أتحدث لكم عن فتاة تبلغ من العمر 14 عامًا تقريبًا كانت مرحة جدًّا حتى إذا أصبح عمرها 14 - 15 عامًا تغيرت وأصبحت كئيبة جدًّا وانطوائية على نفسها بالرغم من طبيعتها الاجتماعية، وعلى الرغم من أنها ذكية جدًّا والحوار معها منطقي جدًّا حتى إنك تشعر عندما تتحدث معها أن عقلها أكبر من سنها، وأنها متزنة خلقيًّا ودينيًّا قائمة بواجبها نحو أمها، وفإنها تكره الدنيا بأكملها.
دائمًا عندها ملل تكرس كل وقتها للدراسة، حيث إنها لا تخرج من المنزل أبدًا أو نادرًا ما تخرج للذهاب إلى بيت جدها.. وقد نصحتها إحدى معلماتها بالخروج، ولكنها لم تستجب، ولكن كان كلام المعلمة جدًّا مؤثرا، حيث إنها كانت تبكي والمعلمة تتحدث، وهي تحصل على درجات كبيرة في المدرسة، فدائمًا تنجح بتقدير امتياز، والمعلمات دائمات المدح فيها وهي تحترمهن، ولكنها فجأة تغيرت وهذا التغير تشعر به مدرساتها ومن حولها من زميلاتها.. لا تفتح قلبها لأحد، تسمع الجميع ولكن لا أحد يسمعها.. دائمًا تبكي (للتوضيح.. والد الفتاة متوفى منذ أن كان عمرها 7 أعوام)، ولكم جزيل الشكر.
مرحبًا بك عزيزتي الحائرة، ومرحبًا بابنتك، بارك الله لك فيها وحفظها لك وإخوتها من كل سوء، ولقد كانت الحيرة تتقافز بين سطور رسالتك قفزًا بما لا يجعل أمامي بُدا من أن ألج في الموضوع مباشرة دون مقدمات.
وتعالي نحلل معطيات سؤالك معًا:
أولاً: حالة ابنتك هي شيء مستحدث مخالف لطبيعتها، وربما تزامن مع البلوغ وسبر أغوار المراهقة، ويبدو أن الحدث الذي عقبته هذه الحالة من الحزن والبكاء والنفور من الحياة معتم عليه وغير واضح.
ثانيًا: الابنة متفوقة وذكية -ما شاء الله- ولها من سعة الصدر ما يجعلها تسمع للجميع، لكنها لا تبوح بمكامن آلامها ولا مشاعرها، وتثير عجب الجميع بأنهار دموعها.
ثالثًا: لا تحب الخروج وتريد الحياة في عزلة وتجيد التلهي في الدراسة.
ومن الواضح جدًّا أن هناك مساحة مظلمة أو حلقة مفقودة في الموضوع؛ فقد حدث شيء ما -كما أعتقد- لتلك الفتاة سبّب لها ذكريات أليمة وخلف جراحًا ومشاعر لا تستطيع التعبير عنها إلا بكل تلك الدموع.
ولعل في الدموع بعض التسرية عن الفتاة المسكينة، ولكن لا بد من عرضها على طبيب نفسي أو طبيبة تحاورها وتطمئن لها لاستخراج ما يجثم في أعماقها ويسبب لها تلك الحالة، ولتشخيص الأمر بشكل وافٍ فلا بد من المقابلة الشخصية مع الطبيب حتى يضع التقييم النهائي لحالتها، ومما لا شك فيه أن السرعة مطلوبة جدًّا قبل تفاقم الحالة، ولإنقاذ الفتاة من أي خطر يتهددها.
واسمحي لي أن أتطرق إلى نقطة مهمة، فقد ذكرت أن الابنة قد تحاورت وتكلمت مع معلماتها وسمعت النصح منهن، وأنها تسمع للجميع، ولم تتحدثي نهائيًّا عن أي احتكاك بينكما بهذا الخصوص من حوارات أو نصائح أو حتى محاولات للاقتراب، كما زاد من الغرابة كونك تمكثين مع الابنة 7 ساعات فقط رغم أنك ربة منزل، ولا أدري إن كان هذا العدد يقصد به صافي عدد الساعات بعد التفرغ من أعمال البيت أم أنها كل عدد الساعات التي تقضيها مع الابنة فعلاً؟
وعلى كل حال فالابنة في حاجة إلى علاقة دافئة حميمة معك مع أمها تسقيها من خبرتها وتعلمها ما لم تكن تعلم، وتؤهلها للتعامل مع كل الطوارئ والمواقف.. إنها في حاجة لحضنك تغرقه بدموعها في انتظار ربت يديك على كتفيها، ودعواتك بتفريج كروبها، إنها في حاجة لأذنيك تسمعان بتفهم ما يجثم على صدرها من هموم.
