أنا والد لطفل 7 سنوات هو الأخ الأكبر لطفلين ذكر وأنثى يصغرانه بثلاث سنين، قد صببت فيه كل جهدي وجعلت فيه كل أملي بفتى مستقيم صالح ينشأ على القرآن والاستقامة، فاعتنينا به أنا وأمه أيما عناية وأدخلناه حلقة القرآن مبكرًا، وكانت ثمرة ذلك طيبة بحمد الله، من بداية جيدة في الحفظ واستقامة في السلوك والآداب.
وقد أتم ولدي الآن وبحمد الله السابعة، إلا أنه ضعيف الشخصية سهل الانقياد من قبل الغير، لا سيما ممن يحب ويأنس به، سهل زعزعة القناعات والآراء بكل ما يملك أو يؤمن به؛ ولذا ولكونه يعيش معنا في وسط بعيد عن الأهل والأقارب فيكون معظم أيامه معزولاً عن الناس، وعند الاختلاط بأقرانه فإنه يتعلق بهم جدًّا ويتطبع بطباعهم وآدابهم ويتغير كثيرًا عما عودناه عليه من السلوك، لكن ما يلبث أن يعود إلى طبيعته عند العودة إلى البيت.
إلا أن الحال قد تغير منذ سنة تقريبًا، حيث إنه في الصيف الماضي حدثت له مشكلة أخلاقية مع قريب له ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومضت الأيام تلو الأيام واستطعنا بتبصير الله لنا أن نتجاوز تلك المأساة، إلا أن آثارها لم تزل في النفوس من دوام التفكير في الأمر، والخوف من الوقوع مرة أخرى لا قدر الله، والمتابعة والمراقبة الشديدة والمنع من الخلطة الزائدة مع الأطفال أو الخلوة معهم دون رقيب أو النوم خارج البيت.
وقد سبّب ذلك الأمر الكثير من الضغط النفسي والقلق عليّ وعلى والدته، إضافة إلى خوفنا من شعوره بذلك؛ وهو ما قد يسبب ردة فعل عكسية من جانبه، لا سيما أنه حساس جدًّا وذكي وقوي الملاحظة.
والآن نحن بين نارين؛ الخوف عليه من الوقوع في مثل هذه الانحرافات، لا سيما على مثل شخصيته الضعيفة، ومن خطر انتقالها إلى إخوته، والخوف كذلك من أن يسبب حرصنا المتزايد عليه لأي مشاعر عكسية لديه أو تأثير على شخصيته وزعزعة ثقته بنفسه.
فحفظكم الله كيف يمكن لنا متابعة هذه المشكلة والتأكد من تحصنه بإذن الله ضد الوقوع فيها، دون أن نتشدد معه فنؤذيه بأي أسلوب أو تصرف خاطئ ونؤثر على نفسيته؟ وما الأسلوب الجيد لمتابعته والتعرف من خلاله على مَن يسلك سلوكيات سيئة من أقرانه لنبعده عنه؟ علمًا أنه يتساءل كثيرًا ويتضجر من الأسئلة الاستجوابية المباشرة عند ملاحظتنا لأي شيء.
هل يحتاج إلى طريقة معاملة خاصة بسبب هذه المشكلة؟ هل هذه الانحرافات لها أسباب نفسية أو تربوية مع محافظتنا الشديدة؟ هل أنا محتاج إلى تنبيه مدرسه لهذه الأمور كي يزداد تنبهه له وملاحظته؟ كيف يمكن أن أقوي من شخصيته أمام اقتياد وتسلط الآخرين؟ كيف نحمي بقية إخوته؛ حيث إنه شديد الغيرة منهم مع حنوه عليهم وحبه لهم؟
سيدي الفاضل، لقد تتابعت الأسئلة الحيرى في سؤالك، وهي تكشف عن عمق القلق الذي ينتابك ويشوبه الإحساس بالذنب المتسائل، فهل بالغت في طموحاتك بالنسبة لتربية ابنك؟ وهل بالغت في التعبير عنها أم أخطأت وسيلة تحقيقها فكان ما كان من انعكاسات في ضعف شخصية ابنك وسهولة انقياده، ثم تعرضه للحادث اللاأخلاقي الذي لم يتضح في رسالتك طبيعته التي حدثت له مع هذا القريب؟ وما هي سن هذا القريب؟ وهل كان الأمر مجرد تحرش جنسي بالابن أم تعدى الأمر إلى اعتداء كامل عليه؟
وسوف أعود لمناقشة طبيعة هذا الغموض بعد قليل، لكن قبل ذلك أحب أن أناقش معك السؤال المهم حول طموحاتك لتربيتك طفلك وكيفية تطبيقها، وهو ما اشترك معك فيه كثير من الآباء حتى تجمع لدينا زخم من أسئلتهم تدور حول ما أسميناها "المثالية في التربية"، ولن أعيد عليك الكلام؛ فليس الهدف من مناقشته هو تقريعك أو لومك، وإنما محاولة الكشف عن جوانب أخرى ربما تكون خافية عليك كما هي خافية على كثير من الآباء والأمهات ولا تزال.
