السلام عليكم ورحمة الله، أنا أم لابنة تبلغ من العمر 14 عامًا، لاحظت أنها أصبحت منطوية ومنعزلة عن العالم الخارجي بعد وفاة جدتها لأبيها، وقد جربت معها العديد من الوسائل التي لم تُجدِ نفعًا، فحينما أفاتحها بخصوص هذا الموضوع تثور وتصرخ في وجهي، أرجو أفادتي، وشكرًا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أختنا الكريمة، ومرحبًا بك وبابنتك وبأسرتك جميعًا، وأبدأ حديثي معك بوصية النبي صلى الله عليه وسلم للمصاب بفقد أحد أحبته بأن يدعو الله عز وجل قائلاً: "اللهم أجرني في مصيبتي واخلف علي خيرًا منها"؛ فالموت ابتلاء يبتلى به المرء في فقد عزيز لديه، لكن استمرارية الحياة وعدم توقفها عند هذا الابتلاء هو المحك الحقيقي لقوة عقيدة الإنسان.
ولعلي أقصد من هذا المدخل الإشارة إلى ما نفتقده أحيانًا في تربية أبنائنا وهو التربية الدينية التي ترتكز عليها اليوم وغدًا أصول عقيدة الشباب وتصرفاته وأحاسيسه ونظرته للحياة والموت والواقع المحسوس والمجهول ومعنى الفضيلة والرذيلة، وإجمالاً حقيقة الأشياء والمشاعر التي يشعر الفرد المؤمن أن عينًا ساهرة ترقبها.. فيضبطها كلما حادت.
يا عزيزتي، إننا غالبًا ما نجنب أطفالنا في صغرهم حضور أو مشاهدة أو حتى الحديث عن أي شيء يخص الموت، ونظل نهرب منه -أحيانًا- ظنًّا منا أننا نحميهم من الخوف والحزن كلما حاولوا أن يفهموا شيئًا عن الموت أو أين يذهب من مات؟ أو لماذا يموت؟ حتى نملأ جوفهم رعبًا من هذا الشيء المخيف الذي لا نود حتى ذكره، وهو ما ينعكس سلبًا على تعاطي أطفالنا مع الموت أو فقد أي عزيز.. كما حدث مع ابنتك، فبدأت في التمرد على فكرة الموت ورفضها والسخط عليها، ثم انطوت وانعزلت.. وربما تطور الموضوع.. رغم أن الجدة متوقع -مع كبر السن- أن تنتقل لجوار ربها في أي وقت.
وربما يفسح المجال في موضع آخر للحديث عن كيفية تربية الطفل على تقبل فكرة الفقد والموت، وملء أعماقه بالاطمئنان والرضا اللذين يقتلان القلق والشكوك حول مسألة الموت؛ وهو ما يضمن له تعاملاً أكثر هدوءًا مع هذه الحقيقة.. لكن الآن سيكون حديثنا عن كيفية التعامل مع ابنتك بعدما حدث لها، ومحاولة تصحيح فكرتها عن الموت، ومشاعرها تجاهه، والتخفيف من آثار هذه المعاناة التي تعانيها بعد وفاة الجدة.
أولاً: لا بد من وضع قواعد تحكم التعامل مع الأبناء حتى في ظل الغضب أو الخوف أو الانزعاج، وهذا أمر بديهي في تربية الأبناء؛ فهناك حدود لا يتخطاها الابن الغاضب أو الابنة الحزينة وهي في إطار "فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا"؛ فالثورة والصراخ في وجهك أيتها الأم الحبيبة لا علاقة لهما بالانطواء أو الانعزال، ويكفي التنويه بشكل حنون وحازم في أكثر من موضع عما يمكن أن يتم التجاوز عنه وما لا يصح التجاوز عنه من أسلوب التعامل مع الأم والأب.
ثانيًا: ربما يكون هناك أمر ما من علاقتك بحماتك رحمها الله تجعل ابنتك تشعر بأنك غير حزينة على جدتها التي كانت تحبها؛ ولهذا فهي تغضب عند مفاتحتك أنت بالتحديد لها في الأمر؛ فهي تشعر أن حبك لها غير كافٍ أو غير حقيقي، وبالتالي فليس من حقك أن تتحدثي عنها بعد وفاتها ويكفيها أنها ماتت ورحلت؛ لذا فإن كان الأمر كذلك فأنت في حاجة لأمرين:
- ألا تفاتحي ابنتك في مسألة وفاة جدتها نهائيًّا.
- أن تكثري من الحديث أمامها -وليس إليها- عن محاسن الجدة الراحلة ومناقبها وحبك لها، وحسن خاتمتها؛ ليتأكد لدى ابنتك حبك للجدة واعتزازك بذكراها.
