت...".
ماذا أيضًا تحبين أن نشتريه لميرال الجميلة: " اطلبي شيئًا أو شيئين (حسب ما تقررين أنت؛ وعليها أن تعرف أن هناك ميزانية للأسرة تسمح بكذا اليوم؛ ولا تسمح بكذا، حتى وإن كانت الأحوال المالية للأسرة ميسرة، فالطفل يتعلم من تجاربه وخبراته اليومية.
المهم أن تشعر أنها أحد أفراد أسرة تخطط معًا وتتخذ القرارات معًا وتنفذها معًا.. حين تشعر ميرال أنها جزء هام من مجموع ستتصرف وفق هذا الشعور بالاحترام والأهمية؛ كذلك ستجدينها بعد وقت مسئولة وتتابع هذه المسئولة. ولن تخرج عن الخطة التي كانت هي جزءًا منها، بل ستسعى لتنفيذها وإن رغبت أنت في الخروج عنها.
وأثني على تعاونها ومساعدتها لك في التسوق فيمكن أن تُملِيك وقت التسوق من القائمة المعدة سلفًا؛ ويمكن أن تتولى هي القيام ببعض المشتريات من قسم معين بينما تشترين أنت الباقي، وأفهميها أننا سنلتزم بما هو مكتوب في القائمة.
وفي نهاية رحلتك الناجحة أعطها النقود لتتولى هي الدفع.
الخلاصة: حاولي الإشراك الذي يشعر بالاحترام والأهمية والعضوية الحقيقية في جماعة.
ومن المهم أيضًا أن تتعلم الطفلة أن تشتري في حدود مصروف شخصي تتفقان عليه وتعلمينها ما الذي يمكن أن تشتريه به: (هذا المبلغ يمكن أن يشتري مصاصة ولبان؛ ويمكن أن يشتري كيسًا واحدًا من البطاطس...، وإذا أردت شراء آيس كريم عليك أن تدخري مبلغًا من مصروف اليوم السابق".. علميها من تجارب الحياة اليومية، وأتوقع نتيجة مختلفة إن شاء الله.
وفقك الله وهداها وهدى كل أطفالنا.. اللهم آمين.
وأكرر رجائي بأن ترسلي لنا مواقفك مع طفلتك، وما حدثت به نفسك وقت قراءة هذه الرسالة أيًّا كان: تعليق أو سؤال أو فكرة تنفيذية، أو... فأحسب أن هذا التواصل سيجعلنا شركاء بحق لنربي أبناءنا معًا.. والله المستعان.
ولمزيد من المعلومات يمكنك مطالعة:
- الثرثرة.. وجهة نظر نفسية - أسرع قطار لمحطة العناد - الصداقة مع أبنائنا.. كيف؟
وإلى كل زوارنا.. شاركوا بآرائكم وتجاربكم حول نفس الموضوع عبر بريد صفحتنا:
tarbia@islamonline.net
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..