ولنأت إلى الغموض حول عرضك للمشكلة الأخلاقية التي مر بها طفلك وما انبثق عنها من مخاوف وتساؤلاتك حولها وإجابتنا عنها:
فهذا الغموض نابع من الثقافة التي ترى في هذا الاعتداء الذي يقع على طفلنا فضيحة يجب سترها، بل ويصبح هذا الطفل الضحية هو المتهم والمذنب الذي يتم استجوابه والخوف منه على إخوته، بل والتساؤل لماذا انحرف ونحن نربيه تربية محافظة.. أما المجرم الحقيقي فيترك ليعود ويرتكب جريمة مع أطفال آخرين يجدون أنفسهم في نفس الدوامة من الاتهام بالرغم من أنهم لم يعلمهم أحد أو ينبههم أو يحذرهم أحد.
إن الحل الذي يحمي هذا الطفل وإخوته وكل من في مثل سنه هو التعليم المسبق.. تعليمهم كيفية وقاية أنفسهم من مثل هذا الاعتداء؛ ليتعلموا ألا يسمحوا لأحد أن يقترب من أعضائهم التناسلية أو يستجيبوا لأحد يطلب منهم خلع ملابسهم وكيفية التصرف مع من يفعل هذا، سواء كان قريبًا أو بعيدًا، سواء بالصراخ والاستغاثة أو الاستعانة بأقرب من هو موجود أو عدم الاستجابة لتهديداته أو إغراءاته، مع التنبيه للإبلاغ السريع في حالة وقوع أي شيء مشابه لذلك وعدم الخوف من العقاب؛ لأن الأمر لا يستحق عقابًا لطفلنا (الضحية) أو تأنيبًا، بل من يستحق العقاب هو الذي اعتدى أو حاول الاعتداء، فلا بد أن نبلغ عنه فورًا.
ونعلمهم كذلك أن اللعب لا يشمل هذه الأجزاء، وأن من يفعل ذلك نرفض ذلك منه، وأن نستمر في الصراخ في وجهه ونبلغه أننا سنخبر والدينا؛ فهذا تعليم مبدئي وأساسي لا بد أن يتم لجميع أطفالنا في أي مجتمع يكون فيه هذا السلوك الشاذ سائدًا أو متوقعًا بهذه الطريقة.
يمتلك الطفل الأدوات التي تمكنه من رد الاعتداء ورفضه، وهذا لا ينفي ضرورة الإشراف على أطفالنا ورعايتهم وملاحظتهم وقت التجمع مع من هم أكبر سنًّا منهم أو في الأماكن العامة، ولكنه سيظل أمرًا إضافيًّا يكمل حمايتهم لأنفسهم بأنفسهم.
ليس لطفلك خصوصية سواء في التعامل معه في البيت أو المدرسة، وبالتالي لا داعي للفت انتباه مدرسه إلى معاملة خاصة له؛ حيث إن رعاية كل التلاميذ وحمايتهم من هذا الأمر، بل وتعليمهم في المدرسة كيف يتقونه أمر عام لا يخص ابنك وحده، والأفضل أن يتحول إلى ثقافة عامة في المدارس بحيث يتعلم الأطفال كيف يحمون أنفسهم من التحرش أو الاعتداء، وعندها لن يختفي أحد بسبب ما حدث لابنه؛ لأن الفضيحة ستكون فضيحة المعتدي والذي سيفضحه سيكون أطفال قد تعلموا كيف يحمون أنفسهم وكيف يفضحون من حاول فعل ذلك.
ونرجو أن تراجع إجابتنا السابقة:
- امسك.. متحرش جنسيا
الى كل زوارنا.. شاركوا بآرائكم وتجاربكم حول نفس الموضوع عبر بريد صفحتنا:
tarbia@islamonline.net
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..