ثالثًا: لا بد من ترسيخ الرضا في أعماق فتاتك والثقة في مواءمة قدر الله لعباده، وذلك كما يلي:
- بالحوارات الهادئة المباشرة التي يتجاذب أطراف الحديث فيها الأب أحيانًا وأنت أحيانًا أخرى والأسرة كلها في إحدى جلساتها الدافئة أحيانًا أكثر، حيث يتم من خلال هذه الحوارات توجيه الطفل بما يناسب سنه بأن أقدار الله كلها خير وأن ما يختاره للإنسان غالبًا ما يكون الأصلح، فحينما فارقتنا الجدة كان هذا خيرًا لها لتلقى ربها الذي تحبه والله يعرف أكثر منا ما هو الأفضل لها، وما علينا إلا أن نفرحها بأن نفعل ما يرضيها ويرضي الله وما كانت توصينا به، وأن الأمر قد يكون ظاهره مؤلمًا لكنه كل الرحمة؛ فربما يحيا الإنسان في ألم بسبب المرض مثلاً أو ضعف البدن، ويكون الأفضل أن يتنعم في جوار الله بالجنة، وربما يكون الألم والمرض سببًا في ثواب جزيل يتنعم المرء على إثره في جنات الخلود.
(ب) يمكن استخدام أسلوب الحوار غير المباشر، أي إدارة مناقشة لا تكون ابنتك طرفًا فيها لكنها تسمع ما يدور فيها من بعيد، وتدور حول فلسفة الموت وأنه لا يعني -كما تعلم الكثيرون ويورثون أبناءهم هذا الفهم الخاطئ- فقدا وحرمانا، بل هو أحيانًا يكون أفضل خيار، وهو بداية الحياة الحقيقية وبداية الحصول على أجر الجهد الذي بذل لإرضاء الله وإعمار أرضه في أيام طوال، وواجب من مد الله تعالى في عمره أن ينتهز الفرصة ليكثر مما يجعله سعيدًا في حياته التي يخلد فيها.
رابعًا: لا بد من تقوية صداقتك مع ابنتك بغير نية مباشرة لتجاوز هذه الأزمة بالتحديد، وإنما كضرورة أساسية من لوازم مراهقتها؛ فصداقتك معها تكفل لها الانتقال لعالم الأنوثة بأمان، وعبور نفق المراهقة المليء بالعثرات بكل انطلاق، وتقوية صداقتك مع الابنة بالحوار المتكرر الدافئ كصديقتين، بالمرافقة في جولات التسوق، بسعة الصدر لحديثها وأحاسيسها ومشاعرها التي تتغير كل يوم، بعدم إسدائها أي نصائح في صورة مباشرة، ولكن من خلال حكايات -حتى ولو مفتعلة- عن ذكرياتك وخبراتك وما كان الأمثل في التعامل مع كل موقف تتعرض له المراهقة.. وباشتراككما في العناية بالجمال، فتعملان معًا حمام كريم لشعريكما، وتقضيان أمسية لطيفة أخرى في التجمل ووضع أشكال مختلفة من الماكياج والتسريحات، وغير ذلك من أفكار تجعل العلاقة بينكما قوية لتسمتعا بها وتكون سدًّا منيعًا ضد فيضانات المراهقة العارمة.
خامسًا: سيفيدك الاطلاع على تفاصيل مهمة لنصائح مفيدة حول نفس الموضوع في معالجة سابقة تحت عنوان:
- الشوق الصامت للأب الغائب
سابعًا: قد يحتاج الأمر للعرض على طبيب أو طبيبة نفسية للتعرف على مشاعر الابنة بشكل أكثر تفصيلاً والوقوف على ما يسبب لها الرغبة في الانسحاب من الحياة الاجتماعية بكل دقة وعلاج هذه المسألة، ويسعدني مشاركتك في ذلك إن أردت، كما أن دولة الكويت بها الكثير من المراكز التي تُعنى بالصحة النفسية والإرشاد الأسري وغيره والتي يمكن أن يكون لها دور مفيد في حل مشكلة الابنة إن لم تتحسن حالتها بتطبيق ما سبق من مقترحات.
ثامنًا: لا شك أن الابنة في حاجة لأن تسمع أو تقرأ أو تعلم معنى ومغزى وأثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند المصيبة الذي يعمق الشعور بالرضا، ومن ثَم الأمل فيما هو خير مما كان، وليس فقط أن يرضى الإنسان ويستأنف حياته في حزن.
أختي الكريمة، أرجو أن أتلقى سريعًا موافاتك لنا بأخبار فتاتك وبنتائج تطبيقك الدقيق لما سبق من مقترحات ولما تم الإشارة إليه من نصائح في مواضع أخرى، ويسعدني التواصل معك وأوصيك بالدعاء في أيامنا الرائعة تلك.. وإلى لقاء قريب.
وإلى كل زوارنا.. شاركوا بآرائكم وتجاربكم حول نفس الموضوع عبر بريد صفحتنا:
tarbia@islamonline.net
جميع الاستشارات المنشورة على شبكة "إسلام أون لاين.نت" تعبر عن آراء أصحابها من السادة المستشارين ، ولا تعبر بالضرورة عن آراء أو مواقف تتبناها الشبكة لقراءة اتفاقية استعمال الخدمة و الإعفاء من المسؤولية..