ومما لا شك فيه أن إقناعها بزيارة الطبيب ربما كان صعبًا؛ ولذا فلا بد أن يعرض عليها في صورة اقتراح لراحتها وسعادتها، ولا بد من تجنب الإهانة أو التجريح أو الإجبار أو الإشارة من قريب أو بعيد لوجود اختلاف في الابنة عن الطبيعي أو أنها مريضة أو غير ذلك، مع التأكيد لها على سرية كل كلمة تبوح بها للطبيب، وأن ذلك لمصلحتها للتنفيس دون أن تشعر أن لهذا التنفيس أي رد فعل غير مرغوب فيه من أي طرف؛ فالكثيرون يفعلون ذلك حين تكون لديهم أسرار لا يريدون لأحد أن يعرف عنها، وفي نفس الوقت يريدون البوح بها؛ لأنها حاجة طبيعية لكل البشر، فالطبيب النفسي يعتبر صديقا أمينا كاتما للأسرار وطرفا محايدا لن يستطيع أن يفعل بهذه الأسرار أي شيء سوى راحة صديقه.
يبقى أمر مهم، ولعله لفت نظرك من بداية الإجابة، وهو عدم تبرير حالة الطفلة بوفاة الوالد أو اعتبارها نتيجة مباشرة لذلك؛ لأن الطفلة كانت طبيعية بعد وفاته بسنوات ست ولم يطرأ عليها هذه التغيرات سوى مؤخرًا، لكن هناك نقطة مهمة -وهي مجرد افتراض- وهي أن بلوغ الابنة ودخولها في المراهقة وسماعها من حديث صديقاتها عن آبائهن قد أحيا لديها أحزان فقده، وذكرها بحاجتها إليه غذى شعورها بالحرمان من عطفه، وزاد المسألة تعقيدًا رهافة حس البنات بشكل عام ورهافة مشاعر المراهقة بشكل خاص.
ولكن أعود فأذكرك أن كل ما نقول هو محض افتراضات غير كافية للتشخيص أو تحديد العلاج، وهي في حاجة للجزم والتحديد بزيارة الطبيب النفسي ولقائها معه/ معها وجهًا لوجه وتكرار عيادته وزيارته، لتحديد برنامج ناجح للعلاج وتطبيقه بدقة.
وحتى يتم لك هذا الأمر فأوصيك بالتالي:
أولاً: تقوية العلاقة مع ابنتك واحتضانها بكل حنان، وتأليف قلبها والحرص على الحوارات الدافئة معها.
ثانيًا: لا بد من سعة الصدر معها وتقبل حديثها -على قلته- أيًّا كان، والتفاهم معها بموضوعية وهدوء.
ثالثًا: حاولي حثها على التنفيس والتهوية Ventilation بسبل مختلفة غير الكلام كالرسم أو كتابة المذكرات أو كتابة الشعر أو النثر أو الزجل أو القصة القصيرة؛ فكل ذلك سيساعد كثيرًا في التخفيف من كثافة الدخان الذي يعبئ جوفها، فإن خرج منه فما يلبث صدرها أن ينفرج.
رابعًا: طالما أنها تمنح محدثيها آذانا مصغية، فبادريها أنت بالحديث عن نفسك وذكرياتك في سنها، وتجاربك، ويومياتك... إلخ، بل وبثيها مخاوفك وأحزانك وأطلعيها على كل ما يعتمل بصدرك، ولكن لا تنتظري منها أن تفعل المثل، فالأمر يحتاج إلى وقت.
أختي الكريمة، يحضرني قبل أن أختم حديث معك بأجمل قصة سمعت عنها لفتاة مع أبيها، قصة تلقي الضوء على المعنى الحقيقي لصداقة المربي مع ابنه أو ابنته؛ إذ يفهمه بالإشارة ويسعى لحلول إيجابية سريعة لمشكلاته، ويميل لتسكين مشاعره وتلبية ما يمكن من رغباته بالشكل الأصلح له، إنها قصة شعيب عليه السلام نبي الله وابنته التي مال قلبها للقوي الأمين موسى عليه السلام؛ فذهبت تصارح أبيها بحياء ورقة وهدوء قائلة: "يا أبتِ استأجره..."، فيفهم الأب تلميح ابنته فيرسلها في طلبه لينكحه إياها ويسعدها ويريح قلبها، لعل في قصتهما عبرة لكل آباء وأمهات المراهقين والمراهقات عن كنه الصداقة مع الأبناء.
الى كل زوارنا.. شاركوا بآرائكم وتجاربكم حول نفس الموضوع عبر بريد صفحتنا:
tarbia@islamonline.net
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..